عادي
شهدها حامد بن زايد وألقاها روبرت بالارد

مجلس محمد بن زايد يستضيف محاضرة «أهمية البحار لمستقبل البشرية»

04:32 صباحا
قراءة 8 دقائق
أبوظبي : سلام أبو شهاب

استضاف مجلس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بقصر البطين في أبوظبي مساء أمس، محاضرة بعنوان «أهمية البحار لمستقبل البشرية» التي ألقاها الدكتور روبرت بالارد مؤسس ورئيس اتحاد استكشاف البحار.
وشهد المحاضرة سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي، والدكتور ثاني بن أحمد الزيودي وزير التغير المناخي والبيئة ورزان المبارك الأمين العام لهيئة البيئة في أبوظبي وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين وأعضاء السلك الدبلوماسي.
بدأ المحاضر حديثه بتوجيه الشكر إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على توجيه الدعوة وإتاحة المجال له لإلقاء محاضرته في مجلس سموه.
وركَّز المحاضر على أربعة محاور وهي: أن أعماق البحار تضم من التاريخ البشري أكثر بكثير مما تضمه متاحف العالم قاطبة، وتحتوي أعماق البحار على كنوز هائلة من المعادن مثل الذهب والفضة والنحاس والرصاص والزنك، بالإضافة إلى خزانات ضخمة خفية من النفط والغاز، وهناك مخلوقات بحرية عجيبة تعيش في ظلام دامس يمكننا إخضاعها للهندسة البيولوجية ثم الاستفادة منها في حل الكثير من مشكلاتنا الصحية والبيئية، وحان الوقت للبدء في إقامة مشاريع زراعية في عرض البحار.
وأكد بالارد أن المحيطات تحتوي على مستقبل البشرية ولكننا يجب أن نتعلم كيف نعيش بانسجام معها ومع كوكبنا مشيراً إلى أنه في المستقبل، ستبدأ المزارع في الظهور على سطح البحار، كما سيتمّ إنشاء المدن لدعم تلك المزارع، وسنرى قريباً عمليات التعدين تجري في أعماق البحار، فقد عثرنا مؤخراً على مخزونات هائلة من الذهب، والفضة، والنحاس، والتوتياء، والرصاص، بالإضافة إلى تربة نادرة تعدّ مهمة للصناعات التكنولوجية التي تقوم اليوم، موضحاً أنه كلما كانت درجات حرارة المياه متدنية زادت المغذيات وزاد معها تنوع الكائنات البحرية ما يبشر بأن لدى المحيطات الغذاء اللازم للعالم.
وقال كوكبنا مغطى بغلاف مائي يحجب عنا معظم محتوياته من الفضاء، يبدو كوكب الأرض مثل كرة رخامية زرقاء صغيرة محاطة بسماء مظلمة ملأى بالنجوم، ولم يبدأ الإنسان باستكشاف الأعماق الخفية للمحيطات إلا خلال الخمسين عاماً الماضية، وقد أمضيت أكثر من 25 عاما في استكشاف عالم البحار، ومعلوم للجميع أن 70% من سطح الأرض تغطيه البحار والمحيطات، ووجد العلماء أن معدل أعماق المحيطات يصل إلى 4 آلاف متر ويصل إلى 7 آلاف و500 متر وليس بالأمر السهل الوصول إلى هذه الأعماق، وهناك مخاطر كبيرة ترافق استخدام الغواصات للوصول إلى أعماق البحار.
وأضاف أن هناك عالماً آخر في أعماق البحار حيث توجد جبال شاهقة ووديان سحيقة وسهول فسيحة للغاية، وعلى طول هذه الجبال اكتشفنا خطاً طويلاً ومتواصلاً من عشرات الآلاف من البراكين النشطة والتي تمتد على مسافة 72 ألف كم وتحتوي ثروة معدنية عظيمة من المعادن التي تعدّ بالكثير للأجيال القادمة.
وأوضح في رحلات الاستكشاف لأعماق المحيطات حيث الظلام الدامس، وبعد أن عشنا حول هذه البراكين النشطة، رأينا مخلوقات بحرية غريبة وعجيبة، واكتشفنا أن بعض هذه المخلوقات تتمتع بقدرات فريدة على معالجة المواد السامة، ويمكننا الآن الاستفادة من هذه الخاصية لتحييد ضرر المواد السامة على الإنسان، كما نتعلم الآن كيفية الاستفادة من هذه الأشكال الفريدة من الحياة في معالجة أنواع مختلفة من مرض السرطان بما فيها سرطان الدم واستخدام الأعشاب البحرية في المعالجات التجميلية، ونتوقع اكتشاف المزيد من العقاقير المهمة التي ستتمخض عنها البحوث في المستقبل القريب.
وعرض المحاضر صوراً خلال المحاضرة لكائنات بحرية غريبة وعجيبة مضيئة في أعماق البحار، مشيراً إلى أنه توجد أشكال متنوعة للحياة في أعماق البحار مؤكداً أن ما تم اكتشافه ومشاهدته من الكائنات البحرية يمثل 0,1% من إجمالي أنواع الكائنات البحرية في أعماق البحار، فهناك أشكال حياة في أعماق البحار لم نرها من قبل، فعلى سبيل المثال توجد أكبر الثدييات والمخلوقات في أعماق البحار، وتوجد في كهوف ذات أشكال غريبة ومداخل لمداخن في أعماق المحيطات، كما وجد أن دورة مياه المحيطات تأخذ كيمياء مياه الأنهار إلى كيمياء البحار والمحيطات وتظهر كيمياء مياه جديدة للأنهار ما يساعد على استمرارية وتجدد الكائنات البحرية، وتوجد أيضاً في أعماق المحيطات نباتات يصل طولها إلى أكثر من مترين، وفي الظلام الدامس وفي الأعماق السحيقة توجد أنواع من البكتيريا التي تتكاثر في الظلام بعيداً عن الضوء.
وأشار إلى أنه يوجد أسفل أعماق البحار والمحيطات كميات هائلة من النفط والغاز كما في خليج المكسيك.
وقال إنه بعد عمليات بحث واستكشاف بحري استمر سنوات للعثور على حطام السفن تم العثور على أجزاء من حطام سفينة تيتانيك والنزول على سطح السفينة وأجزاء منها في أعماق البحر حيث يجثو حطامها، كما اكتشفنا حطام سفن غرقت قبل نحو 200 سنة، واستخدمنا في عمليات البحث غواصات نووية
وأضاف تعلمنا أيضاً بأن أعماق البحار تمثل أضخم متحف على كوكب الأرض، حيث تضمّ أكثر من مليوني سفينة غارقة توثّق للتاريخ البشري منذ الأزمان الغابرة، وأن الأعماق المظلمة للبحر ودرجات الحرارة التي تصل فيه إلى مستوى التجمد وفي بعض الحالات انعدام الأوكسجين، كل ذلك أسهم في حفظ الكثير من فصول التاريخ البشري بما في ذلك الحمض النووي لقدماء البحارة.
وأكد أن الأهم من ذلك كله أن المحيطات تعدّ أضخم مستودع للحياة على الأرض حيث تضم أعداداً هائلة من المخلوقات التي لم نكتشفها بعد، مخلوقات مفيدة للبشرية ليس من الناحية الجمالية فقط بل من حيث قدرتها على تحسين صحة الإنسان، ومع نزولنا إلى أعماق البحار باستخدام غواصات استكشاف المياه العميقة، نرى طيفاً لا نهائياً من العوالم العجيبة يختلف كل واحد منه عن الآخر.
وأوضح الدكتور روبرت بالارد أنه خلال 25 عاماً من البحث في أعماق المحيطات عن حطام السفن اكتشفنا من مناطق وجود حطام السفن التجارية خطوط الطرق التجارية البحرية التي كانت تسلكها هذه السفن ما ساعد على رسم خريطة عالمية لهذه الخطوط البحرية، ووجدنا أنه يوجد في أعماق المحيطات كائنات بحرية تأكل الخشب الذي يشكل بقايا حطام السفن.
وأشار إلى أن أحد الاكتشافات البحرية التي توصلنا إليها اكتشاف كميات كبيرة من سلفات الهيدروجين أسفل أعماق البحر الأسود والخط البحري الممتد إلى المناطق المجاورة منها مضيق البوسفور والبحر المتوسط وعلى أعماق تصل إلى 200 متر. وأضاف من الاكتشافات البحرية الأخرى وجود العديد من الآثار داخل حطام السفن الغارقة من سنوات طويلة، وإحدى هذه السفن غارقه قبل 500 سنة من الميلاد وتتضمن بقايا بشرية ما يساعد على اكتشاف المزيد عن تلك الحقب الزمنية بإجراء تحليل للحامض النووي لهذه البقايا، وتشير التقديرات إلى ان هناك نحو مليوني سفينة غرقت في المحيطات والبحار.
وتتطرق إلى الحديث عن أعمدة الدخان الأسود في أعماق المحيطات عارضاً صوراً عن هذه الأعمدة مشيراً إلى أن الأبحاث أظهرت أن السائل الذي يأتي من هذه المداخن صاف ومع درجة الحرارة المتدنية وغياب الضوء وغيرها من العوامل الطبيعية والبيولوجية تشكّلت أنواع عديدة من المواد المعدنية، كما يوجد في قاع المحيطات كميات كبيرة من المعادن والزنك والذهب والفضة، وأن 72% من أعماق المحيطات تحتوي على معادن وبعضها يحتوي على كميات كبيرة من الذهب، وتستخدم هذه المعادن في صناعة الهواتف المتنقلة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.
كما عرض المحاضر صورة لشبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر قائلاً إن البحر الأحمر تكوَّن من الانشقاق الكبير الذي حدث في المحيطات، وتحوي أعماق البحر الأحمر والمحيط الهندي بما فيها المناطق القريبة من بحر عمان على الكثير من المعادن والفضة والذهب وبحيرات المياه الحمضية والأكسدية والتي تشير إلى وجود كميات كبيرة من المعادن.
وأشار إلى أنه يوجد في أعماق البحار والمحيطات 230 نوعاً من الفصائل الزراعية ونسبة منها تستخدم في إنتاج مركبات طبية تستخدم في معالجة الأورام السرطانية، وبعضها لديه خاصية امتصاص التسربات النفطية من السفن.
وأكد المحاضر أن المحيطات الشاسعة المساحة مهمة أيضاً لكونها تستطيع مدّ أعداد متزايدة من البشر بالطعام، فحتى اللحظة الراهنة، يعيش 95 % من سكان الأرض على أقل من 5 % من سطح الأرض، ويعيش 40% من السكان فوق المياه أو قريبة منها، و40% في مناطق صعبة وبعيدة عن البحار والمحيطات ومع ازدياد سكان الأرض، تزداد الحاجة إلى أراضٍ زراعية لتوفير الطعام لهم، وهو ما يجعل المحيطات تحتل أهمية أكبر لبقاء الإنسان في المستقبل وذلك في ظل ارتفاع مستوى البحر.
وأضاف المشكلة التي نواجهها هي أننا للتو استهلكنا 90 % من الأسماك الضخمة في البحر حيث إننا لا نزال صيادين وجامعي ثمار في المحيط، قبل 11 ألف سنة استطعنا تدجين الأغنام والماعز، وقبل 10 آلاف سنة بدأنا في زراعة القمح لإطعام البشر، ولكن في المحيطات لا نزال نصطاد «الأسود، والدببة، والنمور».
وقال لحسن الحظ، تعلمنا الآن كيفية الزراعة والرعي في البحر وبدأنا في التوجه إلى عرض المحيطات للاستفادة من المساحة الأضخم على كوكبنا للمحافظة على استدامة الحياة في البحر وكذلك لزيادة أعداد المخلوقات البحرية أيضاً.
وعرض المحاضر نموذجاً لمزارع يمكن إنشاؤها في أعماق المحيطات لإنتاج كميات وفيرة من الكائنات البحرية. وقال إنه تم تصميم سفينة وغواصة للوصول إلى أماكن بحرية لم يصل إليها البشر، ويجري أيضاً التخطيط لإنشاء مراكز في المستقبل في أعماق البحار، عارضاً للحضور تصوراً لنظام متكامل للاستفادة من محتويات أعماق المحيطات وبث صور حية مباشرة لمراكز التعليم والمدارس والجامعات مشيراً إلى أن لديه خطة لتنظيم رحلات استكشاف للطلبة لأعماق البحار.
وأشار إلى أن هناك مشروعاً لإتاحة المجال أمام متخصصين للمشاركة في رحلات الاستكشاف لأعماق المحيطات وتم قبول 40 أفضل شخصية من إجمالي أعداد كبيرة تقدمت للمشاركة في رحلات الاستكشاف لأعماق البحار باستخدام الربوتات.

صور حية ومباشرة للأعماق

عرض المحاضر في نهاية المحاضرة صوراً حية ومباشرة من سفينته لأعماق المحيطات، وظهر من خلالها أنواع عديدة من الكائنات البحرية الغريبة والعجيبة.
وأشار إلى أنه يوجد على ظهر السفينة البحثية مجموعة من العلماء والباحثين بينهم باحث يتحدث اللغة العربية، وتبث السفينة صوراً حية لأعماق البحار على مدار الأربع والعشرين ساعة، ويتم تلقي أسئلة الطلاب والمهتمين من مختلف دول العالم، والإجابة عن أكثر من 50 ألف سؤال مقدم من أطفال وطلبة من مختلف دول العالم.

مياه عذبة وطائرات بحرية

أكد المحاضر أن نتائج عمليات البحث أظهرت وجود كميات ضخمه من المياه العذبة في قاع المحيطات والبحار.
وكشف رداً على أسئلة الحضور أنه في المستقبل سيتم إنتاج طائرات بحرية تنقل ركاب وعلماء إلى أعماق المحيطات والبحار، وهذا ما يتم بحثه في البنتاجون.
وقال بإمكان الدول المطلة على البحار والمحيطات الاستفادة من أعماق البحار والمحيطات على مسافة تصل إلى 200 ميل من شواطئها، وجرت الكثير من المحاولات في هذا الشأن من دول عديدة.
وأوضح بإمكان الدول الاستثمار في أعالي البحار بحثاً عن المعادن والثروات البحرية التي تعود بالفائدة على البشرية.
وأشار إلى أنه يتم التركيز على استخدام الربوتات في استكشاف أعماق المحيطات.

المحاضر في سطور

الدكتور روبرت بالارد مدير مركز استكشاف البحار، وبروفيسور علم المحيطات بكلية علم المحيطات في جامعة رود ايلاند الأمريكية، ومستكشف مقيم في جمعية «ناشونال جيوغرافيك»، ومفوض اللجنة الأمريكية لسياسة المحيطات، وعالم فخري بمؤسسة «ودز هول» لدراسة المحيطات، عمل في البحرية الأمريكية لأكثر من من 30 عاماً وما يزال يعمل لمصلحة مكتب بحوث البحرية.
المحاضر خبير رائد في تطوير الغواصات وأنظمة المركبات المسيرة عن بعد، وشارك في أكثر من 140 رحلة استكشافية لأعماق البحار، في عام 1985 اكتشف سفينة «ار ام اس تيتانيك» ونجح في تعقب العديد من السفن الغارقة الأخرى مثل سفينة بسمارك الحربية الألمانية وأسطول غواد الكانال الضائع، وحاملة الطائرات الأمريكية يورك تاون وسفينة جون اف كينيدي الحربية بي تي ـ 109، واكتشف فتحات المياه الحارة والدخان الأسود في أخدود جزر الغالاباغوس ومرتفع شرق المحيط الهادئ في سنة 1977 وسنة 1979.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"