تنطلق في 29 فبراير الجاري فعاليات الدورة الثلاثين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية، ذلك الحدث الثقافي الإماراتي الذي اكتسب زخمه بالتأكيد واستمراريته من تلك الرعاية المتميزة التي يوليها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، للمسرح، باعتباره أحد أهم الأسس التي يمكن أن تقوم عليها الهوية الثقافية للشعوب، وأحد أكثر الأشكال الثقافية تعبيراً عن الذات الإنسانية بشكل مباشر بعيد عن تدخلات التكنولوجيا وتكلفها الذي يذهب بالبهجة والمتعة والإفادة والبساطة والتلقائية، فيحيل المعنى الذي ينبغي أن يصل إلى المتلقي إلى معنى ناقص إن لم يكن مشوهاً بشكل كلي.
رؤية صاحب السمو حاكم الشارقة ل«الأيام» لم تأت من فراغ؛ بل كانت رؤية استشرافية لكاتب مسرحي متمكن من أدواته، يعرف جيداً التأثير المفاهيمي الثقافي الذي يمكن للمسرح أن يصنعه في ذاكرة الشعوب، واستمراريتها في عالم يشهد محاولات دؤوبة من بعض الثقافات للهيمنة على البقية.
منصة مسرحية
لذلك كانت «الأيام» طوال تسعة وعشرين عاماً خلت، منصة مسرحية هدفها الأول هو تلاقي الخبرات القادمة من مختلف الدول العربية، مع رواد وأجيال الشباب في المسرح الإماراتي، من خلال الملتقيات الفكرية التي تصاحب الدورات المتتابعة من المهرجان، ومن خلال الندوات النقدية التي تستضيف أهم المسرحيين والنقاد من ضيوف المهرجان مباشرة بعد كل عرض من العروض التي تعرض فيه، وإضافة إلى ذلك يشهد المهرجان الاحتفاء بالعرض الفائز في مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح دورياً، حيث يعرض في افتتاح «الأيام»، فضلاً عن الاحتفاء بالعرض الفائز في مسابقة مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة الذي يحظى أيضاً بفرصة للعرض في المهرجان وتتم مناقشته من قِبل النقاد والمسرحيين الضيوف، تكريماً وتشجيعاً للمواهب الشابة، بتوفير مساحة نقدية متميزة تمكنها من أن تضيف إلى رصيدها المتراكم خبرة أكثر صلابة وأشد عوداً.
لقد حرصت إدارة المسرح في دائرة الثقافة والتي تنظم «الأيام» على أن تكون ملتقى فكرياً حقيقياً لا مجرد منصة عرض مسرحية مهما بلغت أهميتها، تطرح من خلاله إشكاليات مهمة لا تختص بالمسرح الإماراتي فقط؛ بل تتعدى أهميتها لتشمل المسرح العربي ككل، وتناقش من خلالها الأفكار النقدية الحديثة التي يمكن أن تطور العرض المسرحي، وتثري مخرجيه ومؤلفيه بأفكار متجددة دوماً.
وعلى سبيل المثال في الدورة السابقة ال29 ناقش الملتقى الفكري الذي انعقد تزامناً مع «الأيام»، موضوعاً يمكن أن يُعرف بأنه موضوع الساعة في المسرح الإماراتي والعربي، وهو «الإخراج والسينوغرافيا في المسرح المعاصر.. حدود العلاقة وتحدياتها»، ففي ظل غلبة تيار الصورة والاشتغال بها في المسارح العربية، وفي بعض العروض التي تدخل في فعاليات «الأيام» وفي المهرجانات العربية الأخرى في السنوات الأخيرة، كان لا بد من تحديد المسافة الفاصلة بين المخرج بوصفه المحرك الأول والأشمل للعمل المسرحي، والسينوغرافي باعتباره صانعاً لتلك الصورة، محدداً لمساحتها وأبعادها في الفضاء المسرحي، مُنجزاً للإكسسوارات والديكورات المصاحبة لكل ذلك المشهد. وأصبح لزاماً على الجميع من باب تحديد المسؤولية عن الإبداع المسرحي، ودور كل واحد من أفراد الفرقة التي تنفذه، أن تُضبط العلاقة بين المخرج والسينوغرافي بضوابط محددة جداً، معتمدة على قواعد وفرضيات أكاديمية رصينة.
وعي المسرحيين
إن «الأيام» بفتحها ذلك النقاش القديم الجديد، أعادت تأكيد أن المسرح بشكل عام لا يمكن أن يتطور دون وعي كل المسرحيين بما يفعلونه، وبحدوده ومقتضياته وأدواته.
والأكثر تميزاً في الملتقيات الفكرية التي تنظم في دورات «الأيام» هو أنها لا تكتفي بتقديم تنظيرات قد لا تنتمي بشكل حقيقي وفعال للعروض البصرية والأدائية المسرحية؛ بل تهتم بتقديم الحلول التي يمكن تطبيقها دون عناء على العروض، وترسم من خلال ذلك حدوداً مضبوطة للعلاقة بين مختلف مكونات وأدوات العرض، بغية جعلها جميعاً تتكامل بشكل متقن دون أن يطغى أحدها على الآخر فيختل التوازن وتختفي القيمة الإبداعية للعرض أو تتوارى على أقل تقدير.
جانب آخر لا يقل أهمية عن العروض والملتقيات الفكرية تستضيفه «الأيام» وتحتفي بأصحابه، وهو ملتقى الشارقة لأوائل المسرح العربي.. إنها نافذة يفتحها المهرجان أمام العديد من المسرحيين العرب الخريجين بغية الاطلاع على تجارب عدة عقود من المسرح الإماراتي، إضافة إلى الاحتكاك بنقاد كبار من ضيوف «الأيام»، والاستفادة من تجاربهم العملية الخاصة.
يبقى أن نقول أخيراً إن «الأيام» هي فعل مسرحي يتعدى فترة انعقاده؛ إنها ستارة مسرحية تُرفع كل عام على فضاءات من الإبداع والتميز، وتبقى رافداً للعديد من الأفكار في المسرح طوال العام إلى أن تحين دورة جديدة.