الدين للحياة
من المكتبة الإسلامية
كمال اللغة القرآنية آخر تحديث:الجمعة ,30/07/2010

1/1

لم يقتصر الهجوم والطعن في القرآن الكريم على القضايا والأفكار والمبادئ التي تضمنتها آياته الكريمة، بل تعدى ذلك كله إلى الطعن وإثارة الشبهات اللغوية والنحوية حول الآيات القرآنية الكريمة.. ولم يكن يصلح للرد على هذه الشبهات مجرد عالم أو داعية إسلامي وإنما كان لا بد من إنسان يجمع العلم والتخصص والقدرة على الرصد والتفنيد والرد بالحجة والمنطق اللغوي والعقلي.. وهذا ما منّ به الله عز وجل على الدكتور محمد محمد داود، عميد معهد معلمي القرآن الكريم والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ليرد على كل هذه الشبهات في كتابه القيم “كمال اللغة القرآنية.. بين حقائق الإعجاز وأوهام الخصوم” الصادر عن دار المنار في مجلد ضخم يضم أكثر من 300 صفحة من القطع الكبير مجيبا عن الأسئلة الآتية:


 ما حقائق التحدي القرآني الخالد؟


 ما أسرار الهجوم على القرآن الكريم؟


 ما سر انتصار القرآن الكريم فكريا على الرغم من هزائم المسلمين والعرب في العصر الحاضر؟


 كيف يزداد القرآن الكريم قوة وتألقا كلما زاد الهجوم عليه؟


 كيف انهارت الشبهات وتهاوت الافتراءات؟


 ما حقيقة كمال اللغة القرآنية ومنتهى تمامها عند الخصوم؟


 هل القرآن الكريم مثال لعربية بلا شوائب؟


 أيهما يحكم على الآخر: العربية أم القرآن؟


ويقول المؤلف: “إننا في هذه الدراسة لا ندافع ولا نهاجم وإنما نبيّن الحق والصواب لأن بيانه أمانة في أعناق أهل العلم، وسبيلنا في هذا البيان أن نقارع حجّة بحجّة ورأيا برأي، فالآراء يقدح بعضها بعضا، ملتزمين في كل ذلك بهدي القرآن الكريم في أدب الحوار مع المخالف بالجدال بالتي هي أحسن”.


الحرب على القرآن


ويشير د.داود إلى أن الحرب على القرآن الكريم بدأت منذ البواكير الأولى لنزول كتاب الله واندلعت نارها مع أول مجابهة مع الوثنية، واستمرت المعركة تشتد حينا وتهدأ حينا آخر، ومن الهجمات الشرسة التي تعرّض لها القرآن الكريم زمن الحروب الصليبية تأليف بعض المستشرقين كتابا بعنوان: (دحض القرآن الكريم) كما قاموا بترجمة ألفاظ القرآن الكريم (وليس معانيه) إلى اللغة اللاتينية كمدخل إلى التحريف والتشويه وماتت كل هذه الجهود وبقي القرآن الكريم مصونا محفوظا من كل سوء.


والهجمة المعاصرة على القرآن الكريم أشد ضراوة من كل ما سبق وذلك من خلال الفضائيات ومواقع الإنترنت بل قامت أمريكا بتأليف قرآن مزعوم تحت عنوان “الفرقان الحق” والمدهش في كل هذا أن القرآن الكريم هو الذي انتصر فكريا، لأن البون شاسع بين كلام الله الذي جعله هداية ورحمة وطمأنينة لمن لاذ وآمن به وبين تخريف البشر وزيفهم. وسيظل الصراع دائرا بين الخير والشر.. بين الحق والباطل.. وتلك سنة الله في خلقه. وكان للعلماء في كل عصر جهد مشكور في دفع هذه الشبهات ودحض هذه الافتراءات.


ويقول د.داود: هناك دوافع كثيرة للهجوم على القرآن يمكن إجمالها في دافعين:


 دافع نفسي يتجسد في تزييف الحقائق وتحريفها تعبيرا عن الإخفاق والعجز عن مواجهتها فالعجز عن مواجهة الخصم يتحول  في الأعم الأغلب  إلى الافتراء عليه.


كما أن التلبّس بالصفات السلبية دافع لوصف الآخرين بها درءاً للاتهام وهو ما يعرف عند علماء النفس بالإسقاط، حيث إن الإسقاط حيلة من الحيل الدفاعية التي يلجأ إليها الفرد للتخلص من التأثير الناشئ في داخله، ذلك أن الغلبة إنما تكون للفكر القوي، والإسلام  كما يشهد الواقع  عقيدة وأخلاقا هو الأقوى، فقوّته ليست من قوة أتباعه كما في العقائد الأخرى ولكن قوته ذاتية تتأتى من داخله لأنه الحق، لأنه الخير، لأنه السلام والأمن، لأنه الصلة الحقيقية التي لم تتعرض لزيف أو تحريف أو تشويه.


ومن هنا كان إخفاق الغرب على المستوى الفكري المعرفي  على الرغم من تفوقه سياسياً واقتصادياً وعسكرياً  دافعاً إلى الخروج عن العقلانية والحوار المنصف واللجوء إلى القوة وإلى التشويه والإفساد ظلماً وعدواناً.


 دافع معرفي يتمثل في إخفاق الغرب في مواجهة الإسلام فكرياً على الرغم من هزيمة المسلمين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في الوقت المعاصر، فالافتراء على القرآن والطعن فيه في القرون الوسطى جاء نتيجة لإخفاق الكنيسة في مواجهة الإسلام عقائديا حيث تتهاوى عقيدة التثليث أمام عقيدة الوحدانية لله تعالى، يضاف إلى هذا انعزال الكنيسة عن الحياة في مقابل أن الإسلام دين ودنيا فلم يكن أمام الكنيسة من سبيل لصد النصارى عن الدخول في الإسلام سوى تشويه رسالة الإسلام.


ولا يزال الغرب حتى الآن يمارس فكرة إقصاء ونبذ الآخر بمواصلة الطعن في القرآن وفي نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الوقت نفسه ينعت الإسلام بأنه هو الذي يمارس إقصاء الآخر.


فالكنيسة لا تعترف بالإسلام دينا ولا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ولا بالقرآن كتاباً مقدساً، فالقرآن عندهم أكذوبة واختراع محمدي، أو هو إرث يهودي أو نصراني، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه وهم تاريخي، والصحابة متوحشون والمسلمون برابرة ومصاصو دماء وهمج... مع علمهم  بل يقينهم  بأن الإسلام احتوى الآخر واعترف به بل لا يتم الإيمان للمسلم إلا بالإيمان بجميع الرسل والأنبياء والكتب السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


وهناك مواقف لا تحصى لتأكيد أن علاقة الإسلام بالآخر تقوم على السماحة والعدالة واحترام حقوقه.


ومن ذلك أن القرآن الكريم أكد أن اختلاف الدين لا يجوز أن يكون مدعاة للظلم أو التغابن، وأنه إذا كانت هنالك أطراف معادية وبيننا وبينها خصام فذلك كله يجب إبعاده عن مقتضيات العدالة قال تعالى: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” (المائدة: 8).


ولطالما احتكم مسلمون وغير مسلمين إلى القضاء الإسلامي فكانت العدالة تفرض نفسها من دون تفرقة بين الأطراف المتنازعة وتشهد لذلك عشرات المواقف العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية.


الفكر الاستشراقي


وتحدث د.داود عن الفكر الاستشراقي والهجمة على القرآن فقال: “لعل من الإنصاف الذي أرساه القرآن أن نعلن أن المستشرقين ليسوا سواء فمنهم من وقف على الحق وأنصفه، ومنهم من أساء واعتدى، وإن كنا نخص بالعرض هنا نماذج أساءت واعتدت فإننا نعرض في مواقع أخرى نماذج مشرقة عرفت الحق وأنصفته حتى وإن لم تؤمن به”.


ولا أجد وصفاً أصدق ولا أبلغ في التعبير عن هذه الافتراءات من كلمة العلامة الأستاذ محمود محمد شاكر “لم يكن غرض العدو أن يقارع ثقافة بثقافة أو أن ينازل ضلالاً بهدى أو أن يصارع باطلا بحق أو أن يمحو أسباب ضعف بأسباب قوة، بل كان غرضه الأول والأخير أن يترك في ميدان الثقافة في العالم الإسلامي جرحى وصرعى لا تقوم لهم قائمة، وينصب في أرجائه عقولا لا تدرك إلا ما يريد لها هو أن تعرف، فكانت جرائمه في تحطيم أعظم ثقافة إنسانية عرفت إلى هذا اليوم، كجرائمه في تحطيم الدول وإعجازها مثلا بمثل، وقد كان ما أراد الله أن يكون وظفر العدو منا بما كان يبغي ويريد”.


ويؤكد د.داود أن “من يستعرض تاريخ القرآن الكريم عبر الزمان والمكان يجد أن من بين خصائص هذا الكتاب التي تصل إلى حد الإعجاز أنه كلما اشتد الهجوم عليه من معارضيه ومنكريه ازداد القرآن تألقا وقوة، فحقائق القرآن الخالدة تدحض الزيف والافتراء وكل ما يثيره أعداء القرآن من شبهات. إنه بحق كما أخبر الله تعالى عنه “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد” (فصلت: 42).


وتقوم آيات القرآن على إقناع العقل وطمأنينة القلب وفضح الزيف والافتراء حتى لا يبقى أمام المتمرد إلا أحد أمرين: إما أن يؤمن عن بيّنة وإما أن يكفر عن بيّنة. فالقرآن وحده هو القادر على محاورة المتمرد لأنه خطاب الخالق لخلقه وهو عز وجل أعلم بهم “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير” (الملك: 14).


ويستطرد د.داود قائلاً: “وإني لعلى يقين إيماناً وعقلاً وتجربة بأن الهجمة المعاصرة على القرآن ستعود لصالح القرآن كما كانت الغلبة للقرآن في كل الهجمات السابقة فهي.. أولا: تلفت الانتباه إلى القرآن الكريم فتدفع العقول الرشيدة إلى البحث والتأمل وكلما بحثت وتأملت ازدادت قربا من القرآن لأنه الحق والصدق”.


* ثانيا: توقظ المسلمين من غفلتهم لأن ينصفوا القرآن من أنفسهم بعد أن هجروه عملا وسلوكا وأخلاقا، ويصححوا أحوالهم حتى يكونوا مرآة صادقة لعظمة هذا الكتاب وتتحقق فيهم الخيرية التي أرادها الله لهم بالقرآن “كنتم خير أمة أخرجت للناس” (آل عمران: 110).


“إن إحساس المسلمين بالخطر جعلهم يلوذون بالله ويزدادون تمسكا بالقرآن ورجوعا إليه، وفي كل الجولات السابقة بين القرآن وشبهات المنكرين وافتراءات الحاقدين كانت الغلبة والهيمنة للقرآن وذلك بداية من لحظة نزوله ومحاولات الكافرين التشكيك فيه وصرف الناس عن سماعه “وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” (فصلت: 26).


“.. وإنا له لحافظون”


ويضيف د.داود: “في واقعنا المعاصر يتعرّض القرآن لهجمات شرسة على مستوى الأفراد والمؤسسات العلمية والاجتماعية بل وعلى مستوى الأمة والدولة بإثارة الشبهات وتأليف قرآن مزعوم. ولعل من المناسب في هذا السياق أن نلفت الانتباه إلى خصوصية من الخصائص التي انفرد بها القرآن الكريم وهي أنه الكتاب الوحيد من بين الكتب السماوية الذي يحفظه أهله في صدورهم عن ظهر قلب، وهذه النسخة الفريدة المحفوظة في الصدور، والتي يتم تناقلها بين المسلمين تلاوة عن طريق التلقي شفاهة، هذه النسخة لا يمكن أن تمسها يد التحريف والتزييف من الأعداء وهذه النسخة المتفرّدة في صدور الحفظة تبطل كل الجهود التي تبذل لتحريف نسخة المصحف المكتوبة. وسبحان الله القائل: “إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر: 9).


ومعلوم أن السر في حفظ القرآن الكريم على هذا النحو المعجز لا يعود إلى جهد البشر، ولا إلى مكانة العرب والمسلمين فقد مرّت الأمة بأزمات عديدة ومراحل انكسار كالمحنة المعاصرة ولو كان حفظ القرآن منوطاً ومرتبطاً بهم لذهب القرآن من مئات السنين.. وإنما حفظ القرآن على هذا النحو المعجز الخالد يعود إلى رب القرآن.. إلى الله رب العالمين، خالق الكون، عالم السر والعلن، القادر على كل شيء قال تعالى “إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر: 9).


 

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008