الخليج الثقافي
عصر صعود الثقافة آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
محمد إسماعيل زاهر

1/1

هل أصبحنا نعيش عصر صعود الثقافة؟ إن المتابع لمختلف الخطابات المتعلقة بحقول شتى: سياسية، اجتماعية وحتى اقتصادية يلمح ذلك بسهولة، بل يتأكد له أن هذه الخطابات التي كانت في الماضي تعتبر الثقافة ذلك المنتج الفكري والإبداعي اللاحق أو المتأثر دوماً بما يحدث في المجتمع من حراك، باتت تعطي الأولوية للثقافة وربما يمكننا القول هنا إنها تنمو باتجاه “ثقفنة” قضاياها الأساسية .


إن فكرة الثقافة كبناء فوقي يستمد محدادته وأركانه الرئيسية من التغيرات المجتمعية بتعقيداتها المختلفة لم تكن حكراً على اليسار وحسب، ولكننا نلمح لها ظلالاً قوية في شتى التيارات الفكرية الأخرى، وحتى في أقصى الخطابات اليمينية كنا نقرأ عن امكانية دخول المجتمعات النامية إلى منظومة قيم صاغها الغرب عبر تبني هذه المجتمعات لمجموعة من الخطوات السيسيولوجية في الأساس وصولاً إلى النموذج الثقافي المراد ترويجه، اطلعنا في هذا السياق على نظريات تناولت طرق التحديث وفضاءات التنمية الثقافية .


بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي ودخول العالم إلى نظام القطب الواحد، تحولت الديمقراطية إلى “ديمقراطيتنا”، والليبرالية إلى “ليبراليتنا” . . إلخ، لم تعد هذه المفاهيم تناقش عبر مشترك إنساني، ولم تعد المجتمعات بإمكانها التطور لاستيعاب النموذج الغربي عبر حراكها الداخلي، وإنما من خلال الصدام الحضاري الذي يرافقه الغزو أحياناً .


هذه الصورة المبسطة لخطاب سياسي يُعلي من شأن الثقافي رافقها منتج فكري لم ينتبه له الكثير من مثقفينا، منتج يذكرنا بمصطلحات سيئة السمعة كالاستشراق والأناسة وغيرهما . في عدد مجلة “نيوزويك” بتاريخ 9 مارس/آذار الجاري كتبت شارون بيغلي عن “العلوم العصبية الثقافية” وهو تخصص جديد وفق الكاتبة يقوم على تحليل مناطق معينة في أدمغة أشخاص ينتمون إلى ثقافات مختلفة، التجربة التي أجرتها مجموعة من العلماء الأمريكيين على مجموعتين: صينية، وأمريكية، أثبتت أن هناك أماكن في الدماغ البشري تتأثر بالخلفيات الثقافية، فالدماغ الصيني استثار وأصبح أنشط عند عرض صور لبشر في وضع الخضوع “الرأس منحن، والكتفان منحنيتان إلى الأمام”، والدماغ الأمريكي تفاعل مع صور تؤكد الهيمنة “الوجه شاخص إلى الأمام”، والنتيجة نفسها تكررت بالنسبة لعقول الصينيين الناشطة مع اختبارات بخصوص الروابط والعلاقات التي تعلي من شأن الجماعة، بعكس العقول الأمريكية التي انفعلت بكل ما يرفع من شأن الذات الفردية المتحررة، وتنهي بيغلي مقالها بالتأكيد على أن “الفروق الدماغية” تثبت أن المفاهيم العالمية كحقوق الإنسان ربما لا تكون “عالمية” على الإطلاق .


الأمر لا يقتصر على مقالة وحسب، الفردية أو الفردانية الغربية، باستطاعتنا أن نرصد العديد من الكتابات “المعتبرة” التي تربطها بالغرب وحده . في كتابه “مقالات في الفردانية” يحلل لويس دومون من منظور “أنثروبولوجي”، لماذا وكيف اختلف الغربيون عن الآخرين . نحن هنا نعطي مثالين من عشرات الأمثلة الأخرى، الأول مسيّس بطريقة فجة، والثاني ينتمي إلى حقل النقاش الفكري الجاد لنظهر كيف أصبحت الثقافة تعيش عصر صعودها أو ربما يكون الأصح تصعيدها إلى الواجهة .


التاريخ لا يكرر نفسه، حيث لا نملك هنا القول إن الصورة السابقة مستنسخة من أجواء القرن التاسع عشر والذي شهد الموجة الكبرى للاستعمار الغربي المصحوب بمدافع علوم إنسانية مهدت لرسالة الرجل الأبيض وإفقاد الشعوب المستعمرة ثقتها بامكاناتها الواقعية ومنجزها الحضاري، المدرستان الفرنسية والألمانية عندما دخلتا في صدام وجدل حول مفهومي الثقافة والحضارة، وبرغم أنهما نظراً إلى الشعوب الشرقية على أساس أنها فاقدة لأسس حضارية راسخة، وفق المنظور الغربي، وفاقدة أيضاً لآليات وفضاءات إنتاج ثقافي حقيقي، فإنهما لم يلصقا التخلف كقدر حتمي دائم بهذه الشعوب، كان المطلوب من هذه الشعوب في كل هذا الجدل الفكري الانصياع سياسياً للغرب والانبهار فكرياً بنموذجه الثقافي وامكانية تبني هذا النموذج الذي أصبح عالمياً .


في هذا الاطار أيضاً اعتبرت شخصيات تصعد بالثقافة كمحدد أساس للتمايز بين البشر من قبيل الشخصيات المتطرفة أو الهامشية كأدوار جوينيو مثلاً والحال نفسها مع علوم نُظر إليها بشك كالانثروبولوجيا .


الصعود بالثقافة عبر تغليفها بأطر علمية دقيقة واتخاذها كمعيار للصدام بين البشر، ربما يُدخل العالم كله في مرحلة جديدة، بامكاننا أن نرصد ملامحها الأولية في ذلك التراجع ولو على سبيل الترف الفكري عن منجز الحداثة الفكري بأكمله، أيضاً يشير إلى مفارقة التناقض بين صور ذهنية ترسم لشعوب تذكرنا بكتب رحلات القرون الوسطى، وبين عصر اكتساح الصور المرئية، وربما يؤكد أزمة هوية يعيشها الغرب ويحتاج للخروج منها أن يميز نفسه وللأبد عن الآخرين، ولكن اللافت والأخطر تلك الكتابات التي وقعت في الفخ عندما تتحدث عن نجاح تجارب الهند، الصين، اليابان، على أساس ثقافتها القومية التي كان لها الكلمة الفصل في النهوض السياسي والاقتصادي، أو كتابات أخرى تنتمي إلينا وتنظر إلى الثقافة باعتبارها الحصن الأخير لأي نهوض عربي مستقبلي .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008