باتت السمنة من بين أهم المشكلات الصحية التي تواجه المجتمع الإماراتي، حيث بلغت نسبتها بشكل عام ما يقرب من 70% وتمثل تلك النسبة المرتبة السادسة على العالم، وفقاً للإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة التي اعتبرت أن السمنة خطراً يهدد الأمن الصحي لمختلف أفراد المجتمع، خاصة بعد زيادة معدلاتها بين الأطفال لما يقرب من 40% وهي نسبة تتفوق على معدلات الإصابة العالمية “طفل من بين كل 10 أطفال على مستوى العالم” وفقا لمنظمة الصحة العالمية التي عرفت السمنة بأنها زيادة في مجموع نسبة الدهون الكلية في الجسم مقارنة بالأنسجة الأخرى، مما يؤدي إلى زيادة في الوزن، ويعتبر مؤشر كتلة الجسم، الطريقة التي بموجبها تحتسب نسبة الدهون على أساس الطول والوزن، ويحسب مؤشر كتلة الجسم للأطفال باستخدام ذات الأسلوب المتبع مع البالغين، أي الوزن بالكيلو غرام مقسوماً على مربع الطول بالمتر.
السمنة في الإمارات
يوضح الدكتور توفيق السيد استشاري السكري والغدد الصماء أن البدانة والسمنة هما نتيجة لاختلال التوازن بين كمية الأغذية المتناولة والنشاط البدني، غير أن الأطفال والمراهقين يختلفون عن الكبار، لكونهم بحاجة إلى النمو، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا تفوقت كمية الطاقة المتناولة (الطعام والشراب) على الطاقة المستهلكة، حيث يخزن الجسم تلك الطاقة الزائدة داخل أنسجة جديدة تتكون من الدهون، لتعمل بمثابة طاقة احتياطية، يمكن إعادة استخدامها عند حاجة الجسم إليها، وفي حالة تراجع استهلاك الطاقة الاحتياطية عن المعدل المطلوب، يبدأ جسم الطفل بشكل تدريجي في مراكمة الدهون التي بدورها تؤدي إلى زيادة الوزن أو السمنة حسب كمية الدهون المخزونة .
وأشار الدكتور علي بن شكر رئيس جمعية الإمارات الطبية إلى أن معدلات السمنة في الإمارات بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من 5 أعوام إلى 17 عاماً بلغت 7 .13% بينما بلغت 5 .21% بين الأطفال المصابين بالبدانة، في حين أكدت إحدى الدراسات الوطنية الصادرة عن هيئة الصحة في دبي ارتفاع نسبة الإصابة بالسكري والسمنة بين طلبة المدارس وأوضحت أن نسبة الإصابة بالسكري بين طلبة المدارس في دبي فقط بلغت 5 .8% بنسبة تجاوزت 14% بين تلاميذ مرحلة رياض الأطفال، و21% بين طلبة الإعدادية، و30% بين طلبة الثانوية، بينما بلغت النسبة بين طلبة المرحلة الثانوية من الذكور 1،45% و32% بين الإناث .
وكشفت الدراسة أن السمنة من أهم أسباب الإصابة بمرض السكري، خاصة النوع الثاني منه إلى جانب الإصابة بأمراض القلب وقد يترتب على الإصابة بمرض السكري الإصابة بتصلب الشرايين والتهاب الأعصاب الطرفية .
إلى جانب ذلك أوضحت الدراسة أن ارتفاع معدل السمنة بين الطلبة يأتي في إطار الثقافة الغذائية الخاطئة والاتجاه بقوة نحو الوجبات الغذائية السريعة التي تحتوي على سعرات حرارية عالية وغير مأمونة بنسبة كبيرة .
وأكد رئيس جمعية الإمارات الطبية أن مستوى انتشار السمنة بين الأطفال دخل في مرحلة الخطر، حيث بلغ عدد الأطفال الذين يعانون من البدانة أكثر من42 مليون طفل حول العالم، منهم 32 مليون في الدول النامية، مؤكداً أن هؤلاء الأطفال ستظل أوزانهم مرتفعة لحين بلوغ سن الشباب وهم عرضة أكثر من غيرهم للإصابة بمختلف الأمراض غير المعدية في سن مبكر .
الأسباب والعلاج
وعن الأسباب المتعلقة بالسمنة والبدانة لدى الصغار أكد الدكتور محمود فكري المدير التنفيذي لشؤون السياسات الصحية بوزارة الصحة، أنها عوامل متعددة، يأتي في مقدمتها العامل الوراثي الذي يلعب دوراً رئيسياً في انتشار تلك الظاهرة، غير أن تراجع النشاط البدني من خلال عدم ممارسة الرياضة، وقضاء ساعات طويلة في مشاهدة التلفزيون وممارسة العاب الكمبيوتر، واستخدام السيارات أكثر من المشي، ساهم بشكل أكبر، إضافة لتناول كميات كبيرة من الأطعمة المشبعة بالدهون والسكريات والتعود على الإفراط في شرب المياه الغازية أثناء الطعام وفي فترات الراحة بدلاً من الماء، مع الاعتماد بشكل كبير على الوجبات السريعة أو الأطعمة الجاهزة، بدلاً من تناول الوجبات المنزلية التي تقل سعراتها الحرارية بمعدلات أكثر بكثير عن الوجبات السريعة التي تحرص مختلف الشركات العالمية على ترويجها بمختلف الوسائل، لتحقيق مكاسب أكبر من دون مراعاة لأضرار ذلك على الأطفال والكبار معاً .
وذكر الدكتور فكري أن الأبحاث العلمية تشير إلى أن السمنة تمثل مشكلة خطيرة للأطفال، لأنها تعتبر بمثابة جسر لاعتلال مختلف الأمراض، خاصة في مرحلة الكبر، كالإصابة بضغط الدم الشرياني واختلال الدهون في الدم وتصلب الشرايين التاجية وأمراض القلب والسكري وصعوبات التنفس واضطرا بات النوم والشخير والبلوغ المبكر، إضافة للمشاكل النفسية التي يمكن أن تتطور للاكتئاب الحاد، نتيجة عدم انسجام الطفل البدين مع أقرانه وشعوره بفقدانه الثقة بالنفس والإحباط ويظهر ذلك بوضوح بين الإناث في مرحلة البلوغ، حيث يشعرن بعدم جاذبيتهن مقارنة بباقي زميلاتهن .
وأوضح أن علاج السمنة عند الأطفال ليس بالسهل وتعتمد طريقة العلاج على عمر الطفل مع مراعاة إذا كان يعاني من مشكلات صحية أخرى، فالعلاج إما، أن يكون بواسطة الحمية وممارسة نشاط رياضي أو عن طريق العقاقير الطبية التي تشعر الطفل بعدم الرغبة في تناول الطعام لإحساسه بالشبع بشكل سريع من خلال تأثيرها في الدماغ من جهة وتقليل امتصاص الدهون في الأمعاء من جهة أخرى إلى جانب ذلك هناك طريقة التدخل الجراحي، لكن يفضل عدم استخدامها إلا بعد نفاذ جميع الطرق الطبيعية، ويتم اللجوء لتلك الطريقة في حالة إصابة الطفل بسمنة “حادة”، مضيفاً إذا كان عمر الطفل أقل من 7 أعوام فإن هدف العلاج هو الحفاظ على الوزن وليس نقصانه وهذه الاستراتيجية تسمح للطفل بالزيادة في الطول وليس بالوزن ومع الوقت يصل الوزن إلى المعدل الطبيعي، أما إذا كان الطفل أكبر من 7 سنوات فيعتمد العلاج على إنقاص الوزن بشكل تدريجي بما يعادل نصف كيلو جرام على مدار الشهر مع مراعاة الحالة الصحية للطفل .
واستعرض الدكتور هاشم مدكور أخصائي التغذية السريرية الطرق التي من خلالها يمكن للطفل، الحصول على وزن صحي يحميه من الإصابة بالأمراض المرتبطة بالسمنة، حيث شدد على ضرورة توجيه وتشجيع الطفل منذ البداية على تناول أطعمة صحية ومتوازنة ولابد من أن يمثل أفراد الأسرة القدوة الحسنة في ذلك، خاصة الأم التي تلعب الدور الأول في بناء شخصية الطفل وعليها أن تراعي الانتظام في مواعيد تناول الطعام يومياً لتنظيم بيولوجية الطفل، وكذلك مراعاة عدم تجاوز استخدامه للكمبيوتر ومشاهدة التلفزيون أكثر من 14 ساعة في الأسبوع، بما يعادل ساعتين في اليوم، وألا يستخدم الطعام من جانب الأسرة كوسيلة لتحفيز الطفل على إنهاء واجباته، بل يجب تشجيعه على تناول الطعام في حالة الشعور بالجوع، إضافة لتشجيعهم على تناول كميات كبيرة من الماء بدلاً من الإفراط في تناول المشروبات الغازية وكذلك تشجيعهم على ممارسة رياضة المشي والعمل على تخصيص ما لا يقل عن نصف ساعة يومياً لممارسة الرياضة التي يميل إليها الطفل .
الحالة النفسية
وعن الحالة النفسية لدى الأطفال الذين يعانون من السمنة، يقول الدكتور محمد عمر المدير الطبي لمستشفى الأمل في دبي، استشاري الصحة النفسية، أن الطفل عندما يصبح واعيًا تبدأ نظرة المجتمع إليه تتفاعل، ويمكن أن تؤثر فيه النظرات التهكمية، وإذا كان المحيط العائلي بالنسبة للطفل السمين يشجّع الأمر، وتمثل السمنة لهم صورة ايجابية للصحة، فحتماً سيتأثر الطفل بنظرة الأهل، لكن سرعان ما يتبدد ذلك الإحساس المبهج عندما يبدأ المجتمع بالنظر إليه سلبيًا، وبطريقة استهزائية ساخرة فينقلب الأمر عكسًا على الطفل أو المراهق، ولا شيء يضاهى تأثير السلامة النفسية والعقلية للأفراد بقدر نظرة المجتمع والآخر إليهم، خاصة إذا كانت سلبية، لذلك يجب معالجة السمنة صحيًا منذ البداية لتفادي تأثيراتها النفسية في المستقبل .
وأضاف: من المعروف أن من يعاني من السمنة عادة يملك هرمونات تجعله خفيف الظل، وصاحب نكتة، لكن ذلك لا يعني أن السمنة قد لا تسبب له عقدًا ومشكلات كعدم قدرته على الزواج في المستقبل، أو عدم تمكنه من الحصول على وظيفة وكلها أمور من شأنها إصابة البدناء بمشكلات نفسية معقدة يمكن أن تصل لحد الاكتئاب الحاد .