عادي
وجوه من الإمارات

عبد الله صقر.. ساحر القصة القصيرة

03:31 صباحا
قراءة 4 دقائق
الشارقة: عثمان حسن

إنها فترة السبعينات.. وإنها «الخشبة» تلك المجموعة القصصية المتميزة، لرائد كتابة القصة الإماراتية الكاتب عبد الله صقر.. إنها أيضاً المرحلة، والمناخ، والأجواء فاتحة الشهية لرائحة طازجة من مرحلة الأدب التحرري العربي.. كانت «الخشبة».. فاتحة لحلم، وطريقاً يمهد للتجديد والإبداع.. وكانت المرحلة تنعكس في وعي جديد يطال منافذ الإبداع كافة في الشعر والمسرح والرسم.
عبد الله صقر.. اسم لمع في تلك الأثناء.. كتب «الخشبة».. وانسحب إلى مناخ إبداعي آخر، وهذه المرة له علاقة بالرياضة، قد يقول قائل: ما العلاقة بين الاثنين، بين مناخ الكتابة وأجواء الرياضة؟ غير أن صقر يفهم أسبابه، ويدرك تلك الوشائج والصلات التي لها دور في تهذيب النفس والأخلاق، هو إذاً انسحاب موضعي، ووجود يعلله صقر بقوله «أولاً أنا لم أتخلّ تماماً عن الأدب والثقافة، فأنا أقرأ وأتابع ما ينشر بانتظام، وأكتب لكنني انصرفت أكثر إلى كتابة المقالة، وإلى الشعر النبطي» أما لماذا الشعر، فهو من وجهة نظره يأتي عفو الخاطر «على شكل ومضة خاطفة، ويستطيع كاتبه أن يدون هذه الومضة بشكل سريع وعندما تنسكب الأبيات من تحت لسانه متراقصة بإيقاعها الجميل يكفيه فقط أن يمسك بالقلم أو الجهاز ويبدأ في التدوين، وخلال دقائق يكون قد كتب نصاً شعرياً جميلاً، أما القصة فبناء محكم يقوم على منطق تسلسلي وعقلي صارم، وتحتاج إلى ساعات من التأمل والترتيب».
هو ذاك، تموضع، لا يحول بينه وبين ممارسة الكتابة، خاصة أن متطلبات التحكيم الرياضي، وهذا هو الميدان الثاني الذي برع فيه، مهم لتحفيز اللاعب وحثه على المثابرة، والانضباط، وهو من مسؤوليات أكاديمية الرياضة التي يترأسها، التي تجمع بين التوازن النفسي والأخلاقي، وتبعد الرياضي عن الانفعال، وتدفعه إلى التسامح وسعة الصدر.
كانت «الخشبة» يوم صدورها في عام 1975 ساحرة وآسرة، كانت مفاجئة بما تطرحه من مضامين ورؤى، بل كانت جريئة في معالجاتها لقضايا المجتمع وللظواهر التي كانت سائدة فيه، كشفت عن مبدع حقيقي، يفهم ما يود قوله.
انطلقت التجربة الإبداعية لصقر في أواخر ستينات القرن الماضي، وهي الفترة المفعمة بروح الاكتشاف، أراد من خلال «الخشبة» أن يبحث عن صفاء الإنسان وحريته، ففي عام 1968 وكما صرح صقر في أكثر من مناسبة، ورغم ضعف ما هو متوفر من المصادر الأدبية، تحركت فيه رغبة عارمة لدخول المعترك الأدبي، هذا الإصرار، دفعه لتثقيف نفسه، والبحث عن الكتب والمراجع الأدبية بشتى الوسائل، من مصر والهند، في مرحلة تميزت بالخصوبة على مستوى المد السياسي والقومي، وما تميزت به من وفرة في الأدب الرومانسي العربي والكلاسيكي الأجنبي.. نجح في ذلك، وكتب صقر مجموعة شعرية قبل «الخشبة»، غير أنه أحس بأن هناك ما يود قوله، ما يستحق أن يحقق عنده نوعاً من التوازن الذاتي، فكانت «الخشبة» كما كتب عنها «بما تحمله من رمزية عالية تعبر عن حالة رفض إزاء المشهد السياسي العربي برمته».
وصفه عبد الفتاح صبري في معرض تحليله ل «الخشبة»، بمؤسس القصة القصيرة في الإمارات، وقارن بينه وبين عدد من رموز القصة الإماراتية في بداياتها، وقال: «لقد تولدت لديّ قناعة بأن صقر هو أحد رواد القصة في الإمارات، وعموماً، فإن المؤسسين للقصة القصيرة وأصحاب الريادة هم: شيخة الناخي، مظفر الحاج مظفر، علي عبيد علي، وعبد الله صقر، وبالتأكيد فإن مجموعة «الخشبة» التي صدرت في عام 1975 ستكون أول مجموعة قصصية في الإمارات».

أحد رواد التجديد

استفاد صقر من حركة المد الثقافي التي رافقت ستينات وسبعينات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شهدت الكثير من التجديد على صعيد فنون الكتابة، كالشعر والرواية والقصة، كانت الحداثة في أوجها، وكانت بيروت والقاهرة ودمشق من العواصم العربية التي بدأت ترسخ لحالة ثقافية جديدة انعكست في الفنون والآداب، ومن جهة أخرى، فقد نشط حقل الترجمة الأدبية في الساحة الثقافية العربية، وهذا كله منح القارئ العربي فرصة أكبر للاطّلاع على ثقافات وآداب وروايات عالمية جديدة لم تشهدها الساحة الثقافية العربية من قبل.. كان عبد الله صقر واحداً من أولئك الكتاب الطامحين الذين استفادوا من هذا الحراك الثقافي والفكري النشط، وحاول بدوره أن يؤسس لمثل هذا التنوع في الساحة المحلية، مع نخبة من الكتاب الإماراتيين، ممن عالجوا في كتاباتهم مضامين جديدة تعالج الأدب من منظور ثقافي وإنساني ينسجم مع قوانين التطور وتأثيرات ما هو إيجابي، فكانت نقطة البداية بالنسبة لصقر، هي الاشتباك مع الأدب المحلي، ومحاولة تقديم نموذج جديد برغبة حقيقية في التطوير والتنوير وكل ما يرفع وتيرة الوعي عند المتلقي.

قناع سردي يعوّم المكان والزمان

عبدالله صقر من مواليد دبي عام 1952، عضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات منذ العام 1987.. نشأ عبد الله صقر في بيئة علم دينية وأدبية، فوالده إمام مسجد وخطيب ومتحدث في الشعر، أما أفراد عائلته، فيهتمون بالشعر الشعبي، ويتذوقونه، وهي البيئة التي صنعت صقر، وتركت عنده مساحة للسؤال واكتشاف أفق أكبر، لواقع بلده، وظرف أهله، وهم يعبرون سكة الحياة، بفطرة، وعناق أسطوري للبراءة، والرغبة في الحياة.
نجحت «الخشبة» لصقر في تقديم ثيمة سردية، تقارب حال المجتمع، غير أن صقر نجح في تقديم قناع سردي يعوم الزمان والمكان، ويهمل التفاصيل من خلال لغة تميل إلى التعميم، وتبتعد عن التشخيص كما أن نصوصه تكتنز بالدلالات وهو من دون شك كاتب مبدع ترك بصمة مهمة في مسيرة القصة الإماراتية لا يمكن أن تزول.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"