خلدون سنجاب حالة استثنائية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، سنتحدث عنها مراراً وتكراراً مع كل إنجاز يحققه هذا الإنسان الذي لم تهزمه الشدائد والمحن التي مرت عليه في حياته، بل يعود في كل مرة أقوى من السابق، وأشد إصراراً من قبل على متابعة حياته والنجاح في مجال تخصصه علوم الحاسوب وتصميم المواقع الإلكترونية والبرمجيات وحده، وهو راقد في فراشه، مستخدماً لسانه فقط للكلام.
وهنا حدثان مفرحان حدثا في حياة خلدون كلاهما يشكل مفصلاً جديداً في حياته، فقد رزقه الله قبل أيام بعبد الكريم الذي كان يحلم به منذ سنوات طويلة، لتكبر عائلته المكونة من زوجته وتوأم روحه يسرى، وابنته ريحانة التي تبلغ اليوم الثالثة من العمر، وابنة زوجته جودي (14 سنة).
الحدث الثاني، هو قرب تخرجه في جامعة الشارقة الذي تفصله عنه أيام معدودة، وتظهر النتيجة، ليكسر خلدون الحلم الثاني الذي يرنو إليه وهو أن يكون الأول على جامعة الشارقة. بالأمس توجه خلدون والعائلة وعبد الكريم إلى الجامعة لكي يمتحن في المرحلة الأخيرة، واذهل الأساتذة بمدى براعته وذكائه، أضف إلى أنه أنجز مشروعه وحده، وليس مع مجموعة، كما هو المعتاد، وذلك بطلب منه، وافقت عليه الإدارة.
خلدون سنجاب، لمن لا يذكر قصته، يؤكد أن دولة الإمارات طوقت عنقه بمكارمها، فقد أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في أكتوبر 2016 بإحضاره إلى الدولة بطائرة خاصة، وعلاجه بعد أن سمع بحالته، ليكتمل عقد المكارم بأمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بأن تيسر له أمور تعليمه في جامعة الشارقة ومسكنه.
وينتظر خلدون، بحسب زوجته يسرى، حفل التخريج بفارغ الصبر، ليقابل صاحب السمو حاكم الشارقة الرئيس جامعة الشارقة، خلال حفل التخرج، والذي سيكون بعد عدة شهور. وليشكره على الدعم الكبير وإتاحة المجال له للدراسة في جامعة الشارقة بمنحة، إضافة إلى منحه مسكناً له ولأسرته في الجامعة، توفيراً لمشقة الوصول إلى الجامعة.
اللحظة الأشد تأثراً كانت يوم العاشر من الشهر الماضي، وتحديداً في مستشفى القاسمي، حيث كان خلدون منتظراً على مدخل قسم العمليات زوجته يسرى التي تعسرت ولادتها، وانتهت بعملية قيصرية بعد مرور سبع ساعات، وتصف يسرى مشاهدة خلدون ولده عبدالكريم باللحظات الصعبة التي اختلطت فيها مشاعر الأبوة، والحمد لله، وأذّن سنجاب في أذن عبدالكريم وعيناه مغرورقتان بدموع الفرح.
فخلدون سنجاب المبرمج السوري استطاع بإصراره أن يدرس وحده علوم الحاسوب، ويبرع فيها على الرغم من إعاقته (شلل رباعي تام)، كانت نتيجته رقوده على السرير، إثر ارتطام رأسه في قعر البحر، وهو في السابعة عشرة من عمره، كان حينها لاعباً بالفريق الوطني السوري للسباحة، إلا أنه استطاع أن يحقق سلسلة من الإنجازات، فهو اليوم مبرمج ومطور تقني في مجال البرمجة الحاسوبية وتصميم وبرمجة المواقع الإلكترونية، حيث تعاقدت معه العديد من الشركات حول العالم، ولكنه ابتعد قليلاً عن العمل لإنجاز مشروعه البحثي للتخرج.
خلدون سنجاب يبلغ عمره 42 عاماً، وقد شكلت قصته وإصراره على التفوق مادة إعلامية خصبة خاصة بعدما كتبت عنه الكثير من الأقلام في بلده، وأيضاً فتحت أبواب منزله أمام العموم للذين أحبوا التعرف إليه عن قرب.
مضى على هذا الحادث كما تقول زوجته ورفيقة دربه يسرى هلال، نحو ربع قرن، أما لماذا ينتظر هذا اليوم، فالسبب يعود إلى أمرين مهمين يتعلقان بمحاور أساسية في حياته، الأول أن التخرج سيتيح له الفرصة لتوجيه الشكر إلى من آمن بمقدرته، بل وأتاح له المجال ليستمر في الدراسة في الجامعة، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الذي سمع بحالته، فوجه بإحضاره إلى الإمارات وعلاجه، وصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي يسر له الكثير من الأمور الصعبة، كالعيش والسكن وغيرها من الاحتياجات.
كما يتوجه خلدون بالشكر إلى مدير جامعة الشارقة الدكتور حميد مجول النعيمي، الذي أعطاه منحة سكن له ولأسرته للإقامة داخل حرم الجامعة، وفرت عليه الكثير من مشقة التنقل من وإلى الجامعة.
منذ فترة لم يكن صوت خلدون يسمع، بل كان يكتفي بتحريك لسانه على «الماوس» ليتواصل مع الآخرين، ولكن جهازاً حديثاً مكنه من الكلام، وسماع صوته جيداً، وقد استعاد نطقه جيداً بعد إجراء العملية، وانتزاع أنبوب التنفس، وتدرب على استخدام صمام الكلام، ليصبح صوته أفضل وكلامه مفهوماً. وهذا ما أسعد الأسرة بكاملها.
وعن أصعب المواقف التي مر بها، تتحدث زوجته يسرى بالقول: كان ذلك عندما انقطعت الكهرباء في لبنان الذي لجأ إليه بسبب الحرب في سوريا وتعطل جهاز التنفس، وهو ما كاد يودي بحياته، وعملت وابنتي على استخدام جهاز تنفس يدوي لمدة 18 ساعة كي يبقى على قيد الحياة.
في العودة إلى بداية قصة خلدون والظروف الصعبة التي عاناها، حيث شاءت الأقدار أن تندلع الحرب في بلده، وينتقل إلى لبنان، ولكن الأقدار كانت تخبئ له شيئاً يقلب حياته رأساً على عقب، بعدما كتبت عائشة عبدالله تريم رئيسة تحرير صحيفة «جلف تودي» مقالة نشرتها في «الخليج»، في أكتوبر 2016 بعنوان «خلدون سنجاب.. حالة لا تستعصي على الإمارات»، أتبعتها «الخليج» بإجراء مقابلة معه في لبنان من خلال مراسلها، حيث نزح كغيره من اللاجئين إلى البلد الأقرب.
هذا اللقاء الصحفي الذي أدى إلى التغيير الجذري في حياته، بعدما أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بإرسال طائرة خاصة لنقل خلدون من لبنان إلى الإمارات، وعلاجه في أفضل المستشفيات بأبوظبي، وهو ما كان من شأنه انتزاع جهاز التنفس للمرة الأولى في حياته.
عادي
محمد بن زايد أمر بنقله إلى أبوظبي.. وسلطان وجه بتدريسه في الشارقة
خلدون سنجاب: مكارم الإمارات طوقت عنقي وجعلتني أقوى
19 ديسمبر 2019
04:50 صباحا
قراءة
4
دقائق
الشارقة:ميرفت الخطيب