يبدو من النهج الإغراقي للاستيطان الصهيوني في القدس المحتلة أن العدو ماضٍ في تسريع تهويدها وقطع الطريق على كل إمكان لأن يكون جزء منها عاصمة للدولة الفلسطينية، هذا إن كان هناك إمكان لدولة أصلاً، برغم كل الصراخ الاحتجاجي الصادر من المنطقة وخارجها ضد ما تمارسه حكومة الاستيطان في فلسطين المحتلة .
“إسرائيل” تمضي في التهويد والابتلاع، والعرب ماضون في الشجب والانتظار، والرهان على من لا يُراهن عليه، إذ يستحيل لأمريكا أن تجمع بين احتضانها للكيان الصهيوني وإرهابه واستيطانه وأطماعه وبين أن تكون حريصة على حق فلسطيني أو عربي، مهما بلغ حجمه، وليس في ما سبق من تاريخ الصراع مع هذا العدو أن سلكت إدارة أمريكية، جمهورية كانت أم ديمقراطية، نهجاً أقل انحيازاً مما سبقها، لأن الكيان الصهيوني يعد من ثوابت سياسات الولايات المتحدة التي يصعب تبديلها، لألف سبب وسبب .
ومع الإعلانات المتتالية عن آلاف الوحدات الاستيطانية، في فلسطين المحتلة، وفي القدس خصوصاً، برغم كذبة تجميد الاستيطان، واضح من النهج “الإسرائيلي” أن ثمة أمراً واقعاً يجري فرضه على الأرض، لتثبيت إبقاء القدس خارج أي نقاش في أي تفاوض، مباشر أو غير مباشر، مثلها مثل منع “حق العودة”، وعدم المس بالكتل الاستيطانية، ووجوب الاعتراف بوجود “دولة يهودية” بكل ما يعنيه ذلك من القضاء العنصري على أي وجود عربي في فلسطين المحتلة عام 1948 .
لقد أطلق الصهاينة منذ زمن مجموعة لاءات، وهاهم ينفذونها الواحدة تلو الأخرى، بالحديد والنار من جهة، وبالابتزاز والاحتيال من جهة ثانية . وفي المقابل تبدو السلطة الفلسطينية ومعها الدول العربية، بضغوط أمريكية أو من دونها، لا يصدر عنها غير ال”نعم”، حتى لا تتهم بأنها لا تريد السلام، ما يدعو إلى مزيد من الترحم على أسلوب ال”عم” الذي كان ينتهجه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات .
ال”لا” نافذة، وال”نعم” أيضاً نافذة . وهكذا تتسع مساحات الاستيطان وينحسر الوجود الفلسطيني في فلسطين، ويخشى أن يودّع العرب والمسلمون القدس ومقدساتها، توطئة لحال مماثل مع فلسطين، فالغول الصهيوني لا يشبع طالما أن الكرم العربي طائي، خصوصاً في ما يتعلق بالمفاوضات وما تتطلب من تنازلات .