من البشر من إذا تولى الحكم يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، ومنهم من إذا تولى الحكم يرفع شأن الأمة الإسلامية وينتصر على أعدائها فيحفظ التاريخ اسمه ويشكره على حسن صنيعه، ومن هؤلاء الأمير يوسف بن تاشفين حاكم دولة المرابطين في بلاد المغرب .
يقول عنه ابن عذارى في كتابه “البيان المغرب” وابن أبي زرع في “روض القرطاس”: “أسند حكم دولة المرابطين ليوسف بن تاشفين بعد مقتل الزعيم المرابطي الكبير أبي بكر بن عمر الجزولي سنة أربعمائة وثمانين من الهجرة النبوية الشريفة وهو ابن عم الزعيم المرابطي الكبير أبي بكر” . قام يوسف بن تاشفين بدور أساسي في إنشاء المغرب الأقصى وإعطائه حدوده الطبيعية، التي ثبت عليها في التاريخ، فهو الذي وحد نواحيه من الصحراء الكبرى إلى ساحل البحر المتوسط ومن ساحل المحيط إلى شرقي نهر الملوية وضم إليه إقليم تلمسان والجزء الغربي من المغرب الأوسط وجزءاً من المغرب الأقصى، فكان بذلك صاحب أول محاولة لتوحيد بلاد المغرب تحت لواء واحد ثم تأتي الظروف بما كان يطمح إليه يوسف بن تاشفين وهو ضم بلاد الأندلس إلى خلافته، فقد نجح الإسبان في استغلال ما وقع من شقاق الملوك الصغار في الأندلس فأغاروا على طليطلة واحتلوا إمارة سرقسطة، ومن بعدها طركونة ثم طولوشة بقيادة ألفونسو الذي أخذ يفكر في احتلال إشبيلية وبطليموس التي سماها المسلمون الزلاقة وهنا أرسل ملك إشبيلية المسلم المعتمد بن عباد إلى حاكم المرابطين وقائدهم يوسف بن تاشفين طالباً منه النجدة والعون، فأجابه يوسف وخرج على رأس جيش يقوده بنفسه ويحمل رايته .
نصر مؤزر
ركب يوسف ومن معه من جنده في مائة سفينة حربية حتى وصل إلى الجزيرة الخضراء فخرج إليه الملك المعتمد بن عباد يستقبله على رأس شعبه بالفرحة والسرور وأتت إليه طلائع من جند الأندلسيين وغرناطة ومالقة إلى إشبيلية فاكتملت قوة جيش المسلمين تحت قيادة يوسف بن تاشفين وتحت رايته في الوقت الذي كانت فيه جيوش ألفونسو تحاصر مدينة سرقسطة، وعندما علم بأنباء الحشود الإسلامية بقيادة ابن تاشفين رفع الحصار عن المدينة وتجهز لملاقاة جند الإسلام عند الزلاقة .
وقبل المواجهات الحربية في تلك الموقعة الحاسمة جرت مراسلات بين القائد المسلم والقائد الصليبي ألفونسو السادس وبدأها ألفونسو بالتهديد والتحدي فكان جواب ابن تاشفين على ظهر خطاب الفونس محددا منهجه: “الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذنك” وبدأ القتال في الثاني عشر من رجب عام أربعمائة وواحد وثمانين من الهجرة،كان عدد المسلمين عشرين ألف مقاتل وعدد الجيش الصليبي خمسين ألف مقاتل، وفي الشمال من بطليموس جرت معركة الزلاقة بين المسلمين المتجمعين المغاربة والأندلسيين وبين الصليبيين، وصبر المسلمون وقاتلوا وكان يوسف بن تاشفين يسير بين الصفوف حاملاً رايته يحثهم على الثبات ويقوي سواعدهم على الضربات . وانجلى يوم الزلاقة بعد قتال عنيف انتصرت فيه القوات الإسلامية، وكان لهذا النصر الإسلامي آثاره البعيدة في سير أحداث المنطقة فقد خرج الصليبيون من بلنسية ورفعوا الحصار عن سرقسطة بعد أن فقدوا عشرين ألف مقاتل، واسترجع ملوك الأندلس المسلمون حريتهم وتخلصوا من دفع الجزيه للصليبيين وحطمت هذه المعركة تلك القوة الجبارة التي كان يتباهى بها الإسبان .
دروس من المعركة
وبعد هذه المعركة عاد القائد المظفر يوسف بن تاشفين إلى المغرب مرة أخرى وترك أربعة آلاف مقاتل تحت إمرة المعتمد بن عباد أمير اشبيلية، ولا شك أن هذا الانتصار علم المعتمد بن عباد خططاً حربية لم يكن يعلمها، فقد كان مع يوسف بن تاشفين في المعركة ورآه وقد أمن مؤخرته بتحصين ثغرة الجزيرة الخضراء حيث يمكنه من الطريق البحرى ذاته أن يمد جسوره إلى وطنه الأصلى بأرض المغرب حتى إذا احتاج إلى امدادات وصلت إليه بسرعة ولم ينكشف ظهره، ورأى أن وقوف القائد بجانب جنده في المعركة يعلمهم الثبات والصدق والصبر والشجاعة وهذا من أهم عدة القائد الحربي إذا أراد النصر، ثم إنه رأى أن في الاجتماع قوة وفي التفرق ضعفاً .
ومن آثار المعركة أيضاً أن قوى المرابطين المسلمين وضعت أياديها على غرب الأندلس وظل شرق البلاد يعاني من هجمات الصليبيين الذين فترت قوتهم إلى حين ولم يستفد ملوك المسلمين في بطليموس وقشتاله ومالقه وما إليها الفائدة المطلوبة من هذا الانتصار الحاسم في مواصلة الزحف نحو طليطلة، ولكنهم تقاعسوا .
ولكن تبقى كلمة في النهاية وهي أن هذا الانتصار العظيم قد أنقذ حكم المسلمين من سقوط محقق على يد أعدائهم ورفعت رايات المرابطين الشجعان على أسوار الأندلس بعد أن دقت الطبول في طرقات مدن المغرب والأندلس معاً، وعلى المآذن قام المؤذنون بإعلاء كلمة الله حمداً وشكراً .