عادي
في الذكرى الـ 38 لغياب أول وزير دولة للشؤون الخارجية

الشهيد سيف غباش.. قصة نجاح وشهادة

04:47 صباحا
قراءة 5 دقائق
إعداد: شادي صلاح الدين

في الذاكرة تحفر دائماً صور أشخاص يصعب نسيانهم لا سيما العصاميون منهم الذين يشقون طريق النجاح بالصبر والمثابرة ليصبحوا أنموذجاً ومثالاً يقتدى به. واليوم في نبش ذاكرة 25 أكتوبر يحضر في الأذهان مثال فقدته الإمارات العربية المتحدة وفقدته الأمة العربية والإسلامية قبل 38 عاماً، لكن مسيرته مازلت حية.

أنه الشهيد الراحل سيف سعيد غباش أول وزير دولة للشؤون الخارجية الذي سقط صريع رصاصات غادرة أصابته خلال محاولة لاغتيال عبدالحليم خدام وزير الخارجية السوري آنذاك في مطار أبوظبي عام 1977، رجل كرّس حياته في المثابرة والكفاح، حتى وصفه السياسيون بأنه ملحمة من ملاحم الكفاح من أجل العلم والمعرفة، ونموذج رائع للتفاني والإخلاص في خدمة الوطن والأمة، حتى آخر لحظة في حياته.

فهو دولة بامتياز، أمضى حياته في خدمة وطنه بنشاط وحب كبيرين، فحمل همّ رسالة الإمارات إلى الخارج، وبرع في إيصالها لمختلف أصقاع العالم، وعبّر عنها أتم تعبير بعد قيام الاتحاد، كما كان، رحمه الله، منتمياً إلى أمته العربية، مدافعاً عنها شغوفاً بقضاياها وهمومها.

ولد سيف سعيد بن غباش المري في 21 أكتوبر 1932 في حي المعيريض بإمارة رأس الخيمة، وتوفي والده سعيد بن غباش بن مصبح بن أحمد بن زايد بن صقر بن أحمد المري، عندما كان في ال12 من عمره، وتوفيت والدته بعد 3 أشهر من وفاة والده.

وعاش مع عمته في دبي لمدة 3 سنوات، حيث التحق بالمدرسة الأحمدية لفترة من الزمن وكان يدرس اللغة الإنجليزية في مدارس ليلية، ثم تعلم عام 1946 على يد الشيخ أحمد بن حجر، النحو والبديع والبيان والفقه الإسلامي وعلم الفرائض.

رحلة علم

في 1949 سافر إلى البحرين طلباً للعلم والمعرفة، وعلى الرغم من التحاقه بالدراسة في المدرسة الابتدائية الشرقية في المنامة قبل الامتحان النهائي للسنة الرابعة الابتدائية بعدة أشهر فقط، فإنه نجح بتفوق وامتياز وكان ترتيبه الأول على جميع طلبة البحرين.

غادر البحرين إلى العراق بعد تخرجه في الثانوية العامة عام 1953، ليدرس الهندسة في جامعة بغداد، حيث اجتاز السنتين الأولى والثانية بنجاح لافت، لكن الظروف السياسية التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر حالت دون إتمامه السنة الثالثة، فاضطر إلى مغادرة العراق عام 1956 متوجهاً إلى مصر، وهناك حصل على بعثة من المؤتمر الإسلامي، لكن كلية الهندسة لم تعترف بدراسته في بغداد.

بعد ذلك، توجه إلى الكويت ليعمل بوظيفة مساعد مهندس في دائرة الأشغال الكويتية، وسط إصرار منه على متابعة القراءة والبحث العلمي إلى درجة تحولت فيها غرفته المتواضعة في أحد الأزقة الضيقة إلى محطة لزملائه المفكرين، يناقشون فيها أمور السياسة والثقافة والتاريخين العربي والعالمي.

ترك الكويت واتجه إلى أوروبا عام 1959 وتحديداً إلى النمسا، فأقام في مدينة كراتس التابعة للعاصمة فيينا، وعكف على دراسة اللغة الألمانية بشغف واهتمام لينمي ذاكرته بروائع الأدب الألماني مثل الشاعر غوته، إلا أن الظروف المادية وغلاء المعيشة حالت دون التحاقه بالجامعة لمتابعة دراسة الهندسة، فقرر الانتقال إلى ألمانيا وتحديداً إلى مدينة ديسلدورف.

وعمل مساعد مهندس في شركة إنشاءات ألمانية، مصراً على جمع ما يكفي من المال لمتابعة دراسته، وانتقل بعدها إلى سويسرا متقدماً للعمل في شركة أخرى مساعد مهندس، فتمكن بذكائه وتفوقه من الحصول على الوظيفة.
ولا شك أن زياراته المتعددة إلى إيطاليا أسهمت في إثراء ثقافته في حقل الآداب والفنون وقدر لا بأس به من اللغة، وفي عام 1963 انتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس لإتمام دراسته الجامعية في الهندسة، حيث حاول الحصول على منحة دراسية إلا أن الظروف لم تساعده على ذلك، فحوّل جهوده نحو تعلم اللغة الفرنسية ودراسة الأدب والفلسفة قارئاً لكبار المفكرين والأدباء.
وفي عام 1969 بعد نحو 20 عاماً من الغربة والترحال، عاد سيف سعيد غباش إلى مسقط رأسه في رأس الخيمة وهو مملوء بالحماس للعمل في خدمة وطنه وتأمين مستقبل آمن لعائلته حيث رزق تباعا بأبنائه الثلاثة عدنان وعمر وسعيد. كان أول عمل اسند إليه بعد هو رئيس قسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة، حيث لعب دوراً كبيراً في تخطيط المناطق الزراعية والسكنية التي كانت الإمارة تخطط لمنحها إلى مواطنيها.
وسعى إلى بث المعرفة والنهضة الثقافية من خلال مقالات في مجلة رأس الخيمة حيث كان يترجم كل ما تكتبه كبريات الصحف والمجلات العالمية عن الأحداث المهمة في العالم.

رافق سيف سعيد غباش الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم إمارة رأس الخيمة إلى بعض العواصم العربية والأجنبية بين عامي 1969 و1970، وشارك ضمن وفد رأس الخيمة في محادثات الاتحاد التي سبقت انسحاب بريطانيا من المنطقة وإعلان استقلال دول الخليج. وفي عام،1971 كان من أوائل الإماراتيين الذين هبوا للدفاع عن أرضهم ووطنهم حيث ذهب ضمن وفد من الإمارة إلى القاهرة لعرض قضية احتلال إيران الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى على مجلس جامعة الدول العربية.

وزارة الخارجية

بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971 تم تعيين الراحل في منصب وكيل وزارة الخارجية حيث عمل جاهدا في تنظيم الوزارة وتجهيز العناصر الجيدة من شباب الإمارات لإرسالهم إلى سفارات الدولة في الخارج. كما قام في تنظيم الإدارات التابعة للوزارة ومنها الشؤون السياسية والشؤون القنصلية والمالية والإدارية والسكرتارية، ساعياً إلى تربية جيل جديد من الدبلوماسيين عبر دعوتهم الدائمة إلى تحكيم العقل والابتعاد عن الانفعال والعواطف وانتهاج الموضوعية في الحكم على الأحداث التي تمر بها البلدان العربية والأجنبية.
وفي 25 ديسمبر 1973، شكلت وزارة اتحادية جديدة وعين سيف سعيد غباش أول وزير دولة للشؤون الخارجية، ليصبح المتحدث الرسمي باسم الإمارات في المحافل الدولية.

كان من أشِد المتحمسين للقضية الفلسطينية حيث ذكر الأمم المتحدة في خطابه أمام الجمعية العامة عام 1975 بقراراتهم لمنح الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة واتخاذ قرارات لإجبار «إسرائيل» على الالتزام وفق الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية. كما كان داعياً إلى إقامة علاقات عربية أوروبية تنطلق من الجذور التاريخية.

وفي عام 1976 شارك في مناقشة قضية الشرق الأوسط أمام مجلس الأمن وألقى خطاباً بارزاً ندد فيه بالسلوك العدواني ل «إسرائيل». وكان خطابه الأبرز قبل يوم من استشهاده في 24 أكتوبر 1977 حيث أدهش المشاركين في اجتماع الأمم المتحدة بعرض عميق وواضح لمسيرة المنظمة الدولية.

عام الشهادة 1977

عند الحادية عشرة من صباح يوم الثلاثاء 25 أكتوبر/تشرين الأول 1977 كان سيف سعيد غباش يرافق عبدالحليم خدام وزير الخارجية السوري آنذاك إلى مطار أبو ظبي لوداعه.، وعند دخول الوزيرين إلى الصالة الكبرى لمطار أبو ظبي وفي طريقهما إلى قاعة الشرف انطلقت رصاصات غادرة كانت تهدف اغتيال خدام، لكنها أصابت الوزير غباش في كتفه وبطنه حيث نقل إلى المستشفى وتوفي متأثراً بجروحه لتفقد الإمارات رجلاً من رجالاتها البارين ولتحزن الأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي لرحيله.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"