وسط الاعتداء الإيراني الغاشم على دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة، ظهرت صواريخ الحقد مغلفة بالتضليل عبر فيديوهات مفبركة أو قديمة يعاد تدويرها على أنها وقائع حالية عن الأحداث الجارية، أملاً في بث الذعر في قلوب مواطنين ومقيمين أكدوا منذ بدء الأحداث ثقتهم في الدولة ومؤسساتها للتصدي لأي محاولات قد تنال منها.
وأكد خبراء وأساتذة إعلام ل «الخليج»، أن استدعاء مشاهد مزيفة أو غير مرتبطة بالأحداث الجارية، وتقديمها على أنها وقائع جديدة، يمثل أحد أبرز أشكال التضليل البصري في زمن الحروب الرقمية، لما يحمله من تأثير نفسي واجتماعي قد يتجاوز حدود الخبر إلى إعادة تشكيل الإدراك العام، مشددين على أن المحتوى في تلك الأوقات يخاطب العاطفة ويكون المتلقي أكثر قابلية للتصديق، نظراً لوقوعه تحت وطأة الضغط والتوتر والقلق وترقب الأحداث.
تضخيم الحدث
تؤكد د. شيرين موسى، أستاذ الإعلام الرقمي، أن خطورة الفيديوهات المفبركة تكمن في تقديمها صورة غير دقيقة عن الواقع، ما يؤدي إلى تضخيم الحدث في أذهان المتلقين، وإعطائه أبعاداً قد تكون أبعد من حجمه الفعلي، وأوضحت أن هذا النوع من المحتوى قد يُحدث ارتباكاً لدى الأفراد، ويؤثر في استجابتهم للتعليمات الرسمية، فضلاً عن تغذية مشاعر القلق والخوف والهلع. ولا يقتصر الأثر على من يعيش في محيط الحدث، بل يمتد إلى المتابعين في الخارج، ما يرسخ صورة ذهنية سلبية عن الدولة أو المنطقة، ويصنع انطباعاً بأن الأوضاع أسوأ مما هي عليه. وتشدد على أن غياب المصدر الواضح للنشر أول مؤشر على احتمال عدم صحة الفيديو أو ارتباطه بسياق مغاير للحقيقة. فمعرفة الجهة الناشرة، وتوقيت النشر، وطبيعة الحساب أو المنصة، عناصر أساسية لفهم مصداقية المحتوى. كما تسهم مقارنة المشاهد بالمصادر الرسمية، وتحليل جودة التصوير، ومطابقة الموقع الظاهر مع المعلومات المتداولة، في كشف أي تلاعب أو إعادة تدوير لمقاطع قديمة.
وتلفت إلى أن التغطية الإخبارية المهنية ترتبط بوجود مؤسسة إعلامية واضحة الهوية والاسم، تعمل وفق معايير تنظيمية دقيقة وتتحمل مسؤولية ما تنشره. فالمعلومة الموثوقة تُستقى من المنصات الرسمية التي تعلن اسم الكاتب أو المحرر، بما يتيح المساءلة ويعكس إشرافاً مهنياً يضمن الدقة. وتزداد أهمية الرجوع إلى هذه الجهات في أوقات الأزمات، حيث تتكاثر المعلومات المضللة، ويصبح التدقيق والاعتماد على المصادر المعروفة السبيل الأضمن للوصول إلى الحقيقة.
تأثير مضاعف
اتفق الخبراء على أن الفيديوهات المفبركة خلال الأزمات العسكرية تتبع أنماطاً متكررة، أبرزها إعادة تدوير مشاهد قديمة من نزاعات سابقة وربطها بأحداث جارية، أو اقتطاع مقاطع حقيقية من سياقها وإعادة تفسيرها بشكل مغاير، أو استخدام لقطات من تدريبات عسكرية وألعاب إلكترونية وعرضها كوقائع ميدانية.
ويشير د. محمد عايش، رئيس قسم الاتصال الإعلامي في الجامعة الأمريكية بالشارقة، إلى أن الفيديوهات المزيفة في أوقات الأزمات تحدث تأثيراً مضاعفاً، لأنها تخاطب العاطفة. ففي لحظات القلق، يكون المتلقي أكثر استعداداً لتصديق أي محتوى يفسر له ما يجري، لاسيما إذا كان بصرياً، إذ تمنح الصورة إحساساً زائفاً بالدليل المباشر. ويؤكد أن إضافة مؤثرات صوتية وتعليقات مثيرة تسهم في تعزيز الإحساس بالخطر، وأن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي تم استخدامه خلال الفترات الأخيرة لتوليد مشاهد خيالية يصعب تمييزها عن الواقع.
ويضيف أن التدقيق البشري المباشر لا يقل أهمية عن الأدوات التقنية، إذ يمكن رصد اختلافات في الطقس أو شكل المباني أو اللافتات أو لوحات السيارات أو اللغة المستخدمة في الخلفية. كما أن غياب التغطية من وسائل الإعلام الموثوقة لحدث كبير يُفترض وقوعه، يعد مؤشراً يستدعي التشكيك.
ويوضح أن خطوات التحقق من الفيديوهات تشمل استخدام البحث العكسي عن الصور أو اللقطات الثابتة من الفيديو، وفحص البيانات الوصفية إن توفرت، ومقارنة المعالم الظاهرة بالخرائط الرقمية وصور الأقمار الصناعية، إضافة إلى الرجوع إلى منصات التحقق المتخصصة. وحول أحد أخطر أبعاد الظاهرة، كشف د. عايش أن خوارزميات المنصات الرقمية تكافئ المحتوى الذي يحظى بتفاعل سريع، بغض النظر عن صحته
مقاطع مجتزأة
يشدد الخبراء على أن الأداة الأهم قد تكون «التريث». فالتأخير لدقائق قبل إعادة النشر قد يكون كافياً لكشف كثير من المقاطع المعاد تدويرها أو المجتزأة من سياقات مختلفة.
ويرى د. السيد درويش أستاذ الإعلام بجامعة زايد، أن إدراك هذه الأنماط يمنح المتلقي حصانة معرفية أولية، لأنه يبدأ في البحث عن مؤشرات التلاعب بدلاً من الاكتفاء بالتأثر بالصورة.
ويحذر من أن التعليقات السلبية قد تسهم في الانتشار بالقدر ذاته الذي تسهم به التعليقات الإيجابية، لأن المنصة تقرأ كثافة التفاعل لا طبيعته. وهكذا قد يتحول الجمهور، دون قصد، إلى شريك في تضخيم التضليل.
كما يرى أن إعادة نشر مشاهد قديمة على أنها ضربات جديدة تندرج ضمن أدوات الحرب النفسية، لأنها تستهدف تشكيل الإدراك العام، ورفع معنويات طرف، أو إضعاف ثقة طرف آخر، أو خلق انطباع بتفوق ميداني غير دقيق.