عادي
باستخدام مياه البحر وضوء الشمس

التكنولوجيا تحول الصحراء إلى واحة

02:43 صباحا
قراءة 7 دقائق

هل في استطاعتنا تحويل الصحراء وتربتها إلى أرض خصبة باستخدام مياه البحر وضوء الشمس فقط؟ قد يبدو الأمر غير مألوف وضرباً من الخيال لأننا نعلم أن حرارة الصحراء شديدة للغاية في الصيف وتنخفض الحرارة في الشتاء إلا أن ذلك بات أمراً حقيقياً من خلال استخدام تقنية تكنولوجية جديدة لتمكين استعادة الغطاء النباتي وتحويل الصحراء إلى واحات خصبة لافتة للنظر واستثنائية وذلك بإنشاء دفيئات (مشاتل) لإنتاج كميات كبيرة من الخضروات والفواكه والأزهار مع كميات قليلة من المياه أو المياه المالحة .

وفي هذا المشروع المتخصص لإنتاج الدفيئات الذي تحيط به حدائق صغيرة يزرع فيها نباتات صحراوية مسورة بجدران وسياج من الشجيرات ومحاطة بالورق المقوى . يبدو تأثير هذه العملية مذهلاً فإذا دخلت إلى هذه الدفيئات باتجاه الريح تتفاجأ بأن درجة حرارة الهواء تتناقص مباشرة كأنما دخلت إلى مكان مستخدم فيه مكيف للهواء البارد، وبجانب هذه الدفيئات هنالك نسق من المرايا العاكسة لتركيز قوة ضوء الشمس .

إن الأمر الأكثر إذهالاً أن هذه المرايا العاكسة والمساحات الخضراء المزروعة لا تستخدم مصادر خارجية للتزود بالمياه والكهرباء، إنما هذه الدفيئات يتم تبريدها من خلال المياه المالحة لتحافظ على درجة حرارة مبردة كل ذلك باستخدام مياه البحر وضوء الشمس .

يرى الكثيرون أن هذا المشروع المتخصص خطوة مهمة لتحويل مئات الكيلومترات من المساحات الصحراوية الساحلية الجافة إلى مزارع خصبة لإنتاج الخضروات . وفي هذا السياق يراود عالم الأحياء النرويجي يواكيم هاغ رئيس هذا المشروع المقام في دولة قطر، حلم أكبر بأن يعيد الغطاء النباتي للصحراء، يبدو هذا الحلم جنوناً ولكن على ما يبدو من الممكن تحقيقه .

وكما هو معلوم فإن الدفيئات في جميع أنحاء العالم تحتاج لمناخ معتدل فهي أخصب أنواع التربة لإنتاج الخضروات والفواكه ذات القيمة الغذائية العالية والأزهار الخلابة، فمن الممكن الحصول على حقول زراعية خصبة جداً، ولكن قد تبدو مكلفة وباهضة الثمن لأن المناخ السائد غير ملائم، فهذه الصحراء عطشة للماء في الصيف كما أنها تحتاج للحرارة في الشتاء .

يقول هاغ أن إنشاء الدفيئات في المناطق ذات المناخ البارد للإبقاء على المحاصيل دافئة لإنتاج كميات أكبر، بينما في مشروع الصحراء المهمة الرئيسة هي الحفاظ على المحصول مبرداً لارتفاع درجة الحرارة خارجياً ويتم ذلك من خلال التبريد بالتبخير وتوجد أمام هذه الدفيئات والتي تواجه رياحاً شمالية غربية، وجداراً مصنوعاً من ثوب سداسية الشكل فعندما يدخل الهواء إلى داخل هذه الثقوب المرطبة بالماء يتم ترطيب الهواء الذي يدخل للدفيئات، والأمر اللافت للانتباه أنه لا يتم هدر نقطة من المياه العذبة وإنما يتم كل ذلك باستخدام مياه البحر، حيث إن هذه الدفيئات مزودة بشبكة من الخطوط لتزويد الصنابير بمياه البحر .

والمعروف أن درجة حرارة الصحراء في شهر مارس/ آذار 30 درجة مئوية أما الصغرى فتبلغ 20 درجة وفي الصيف تصل الحرارة العظمى إلى 50 درجة في الخارج، ولكن لا يجب أن تتعدى حرارة الدفيئات في الداخل 30 درجة . وبهذا الخصوص يقول يواكيم هاغ أنا واثق من تحقيق هذه المعادلة . تستخدم في المحطات التقليدية للطاقة الشمسية المركزة أبراج تبريد مسرفة باستهلاك المياه العذبة . أما في مشروع غابة الصحراء، فسوف يستعاض عن هذه الأبراج بنظام خلاق يتيح استعمال المياه المالحة بكلفة منخفضة للحصول على تبريد رطب من دون استخدام المياه العذبة الثمينة . وتستعمل الحرارة الناتجة من مرايا الطاقة الشمسية المركزة لتشغيل نظام تحلية تبخيري متعدد المراحل، ينتج مياهاً مقطرة لري النباتات داخل الدفيئة وفي الخارج . وفي الشتاء تستعمل الحرارة لتدفئة الدفيئة الزراعية وإزالة الرطوبة من الهواء .

لا يتم فقط إنشاء دفيئات في هذا المشروع البيئي وإنما يتم زراعة الطحالب في أحواض مكشوفة وفي هذا السياق يقول عالم الأحياء المختص في الملاحة باتريك برادينع من جامعة اسيكس في بريطانيا العديد من الأسئلة الأساسية لازالت غير مفهومة، لذا أحاول الإجابة عنها ويضيف: أنه من الرائع العمل هنا لتوفر المواد اللازمة كما مياه البحر للقيام بالتجارب والأبحاث من المعروف أن زراعة أنواع من الطحالب البحرية سيكون ناجحاً لاستعماله كستحظرات غذائية ووقود حيوي وعلف للحيوانات والأسماك .

الأسيجة التبخيرية

أن نسبه تركيز الملوحة المستخدمة في الاسيجة التبخيرية ستكون من 10 إلى 15% وتستخدم لترطيب المساحات المحيطة بالحدائق الصغيرة . ويتم تمرير الماء فوق أجهزة تبخّر عمودية خارجية منظومة في صف، لخلق بيئات محمية ورطبة . وعندما يتبخر الماء المالح، تزداد نسبة الملوحة فيه إلى حد يجعل الملح يترسب . وتبدو تأثيرات هذه الأسيجة التبخيرية واضحة فهي تساعد على نمو نباتات وأعشاب صحرواية مقاومة للحرارة والملوحة كالصبار . وتقول فيرجينيا كورلس عالمة الفيزياء الفلكية العاملة في المشروع أن الهدف البعيد من كل هذا هو إعادة إصلاح النظام البيئي وليس جعل الصحراء خضراء فقط . كما أننا يمكننا زراعة الأشجار التي ستساعد على عملية تبريد المناخ من خلال الأسيجة التبخيرية .

كل هذه المياه المصرفة الشديدة الملوحة لا تعاد إلى البحر فعندما تتبخر المياه تبقى الأملاح التي يمكن استخراجها واستخدامها كملح للطعام أو للصناعة لأن إعادة هذه المياه يمكن أن يضر بحياة الكائنات الحية .

أن هذه التكنولوجيا البيئية المتقدمة ليست بجديدة وإنما اخترعت قبل نحو عقدين من المخترع الإنجليزي تشارلي باتون . يذكر أن باتون قام بإنشاء العديد من الدفيئات التي حازت الكثير من الجوائز في مجال البيئة كان أولها عام 1992 في جزيرة تنريف في المحيط الأطلسي وأخرى في عمان عام 2004 .

خيار عالي التكلفة

الطريقة التقنية الحديثة المستخدمة زادت من الكلفة الكبيرة لهذه الدفيئات، حيث قدرت التكلفة الإجمالية لهذا المشروع بنحو 6 ملايين دولار وسيجني المشروع نحو 720 ألف خيار في عشر سنوات، ما يعني أن لكل خيار بما يقارب دولاراً واحداً، ويتحدث المزارع البريطاني ستيفن كلاركسون الخبير الذي عمل 40 سنه في زراعة الخيار في بريطانيا والذي يعمل حالياً في هذا المشروع نخطط لإنتاج 1200 من الخيار في كل متر مربع لكل سنة بينما سعر الخيار الموجود في السوق يبدو أرخص بكثير . يقول هاغ: صحيح أن هذا الخيار غالي الثمن إلا أنه أنتج للقيام بالأبحاث والتجارب وليس لجمع النقود . فمن الناحية الاقتصادية هذا النوع من الزراعة هو الحل الوحيد للقيام به على نطاق واسع في الصحراء .

وهنالك خطة للقيام بهكذا مشروع في الأردن إحدى أفقر الدول للماء العذب والتي تعتمد على استيراد الغذاء . والعمل على توسيع هذه المشاريع الباهظة الثمن، الرؤية منها أنه أكثر من نصف المساحة ستكون مكرسة لإعادة الغطاء النباتي الأصلي للصحراء كاستعادة شجرة السنط الملتوي والأعشاب الصحراوية الأخرى، وكلما مر الوقت ونبتت الأشجار وتطورت التربة ستكون الأراضي بحاجة إلى مساعدة أقل من حيث الاعتناء والماء . ويؤكد هاغ إنما هذا التطور ليس فقط لزراعة مستدامة وإنما استعادة النظام البيئي للمنطقة .

لا يوجد شك أنه من الممكن جعل الصحراء غابة خضراء تكون مبردة وتسقى بالماء، حيث ستكون لزراعة الأشجار الفائدة العظمى في ذلك من تآكل وتعرية التربة إلى تأمين غطاء للتربة من الشمس والرياح . ولكن الشيء غير الواضح هي تلك المساحات الصحراوية البعيدة عن الخط الساحلي، من المعروف أن هذه الدفيئات سون لن تشكل غيوماً لتساقط الأمطار في تلك المساحات، ولكن الأمل أن هذه الدفيئات ستشجع بعضاً من النباتات على النمو بفعل الرياح المبردة التي ستحملها . يقول باول فالديز المختص في دراسة أشكال المناخ من جامعة بريستول من بريطانياأن هذا ممكن حقاً .

ولإيجاد ما تحتاجه هذه المساحات الصحراوية المجاورة سيحتاج الأمر إلى العمل الميداني ودراسة نماذج مختلقة من التربة ولكن الأمر الذي يعيق هذا هي ظاهرة الاحتباس الحراري والتي من المتوقع أن تجعل المناطق الجافة أكثر جفافاً .

وهنالك طرق أخرى اقل تكلفة من هذه الدفيئات لاستعادة النظام البيئي للصحراء ففي أطراف النيجر قاموا بحماية الأشجار من القطع للحفاظ على الغيوم لتساقط الأمطار ما كان له التأثير البالغ في الحفاظ على التربة . يقول يواكيم هاغ من المتوقع إنشاء دفيئات باستخدام مياه البحر في مناطق كثيرة من العالم خلال 20 سنة قادمة وذلك باستخدام مياه البحر، مثل صحراء اتاكاما في شمال التشيلي إلى صحراء كاليفورنيا وشمال إفريقيا حيث إن الكثير من مصادر المياه الجوفية قد جفت . ففي صحراء مصر في منخفض القطارة الذي يبلغ مساحته 19 كيلومتراً ويبعد عن البحر 100 كيلومتر ولكن من الممكن استغلاله وذلك باستقبال مياه البحر من خلال الجاذبية الأرضية لأنه دون مستوى البحر .

كما أن لتشارلي باتون رؤية مشابهة لما يمكن تحقيقه في مصر يقول: التكنولوجيا يمكن أن تحافظ على 20 الف هيكتار من الدفيئات في الميريا في جنوب إسبانيا والتي تمد أنحاء كثيرة من أوروبا بالفواكه والخضروات ولكن هذه الإمدادات تقلصت بشكل كبير بسبب نقص المياه العذبة .

السؤال المطروح هل يمكن للمستثمرين مواجهة التكلفة الهائلة لتحقيق هذه الأحلام؟ لربما نعم ولكن الأزمة المالية العالمية قلصت الطموحات للقيام بهذه المشاريع إلا أن الخط البياني العام بات بارتفاع عام منذ قيام باتون بأول تجربة .

من الواضح جداً أن أسعار المواد الغذائية بارتفاع دائم والحاجة إلى الدفيئات باتت تقوى لإنتاج الفواكه والخضار كما أن الكثير من البلدان باتت تتناقص لديهم كميات المياه العذبة . فقد قام صاحب أحد المشاريع التجريبية في أستراليا صن دروب فارمز بالحصول على الموافقة لبناء 16 هيكتاراً لإنتاج الخضروات والفواكه من الدفيئات للغرض التجاري وسيبدأ المشروع في أيلول القادم وإذا ما لوحظت الفائدة التجارية للمشروع ستطور الأمر لبقية دول العالم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"