درجة رضا المتعاملين مع الوزارات والمؤسسات التي يتعامل موظفوها بصورة مباشرة مع الجمهور، أصبحت الشغل الشاغل لقيادات الدولة والقائمين على منظومة العمل في الإمارات، بهدف تعزيز الأداء الحكومي، وتحقيق التنمية المستدامة، والوقوف على مستوى تطور أداء العاملين المعنيين بخدمة العملاء، ولمزيد من الانضباط ورفع مستوى الخدمة، بادرت الحكومية وقياداتها إلى تنفيذ برنامج العمل السري أو المتسوق الخفي كما يسميه البعض ذلك لوضع الوزارات والمؤسسات الاتحادية تحت المراقبة المستمرة، وذلك بأن تستعين الحكومة بعملاء سريين يتألفون من الانتماءات العرقية المتنوعة الموجودة بالدولة وبينهم عملاء من مختلف الجنسيات، بحيث يكونون كعملاء طبيعيين، ويقوم العميل الخفي بملء استبيان تم تصميمه خصيصاً ليتلاءم مع فئة العمل الخاصة، يغطي به كافة جوانب الزيارة التي قام بها، ومن ثم تتم دراسة التقارير لاتخاذ الإجراءات التي من شأنها تصحيح المسار وتدارك الخلل .
حالة من الترقب تسود في أروقة الدوائر الحكومية لمعرفة ماذا رأى العميل السري، والأهم ماذا كتب في تقريره، وبهذه الطريقة يكون الموظف في حالة تأهب مستمر، ولأن التجربة فريدة فإن المواطنين والمقيمين يتمتعون بها على حد سواء، لأن الشكوى من سوء المعاملة ستجد الآن طريقها إلى كبار المسؤولين بالدولة وسيتم تطبيق مبدأ الثواب والعقاب .
وهنا يأتي السؤال الأهم، هل يقوم العميل السري بمهام عمله على أكمل وجه، وبالشكل الذي رسمته الحكومة؟ وهل يؤدي دوره بشفافية، أم أن فكرة المتسوق السري تحولت إلى طريقة لكسب العيش، من دون الاهتمام بالمضمون الحقيقي، ولم تحقق الهدف منها، خاصة ان بعض الشركات الموكل إليها تنفيذ برنامج المتسوق السري استخدمت أفراداً غير مدربين على القيام بمثل هذه الأدوار الخفية، وسرعان ما ينكشف أمرهم، وتتحول المهمة السرية إلى وظيفة مفضوحة، وتتم كتابة التقرير مع الشاي والكعك . وكان الله بالسر عليماً، وعليه من لا يستحق أصبح من حقه . . ومن لا يجيد بات على درجة كبيرة من الإجادة، وعلى النقيض نجد البعض يقع فريسة في شبكة المتسوق الخفي بعد تقديم كل أشكال سوء المعاملة إليه، تحت شعار اللي ما يعرف الصقر يشويه وبذلك يكون عرضة لتقرير سيئ قد يطيح بمستقبله الوظيفي؟
الخليج بحثت في الموضوع وتجولت بين المكاتب والتقت بعدد من المواطنين والمقيمين والموظفين كما التقت بأحد العملاء السريين فكان التحقيق التالي .
يقول المواطن أحمد حسن شكر الله إن مستوى الخدمة المقدمة من الوزارات التي تتعامل مع الجمهور اختلف كثيراً عن السابق، وبشكل ملحوظ، وفي كثير من الأحيان لا يستغرق انهاء المعاملة أكثر من 10 دقائق فقط، وهذا التطور لم يأت من فراغ وإنما نتيجة جهد مبذول من قيادات الدولة والمسؤولين عن إعداد وتدريب وتأهيل الموظفين حتى يتمكنوا من أداء مهامهم الوظيفية على أكمل وجه .
وحول برنامج المتسوق السري ومدى فاعليته وتأثيره في مستوى الخدمة المقدمة للمتعاملين قال شكر الله إن الفكرة من الأفكار الذكية لأنها وضعت الموظف دائماً في موضع اختبار، وجعلته ينظر إلى كل العيون كأنها تراقبه، فهو لا يدري من هو المتسوق الخفي، فربما يكون الجالس أمامه، وربما يجمع عنه معلومات في الخفاء ولا يراه، وهذا جعل الموظف في حالة انتباه مستمر، وحرص على تقديم الخدمة بالشكل اللائق مع المحافظة على أخلاقيات المهنة . والحقيقة أن فكرة العميل السري كان لها عظيم الأثر في تطور الأداء الوظيفي في مختلف قطاعات الدولة، لافتاً إلى ان وزارة العمل في دبي في حاجة ماسة لوجود مكتب طباعة اضافي نظراً للازدحام الموجود حالياً .
حكومة إلكترونية
أما أحمد بخيت الفلاسي فيقول إن الحكومة أعلنت أنها حكومة إلكترونية، وهذا يعني أن كل البيانات الخاصة بالمواطنين والمقيمين موجودة في نظام إلكتروني به قاعدة بيانات متصلة عبر شبكة إلكترونية يمكن من خلالها معرفة فيه معلومات عن صاحب المعاملة سواء كان ذلك في وزارة العمل، أو الجنسية والاقامة، أو الجوازات، أو أي إدارة لها علاقة بخدمة المتعاملين، في حين أنني أجد على سبيل المثال ان وزارة العمل تطلب مني احضار بيانات خاصة بمعاملتي من البلدية، أو أي جهة أخرى لإتمام المعاملة، فلماذا لا يكون لدى وزارة العمل نظام إلكتروني يمكن من خلاله التأكد من اي بيانات موجودة في الوزارات الأخرى؟ وأعتقد أن عملية الربط بين الوزارات وفق نظم معلوماتية يتم الاتفاق عليها ستسهل كثيراً على المراجعين، كما أنها ستوفر الوقت والجهد، وتختصر الإجراءات التي تستغرق أحياناً أسبوعاً أو أكثر لإلغاء أو إصدار تأشيرة عمل جديدة .
وعن المتسوق الخفي يقول الفلاسي إن دوره مهم وحيوي وهو يساعد على تطوير الأداء وتحسينه في حالة قيامه بواجبه من دون تخاذل أو مجاملة أو كيد لأحد .
وحول ذات الموضوع يقول صابر الشيخ حسن إن الزائر السري أو المتسوق الخفي له أثر طيب في ميل وتطوير العمل في مؤسسات الدولة كافة، وان دولة الإمارات لها السبق في إدخال هذا البرنامج، وان دول المنطقة قامت بتقليدنا في تنفيذ البرنامج، وطالب بضرورة الربط الإلكتروني بين وزارات الدولة لتوفير الوقت والجهد، بدلاً من الذهاب والاياب مرات عديدة لإنهاء المعاملة .
تكثيف الزيارات
أما محمد أفضل فقد أكد أن فكرة المتسوق السري رائعة، وعادت بالنفع على المراجعين، وأن التمسك بالفكرة أمر حيوي ويجب العمل على تطويرها، وتكثيف عدد الزيارات التي يقوم بها المتسوق الخفي للجهات المراد التفتيش عليها حتى يستطيع كتابة التقرير بشكل ايجابي وشمولي، بحيث يغطي كل النقاط المراد تصحيح مسارها، لافت إلى أن الازدحام امام الكاونترات قل كثيراً عن ذي قبل، وأصبحت إجراءات انهاء المعاملة لا تستغرق سوى دقائق في أمور كثيرة، سواء كان ذلك في الصحة أو الجنسية أو غيرها من مؤسسات الدولة .
وعن دور المتسوق الخفي يقول حمدان الوهيبي على الرغم من وجوده إلا أن مستوى الخدمة في بعض الوزارات ما زال بطيئاً وفيه الكثير من التعقيدات، خاصة في وزارة العمل، فإن الإجراءات فيها تحتاج لتطوير في شكل الأداء وسرعة تقديم الخدمة، لافتاً إلى أن المتسوق الخفي أدى دوره بنسبة 60%، ولا بد من تطوير طريقة أدائه من خلال زيادة عدد الزيارات، وكتابة التقارير بموضوعية ومن دون تكلف أو مجالات، لكي يكون الموظف من نفسه حسن الطباع طيب الخلق يؤدي عمله على أكمل وجه، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه . وهذا يعني أن الموظف ليس من الضروري أن يكون عليه رقيب حتى يؤدي عمله كما يجب، ومن الضروري أن يكون الموظف على علم تام بمهام وظيفته، وأن يتحمل المسؤولية في اتخاذ القرار، ولا يقوم بتحويل الطلب إلى المدير لمجرد الخوف من تحمل المسؤولية .
عقل مستنير
المواطن عثمان عمر المازمي يرى أن فكرة المتسوق الخفي من الأفكار السديدة وانها نابعة من عقل مستنير يفكر لمصلحة الوطن والمواطن والمقيم على حد سواء، ووظيفة الزائر السري في غاية الأهمية، لأن من صلاحياته تقييم الموظف، وغالباً يكتب تقريره بحيادية . والحقيقة أنني تمنيت في كثير من الأحيان أن أكون أنا ذلك الزائر السري حتى أتمكن من محاسبة المخالفين، وليصل صوتي إلى المسؤولين في الدولة، وأذكر أنني ذهبت ذات مرة إلى أحد المصالح الحكومية لإنهاء معاملة، وكان هناك حوالي 6 مكاتب لاستقبال العملاء، ووجدت مكتبين فقط يستقبلان معاملات الجمهور، واستقبل موظف منهما مكالمة على هاتفه النقال، وترك المكتب وظل يتحدث قرابة 45 دقيقة، وعندما ذهبت لأبحث عن المدير لم أجده موجوداً أيضاً . وقال المازمي: أمتلك بناية فندق وتوجهت إلى وزارة العمل لإلغاء الترخيص وتحويلها إلى بناية عادية، وقمت بإلغاء كل بطاقات العمل الخاصة بالعاملين في الفندق، باستثناء عامل واحد فلبيني موجود خارج البلاد منذ 4 شهور فأوقفت وزارة العمل معاملتي إلى حين حضور العامل من الفلبين وأكدت لهم أنه لن يعود ولكنهم أصروا على غلق الملف لمدة 6 شهور بعد رحيل العامل، وهذا يعرضني إلى خسارة كبيرة، ومثل هذه القرارات مجحفة ولا بد من تعديلها بما يتماشى مع متطلبات سوق العمل، والمتغيرات التي تطرأ على أصحاب العمل والعاملين، بالاضافة إلى أنه عند انهاء معاملة تصطدم كثيراً بمن لا يعلم مهام عمله، لذا لا بد من تطوير الكوادر الوظيفية، والعمل على تحسين الأداء في وزارة العمل بصفة خاصة .
تحذيرات مستمرة
وبسؤال أحد الموظفين العاملين في احدى الدوائر الحكومية حول المتسوق الخفي وكيفية التعامل معه وهل من السهل كشف حقيقته، قال: باستمرار نتلقى تحذيرات من رؤساء الأقسام من أن الادارة تخضع لبرنامج المتسوق الخفي وانه من الممكن أن يكون أحد زوار المؤسسة في كل الأيام، وهذا يجعلنا دائماً على أهبة الاستعداد وفي حالة يقظة دائمة، ولدينا حرص شديد على نيل رضا المتعاملين، ولكن هناك أوقاتاً يكون الموظف فيها متعباً أو مصاب بنوع من الضيق بسبب مشكلة ما، وهذا ينعكس أحياناً على طريقة أدائه ولسوء حظه يتصادف وجود المتسوق الخفي فيكتب تقريراً لا يعبر عن حقيقة الموظف، لذا فلا بد من تكرار الزيارة أكثر من مرة حتى يكون التقرير المرفوع للمسؤولين يتصف بالمصداقية وينم عن حالة وأداء الموظف الحقيقية . ولا شك في أن فكرة المتسوق السري كان لها أثر طيب في تحسين الأداء، ولكن على كل موظف أن ينظر إلى كل عميل على أنه متسوق سري ويقدم له خدمة متميزة، حتى يرضي ضميره ويكسب رضا الله عز وجل، لافتاً إلى أن الموظف أحياناً يتعرف إلى العميل السري في حال سؤاله عن اسمه، لأنه من الضروري كتابة اسم الموظف في التقرير المرفوع للقيادات، وبالتالي يتجمل الموظف ويظهر أفضل ما لديه من خلق طيب، وحسن المعاملة، حتى يخرج المتسوق السري بفكرة جيدة عن ذلك الموظف .
المتسوق السري
ليس سهلاً أن تجلس مع متسوق سري وتتحدث معه وتحاوره، لأنه دائماً يخفي شخصيته، ولكننا وبكثير من العناء تمكنا من الوصول إليه، ووجهنا إليه عدداً من الأسئلة حول طبيعة عمله كمتسوق سري؟ والخطة التي يضعها للتعامل مع الموظف المراد تقييمه أو الجهة التي ستتم كتابة التقرير عنها؟ وماذا لو أن الموظف الذي تتعامل معه كشف أمرك؟ وكيف تتم كتابة التقرير وكيفية التعامل معه من قبل المسؤولين؟ وهل تؤثر المشاعر الإنسانية في عملك أم لا؟ وهل تتعرض أحياناً لضغوط خلال تأدية وظيفتك في حال انكشف أمرك؟ كل هذه الأسئلة طرحناها عليه فأجاب: أولاً: أتلقى المهمة التي سأقوم بتنفيذها عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف النقال عن طريق المسؤول في الشركة الموكل إليها تنفيذ البرنامج السري على الوزارات والمؤسسات، ويتم إخباري بموعد ومكان والسيناريو الخاص بالمهمة، وحين التوجه إلى المؤسسة المراد تقييمها، أقوم بتنفيذ واجبي، وإرسال رسالة نصية عبر الهاتف إلى رؤسائي في الشركة تفيد بتنفيذ المهمة، وبعدها أكتب تقريري وأرفعه للمسؤولين، ويشمل التقرير نظافة المبنى، ودرجة الحرارة، وطريقة الإضاءة، وتوفر مقاعد للجلوس، مع توفر المشروبات سواء مجانية أو مدفوعة، والتأكد من وجود خدمات الاتصال، مثل الفاكس أو الهاتف، ثم التوجه إلى موظف الاستقبال وسؤاله عن مضمون الزيارة حيث يقوم بتوجيهي للموظف المسؤول، وفي هذه اللحظة يجب معرفة اسم الموظف أو كتابة وصفه، وتسجيل الوقت الذي جلست فيه منتظراً دوري لمقابلة الموظف، وعند البدء في إجراء المقابلة يتم تسجيل الملاحظات عن أسلوبه وعما اذا كان يتعامل مبتسماً أو متجهماً في وجه العميل، وسرعة أدائه، ومدى تفهمه للسؤال الموجه له .