أعادت قضية الفتاة اليمنية التي تبلغ من العمر 13 عاماً والتي ماتت مؤخرا نتيجة الزواج المبكر الحديث عن زواج القاصرات مجدداً، ففي مصر كشفت دراسة حديثة أعدت بالتعاون بين وزارة التضامن الاجتماعي ومنظمة اليونيسيف أن حالات زواج المصريات صغيرات السن تزيد على 40 ألف مصرية ووصل عدد أبنائهن إلى 150 ألف ولد وبنت وأن نسبة زواج القاصرات تمثل
11%، كما تم مؤخرا إلقاء القبض على عدد من المأذونين بتهمة التورط في تزويج فتيات قاصرات، من هنا تفرض بعض الأسئلة نفسها حول هذه القضية: ما حكم الدين في زواج القاصرات؟ وما السن المناسبة لزواج الفتاة؟ وما أضرار هذا الزواج عليها من الناحية الطبية والاجتماعية والنفسية؟ وما الحل للتغلب على هذه الظاهرة التي تشهدها المجتمعات العربية؟
في البداية يرفض الدكتور محمد رأفت عثمان، عضو مجمع البحوث الإسلامية وعميد كلية الشريعة والقانون السابق، زواج الفتيات القاصرات مؤكداً أنه اتجار في أعراض المسلمات وهدر لكرامة الفتاة الصغيرة وطبيعتها خاصة حينما يكون في إطار الصفقات المالية مستشهداً بقوله تعالى: “وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح” أي يشترط أن تصبح البنت أو الولد قادرين على تحمل أعباء الزواج من الناحية الجسدية والفكرية .
حق الاعتراض
أوضح أن الشرع لم يظلم الفتاة وإنما أعطاها حق الاعتراض إذا تم إرغامها على الزواج، فمن حقها رفع الأمر إلى القاضي واستبدال ولي آخر بوليها الذي أراد تزويجها رغماً عنها فإن لم يكن هذا متوافرا فوليها السلطان أو من ينوب عنه .
ويؤكد أن الفقهاء اختلفوا في السن التي ينبغي أن يتزوج فيها الفتى أو الفتاة، فبعضهم أشار إلى سن 18 سنة، ومنهم من قال بسن 16 سنة، بينما رأى جمهور الفقهاء أن الفتاة يمكن أن تتزوج عندما تبلغ جسدياً وعقلياً، وحينما تعرف مفهوم الزواج ومسؤولياته وتبعاته، مشدداً على أن الزواج موقوف في الشرع إذا ما كان الزوجان لم يبلغا بعد، فإذا بلغت الطفلة وبدَت عليها علامات الأنوثة تُسأل عن رغبتها في إتمام الزواج ولا تجبر عليه، خاصة هذا النوع من الزواج الذي يكون وراءه صفقات سواء مالية أو تبادلية كما حدث مع الفتاة اليمنية، لذلك يجب تقنينه وإيقاف الآباء عن تزويج بناتهم في سن دون البلوغ .
سن البلوغ
الداعية الشيخ منصور الرفاعي عبيد، وكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق، يرى أنه ليست هناك سن محددة للزواج إلا عند البلوغ، فالبلوغ هو الأساس في زواج الإنسان وقد حدد الفقهاء البلوغ بأنه يبدأ من سن الثالثة عشرة لأن هذه السن ينضج فيها الإنسان في بداية مراحله، ويبدأ جسم الفتاة في التغير وتظهر ملامح أنوثتها وتستطيع الإنجاب مع القدرة على المعاشرة الجنسية، وكذلك الفتى عند هذه السن يتكون عصبه ويكون قادراً على الزواج .
ويشير إلى أن العلماء تحدثوا حول هذا الموضوع فمنهم من قدم السن قليلاً ومنهم من أخر، ولكنهم أباحوا للفتاة أن تتزوج مبكراً لأن أنوثتها تظهر من سن التاسعة في المناطق الحارة، ولذا فإن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئة واختلاف المناخ الطبيعي لأسباب أهمها “التلوث البيئي” وما دخل في الزروع من أسمدة فيها ضرر على جسم الإنسان، كذلك ما ينتج من السيارات وما يرمى في البحار والأنهار من فضلات المصانع وغيرها، وما يعطى للثمار من هرمونات حتى يكبر حجمها وتباع في غير أوانها وهكذا .
ويطالب الشيخ عبيد بألا نقلد الآخرين لاختلاف الظروف الاجتماعية والمناخية والفسيولوجية، وينبغي أن تكون عندنا دراسة نستفيد منها ونقدمها إلى الناس، ولعل حكومة مصر أحسنت صنعا عندما حددت سن الزواج للبنت بثمانية عشر عاماً و20 للذكر فهذه السن ليس عليها اختلاف أبداً، لأن النضج الجنسي والعقل الاجتماعي اكتمل عند كل منهما وفي مقدورهما تكوين أسرة سعيدة .
ويضيف: نرى أن القانون المصري يشدد على عدم زواج الصغيرات حفاظاً على مشاعرهن واحتراماً لطفولتهن، كما أن الزواج المبكر فيه مفاسد للطرفين، وفيه أيضاً تحطيم للشخصية الإنسانية في أعماق الطفل أو الطفلة لأننا نحملهما ما لا قدرة لهما عليه، والواجب على المجتمع متمثلاً في حكومة ورئيس الدولة أن يكون هناك تشديد من أجل رعاية حق الطفولة واحترام مشاعرها خاصة الفتاة وعدم إهدار كرامتها والقضاء عليها مبكراً، وهذا ما رأيناه في اليمن مؤخرا من حدوث وفاة طفلة دفعت حياتها ثمناً لقضاء شهوة من إنسان تجرد من إنسانيته .
أخطاء جسيمة
يقول الدكتور طه حبيشي، أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر: إن الأمر فيما يتعلق بتزويج الفتيات قد أخذ مساحة من التشريع حين ناقشه المشرعون وكثيراً ما نكتشف خطأ أو أخطاء جسيمة فيما تنتهي إليه هذه الجماعة أو تلك من قرارات أو توصيات، الأمر الذي يدفعنا إلى الرجوع بقوة إلى الشريعة الإسلامية لنتعرف إلى نظرتها الثاقبة وهي تُشرع للولاة حين أسندت إليهم تزويج الفتيات اللاتي لهم الولاية عليهن .
ويضيف: إن الأسرة لا يجوز أن تنشأ إلا إذا تأكدنا من سلامة الفتى والفتاة من خلال التأكد من نضج الأعضاء الجنسية وما يسمى في الشريعة بالبلوغ، وسلامة الفتى والفتاة ليست من الأمور المتقولبة وإنما هي من الأشياء المتغيرة، فلقد رصد صاحب كتاب “قصة الحضارة ول ديورانت” فرقاً هائلاً ربما يتجاوز الثلاثة أعوام بين الفتاة الهندية والفتاة الأمريكية فبينما تكون الفتاة الهندية قد ملكت أجهزة جنسية ناضجة صالحة للإنجاب وهي في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة فإن الفتاة الأمريكية لا تقدر على مساواتها أو مماثلتها في الصحة الإنجابية إلا حين تبلغ الخامسة عشرة من عمرها .
واستنادا إلى ما رصده “قصة الحضارة” وغيره يمكن أن نحكم على ظاهرة الصحة الإنجابية عند الفتاة بأنها ظاهرة إنسانية وطبيعية وحيوية خاضعة لظروف معقدة وجودها مع اختلاف الأوطان والمناخ إنما هو وجود متغير .
ويؤكد د .حبيشي أن هذه النتيجة الحاسمة قد أخطأ استيعابها بعض من لهم حق صنع القرار، وقد أخطأت الجماعات التي تتحدث عن حقوق الإنسان خطأ ذريعاً حين لم تميز بين المتغير والثابت، فحددت للصحة الجنسية تاريخاً لا يجوز الزواج قبله وهو إن صلح في وطن ومناخ لا يصلح في غيرهما مع اختلاف المناخ والأوطان، وقد ترتب على هذا مفاسد للأسف الشديد نراها قد وجدت لها عند المشرعين لحقوق الإنسان جواً من الحماية التشريعية التي لا مجال الآن للحديث عنها .
إن جمهور العلماء قد فهموا من عقود الزواج ومباشرة إنشائها أنها ولاية على النفس وهي خاصة بالرجال ولا يجوز للمرأة مباشرة هذه العقود على نحو من أنهن لا يمارسن أمور الولايات، ولقد فهم العلماء ذلك وقدروه تقديراً عظيماً وأصبح لولي الفتاة أن يزوجها بشروطه وهي قائمة على الموازنة بين مصلحة الفتاة ومصلحة أسرتها في ميادين الكفاءة والكفاية والحماية والصحة الإنجابية .
وكما تجاوزت جماعات حقوق الإنسان حدود مسؤولياتها تجاوز كذلك بعض الأولياء حقوقهم وهم يباشرون مسؤولياتهم في تزويج الفتيات .
ومن المؤسف المؤلم أن بعض الأولياء قد باشروا عقود تزويج الفتيات اللاتي لم يتوفر لهن النضج الجنسي أو الصحة الإنجابية على العموم وهذا التجاوز ترتبت عليه أمور خطيرة قد تكون الوفاة واحدة من أهمها إن لم تكن أهمها على الإطلاق، وتفاصيل هذه الآثار يدركها كل من اقترب من هذه الوقائع من رجال ونساء، والخطأ الذي وقع فيه الأولياء وهم يباشرون هذه العقود راجع إلى الخلط البغيض بين الحق الممنوح والواجب المفروض .
والحق الممنوح هنا للأولياء هو مباشرة عقود الفتيات بشروط والواجب المحتم على كل ولي أن يراعي مصلحة الفتاة المشار إليها سلفاً .
والأولياء حرص معظمهم على استيفاء الحق مع إهمال شديد في أداء الواجب وهذا أمر تترتب عليه من المسؤوليات أمام الله عز وجل ما يصعب تصور هيئة الحساب عليها .
غياب التكافؤ
يقول د .عبدالغفار هلال، الأستاذ بجامعة الأزهر، إن زواج القاصرات يمثل علاقة غير متوائمة بين طفلة صغيرة ورجل يكبرها بعشرات الأعوام ما يؤدى إلى القضاء على المفهوم الأساسي للزواج الذي يقوم على المودة والرحمة، بل إنه يتنافى مع الكرامة الإنسانية خاصة للفتيات، فهدفه في الأساس المتعة والربح لسماسرة هذا الزواج، كما أنه يفتقد لعنصر التكافؤ بين الطرفين .
إن سن الزواج التي حددها الفقهاء للفتاة مختلف فيها، فبعضهم يرى أن سن الخامسة عشرة هي سن البلوغ فيمكن أن تتزوج فيها الفتاة، وبعضهم ربط هذا بظهور أمارات البلوغ، فقد تظهر مبكرة قبل هذه السن فيجيزون الزواج أيضا، ولكن لولي الأمر أن يرى المصلحة فإذا رآها في التبكير بالزواج جاز ذلك، أما إذا كان يرى أن المسألة تقتضي نوعاً من التأخير في سن الزواج فله ذلك على حسب مصلحة الأمة وما يرى الحاكم البصير مما يصلحها، فالمسألة لم ترد واضحة محددة في القرآن أو السنة وإنما هي اجتهادات للعلماء بما كان يناسب عصورهم .
ويضيف د .عبدالغفار: علينا أن نجتهد مثلهم وأن يكون اجتهادنا بما يناسب عصرنا وبما لا يضر بمصلحة الشباب أولا والأمة ثانياً، ومن المقرر شرعاً أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والقاعدة الفقهية تؤكد أنه لا ضرر ولا ضرار، ومادام سينتج عن الزواج أضرار اجتماعية ونفسية وبدنية للطفلة فهذا لا يجوز شرعا انطلاقاً من القاعدة الشرعية “حيثما كانت مصالح العباد فثم شرع الله”، والمتحمسون لزواج القاصرات أحلوا الشروط والأحكام الشرعية المشددة في إباحة زواجهن ولم يبينوا تلك الشروط والأحكام إبراء لذممهم من المخالفات التي ترتكب في حق الفتيات .
مشكلات صحية
وتؤكد د .مها الصواف، أستاذة أمراض النساء والتوليد، أن زواج القاصرات أحد العوامل الرئيسة التي تساعد على ظهور مشكلات صحية ما يؤدي إلى زيادة الأمراض في الأسرة والمجتمع .
ومن الآثار الصحية السيئة على الفتيات الصغيرات تسمم الحمل وفقر الدم وصعوبة الولادة والإجهاض ومخاطر الإنجاب المتكرر دون فاصل زمني معقول بين الولادة والأخرى على الأم والجنين، إلى جانب إمكانية حدوث اضطرابات الدورة الشهرية وتأخر الحمل وتمزق المهبل والأعضاء المجاورة له وازدياد نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام في سن مبكرة نتيجة نقص الكالسيوم، إضافة إلى الارتفاع الحاد في ضغط الدم ما يؤدي إلى فشل كلوي ونزيف وحدوث تشنجات وظهور التشوهات العظمية في الحوض والعمود الفقري بسبب الحمل المبكر إلى جانب عسر الولادة الشائع بين الفتيات المراهقات .
اضطرابات نفسية
الدكتور أحمد البحيري، استشاري الصحة النفسية، يعرف القاصر بأنها الفتاة التي لم تتوفر فيها بيولوجياً ونفسياً المؤهلات التي تجعلها قادرة على تحمل مسؤوليات الزواج، وهذه الفتاة سوف تتعرض لانتهاكات جسدية، الأمر الذي يؤدي إلى عواقب وخيمة وعقد نفسية لا حدود لها، ومن الآثار النفسية السلبية الحرمان العاطفي الذي تعاني منه الفتاة الصغيرة بعد افتقادها حنان الوالدين عقب زواجها وحرمانها من عيش مرحلة الطفولة مما قد يؤدي في المستقبل إلى ظهور أمراض نفسية مثل الهستيريا والفصام والاكتئاب والقلق واضطرابات الشخصية إلى جانب الآثار النفسية السيئة التي سيصاب بها أطفال تلك المرأة في المستقبل وتأخر النمو الذهني عندهم نتيجة انعدام أو ضعف الرعاية التربوية الصحيحة حيث لا يمكن للأم القاصر أن تقوم بواجبها التربوي تجاه أطفالها .
ويضيف: إن كل الجمعيات العلمية المتخصصة في هذا المجال حددت سن 18 وحتى 21 عاماً كسن مناسبة للزواج لأن المرأة ليست وعاء للإنجاب فقط وإنما منبع حب وحنان وعطف لزوجها وأطفالها، وفاقد الشيء لا يعطيه، فكيف تربي طفلة طفلاً رضيعاً؟ والكارثة الحقيقية أن هناك بعض الموروثات لدى أهالي الريف أن الفتاة إذا وصلت إلى سن 19 سنة ولم يتقدم أحد لزواجها تكون عانساً، كما أن الفتاة عندما تشعر بالخضوع والاستمرارية في شيء ليس لها رأي فيه يكون لديها نوع من أنواع الإحباط الشديد الذي يمكن أن تصل فيه إلى الانتحار .
يرى د .البحيري أن أولى خطوات الحل هي التوعية عن طريق المؤسسات الدينية ووسائل الإعلام المختلفة وإلغاء التسنين نهائياً إلا في الضرورة القصوى، ويكون ذلك عن طريق قاض وليس طبيباً .
الظروف الاجتماعية
الدكتور علي المكاوي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، يؤكد أن ظاهرة زواج القاصرات من الظواهر المرتبطة ارتباطا دقيقا بالظروف الاجتماعية السيئة التي تعيشها الأسرة الفقيرة خاصة في الأرياف والمناطق الشعبية، فالظروف الاقتصادية تؤدي دوراً مباشراً في إضعاف العواطف الأسرية بشكل عام ومن أهم مؤشرات هذا الضعف هو ارتفاع معدلات الطلاق لأن مؤسسة الأسرة أصبحت تعاني شروخاً أساسية أدت إلى انهيارها من الداخل، وهذا الضعف الأسري اتجه للأبناء، والحقيقة أن المجتمع الآن أصبح يعاني من الفوضى في كل أواصره الاجتماعية ولابد من صحوة شاملة حتى تعاد الأمور إلى نصابها .
ويشير إلى أن زواج القاصرات له خطورة اجتماعية، حيث إن الطفلة في أغلب الأحيان لا تدرك معنى الزواج ولا تعرف دورها أو حقوقها القانونية، وتكون ضعيفة البنية وتنجب أطفالاً مشوهين ومعاقين ذهنياً لا تقوى على تربيتهم .
جريمة تزوير
يقول المستشار حسن خليل، رئيس محكمة استئناف القاهرة: إن زواج القاصرات في قانون العقوبات تزوير في محرر رسمي، والعقوبة المفروضة على المأذون الموثق هي السجن المشدد لارتكابه التزوير في عقد الزواج بالنسبة للقاصرات، فقانون الأسرة والأحوال الشخصية في مصر حدد سن الزواج للإناث ب(18 عاماً) بعد أن كان 16 لذا فإن عقد الزواج دون السن القانونية يعد مخالفة للقانون، رغم أنه شرعي لكونه مبنياً على القبول والرضا بين الطرفين واكتمال الأنوثة للبنت والرجولة للشاب .
أما بالنسبة لولي الأمر فقد اعتبره القانون شريكا للمأذون في جريمة التزوير لقيامه بإمداد المأذون بالمستندات المطلوبة، وبذلك يعتبر ولي الأمر شريكاً بالاتفاق والمساعدة بالتزوير لعلمه بالمعلومات والمستندات المزورة التي أمده بها .