ففي مقال نشر في مجلة العلوم، يثبت الباحثان جورج تشرتش وسري كوسوري، وهما مهندسان في مجال علم الجينات والبيولوجيا الجزيئية في معهد هارفرد ويس البريطاني، كيف أنهما نجحا في تخزين النسخة الرقمية لكتاب كامل مؤلف من 300 صفحة تعادل نحو 700 تيرابايت (1 تيرابايت = 1000 جيجابايت أو 70 مليار كيلو بايت) أي ما يعادل ثلاثة أضعاف من البيانات الموجودة في المئة نسخة الأكثر قراءة في تاريخ البشرية، وذلك على ملمتر مكعب من مواد مصنوعة من جزيئات DNA الحمض النووي أو ما يعادل 1 جرام منه . ففي عام 2010م، تمكن أحد المختبرات من تصنيع جزيء ال DNA كيميائياً وتجميعه على هيئة بيانات رقمية ومن ثم إدراجه ضمن الخلية الحية .
وفي العام 2011 أجرى الباحثان جورج تشرتش وسري كوسوري تجربتهما بنجاح، ويعتقدان أنه نظراً لكثافة التخزين العالية لجزيء الحمض النووي، فإنه من الممكن نظرياً تخزين جميع المعلومات التي نتجت في العالم في العام 2011م والتي تعادل (8 .1 زيتابايت) أي نحو ألفي مليار غيغا بايت من البيانات، على أربعة جرامات من الحمض النووي DNA . المهندسان تشرتش وكوسوري أنجزا هذا الفتح العلمي الجديد من خلال التعامل مع الحمض النووي كأنه وسط تخزيني آخر، وللتذكير يوجد الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين، أو DNA في الخلية الحية كجزيء يتكون من سلسلة من النيوكليوتيدات، يحدد ترتيبها المعلومة الوراثية . والنيوكليوتيدات الأربعة تشكل نوعاً من الأبجدية في ال DNA يرمز إليها بالأحرف الآتية: A(الأدنين)، C (السيتوزين)، T (الثايمين)، وG (جوانين) التي يمكن بسهولة توليفها مع النظام الثنائي: (0،1) بحيث أن (T، G تمثلان1 ) و(C، A تمثلان 0) .
وعندما نتحدث عن تسلسل الحمض النووي، فإننا نقصد بذلك إيجاد سلسلة طويلة من النيوكليوتيدات للوصول إلى سلسلة من نوع: TTCAGTTCGAACTGAACCTGCA مثلاً .
ويقول الباحث برنارد ديجون الخبير في علم الجينات الجزيئية في معهد باستور بباريس: الحقيقة إن خبراء المعلوماتية لم يكتشفوا شيئاً جديداً فالحمض النووي هو ذاكرة طبيعية بحد ذاته . ويضيف الديجون أنها ليست المرة الأولى التي تطرح فيها هذه الفكرة خاصة أن جزيء DNA هو العنصر الأساسي لتطوير وعمل الجسم الحي، كما أنه جزيء ثابت إذا توافرت له الظروف الملائمة، ويقول جورج تشرتش صاحب الإنجاز العلمي الجديد يمكنك أن تطرح هذا الحمض في وسط الصحراء أو في حديقة منزلك، ولو عدت له بعد 400000 سنة ستجده في مكانه، إنه من ناحية تخزين المعلومات بطل لا يضاهى، ومن الممكن أن يبقى محتفظاً بالبيانات إذا حفظ في ظروف ملائمة لمليون سنة .
مبدأ لغة التخزين
لو أردنا من حيث المبدأ، تخزين البيانات، فلا بد من توليف المعلومات وكتابتها بلغة ال DNA المكتوبة بأربعة أحرف وهي: (A,C,G,T) ثم تتم قراءة البيانات من خلال عملية التسلسل حيث تقوم إحدى الخوارزميات الكمبيوتيرية بإعادة تجميع وبناء البيانات المخزنة . وباستخدام ما يسمى بمنظم DNAيمكن للباحثين قراءة البيانات التي طبعت على ال DNA بعد توليفها وإعادة تنظيمها . الأمر الأكثر الإثارة هو أن الباحثين وجدوا أن معدل الخطأ لا يزيد عن خطئين من أصل مليون بت، وهي نتيجة تعادل النسخ على ال DVD والأقراص الصلبة المغناطيسية المتطورة جداً .
ولو تم تطبيق هذا الإنجاز العلمي الهائل بشكل واسع وتجاري مستقبلاً، فلنا أن نتخيل أن جميع ما نستخدمه من بيانات (البرامج التلفزيونية، الأفلام، الصوتيات، وغيرها) سيكون مخزناً داخل نقطة من الحمض النووي بدلاً من أقراص التخزين الموجودة حالياً التي تستهلك مساحة كبيرة جداً فضلاً عن وزنها .
ركيزة صلبة للتخزين
من الممكن في المستقبل استخدام تقنية تخزين البيانات على الحمض النووي في الخلايا الحية، حيث يمكن للمرء تخزين مكتبة بياناته على جلده مثلاً إلا أن عملية التخزين لا تدوم طويلاً نظراً لأن الخلية حية تنقسم ثم تموت، وبالطبع كانت مسألة العثور على ركيزة أو دعامة صلبة أمراً مهماً وهو العمل الكبير المميز الذي استطاع الباحثان إنجازه على ركيزة زجاجية لضمان سلامة البيانات، ومن خلال طابعة ثلاثية الأبعاد تقوم بمهمة نقر الأحرف على الحمض النووي الموجود على الدعامة الزجاجية، وهذا يعني Alpha أن الباحثين قاما بتجميد الحمض النووي على هذه الركيزة ليصبح غير قابل للتغيير أو التلف، وقادراً على تحمل درجات الحرارة القصوى، وذلك خلافاً لمعظم الوسائل المادية المتوافرة حالياً، ويتساءل العلماء إزاء هذا الفتح العلمي الجديد: هل الكثافة التخزينية وطول العمر الاستثنائي سيجعلان من ال DNA العنصر المفضل لأرشفة الوثائق؟ اليوم، تبقى المشكلة الرئيسة بطبيعة الحال في صعوبة التنفيذ، لأنه لا بد من توافر المعدات اللازمة لتنفيذ عملية التوليف والتصنيع وبالتالي توفر الآلية االتي ستعمل على فك شيفرة السلسلة الحيوية للحمض النووي المكونة من الأحرف الأربعة: (A,C,G,T) وموالفتها مع النظام الثنائي (0،1) .
ويشير الباحث تشرتش إلى أن المشكلة الكبيرة التي واجهته هي نقل النصوص الطويلة ولذا فكر في تجزئة النص من خلال برنامج خاص من اختراعه هو وفريق البحث المشارك في التجربة، حيث جرى تقسيم الكتاب إلى آلاف الأجزاء وكل جزء تم تقسيمه إلى اثني عشر حرفاً على هيئة سلسلة من (A, C, G, T) إلى أن حصل الباحث في النهاية على 55000 سلسلة منها . ويقول الباحث تشرتش إن الفكرة تكمن في النهاية في حقن الحمض النووي الذي يحتوي على المعلومات المخزنة عليه في الخلية الحية ولكن يجب أن نجد الطريقة التي لا تدمر فيها الخلية هذه المعلومات باعتبارها فيروساً أو دخيلاً يجب التخلص منه! ومن هنا كان اللجوء في بداية المطاف إلى البحث عن دعامة صلبة خاصة أن الحمض النووي في شكله الصلب أصغر بمئة مرة من شكله السائل . وبالفعل تم وفقاً للباحث الأمر حسبما توقعه فقد أعاد قراءة النص بشكل عكسي عن طريق تحويل الأحرف الآتية:
(A, C, G, T) إلى نص مقروء من خلال برنامج خاص .وكانت النتيجة مذهلة إذ لم يتجاوز الخطأ في إعادة قراءة النص الأصلي المشفر أكثر من 10 بت من أصل 5 ملايين بت!
ويقول الفيزيائي إيبريش سبيتز من أكاديمية العلوم بباريس إن العصر المقبل هو عصر تخزين المعلومات على الحمض النووي بوصف آلية مذهلة تتمثل في تخزين كمية هائلة من المعلومات على مساحة صغيرة جداً، لكن شريطة أن يتوافر جهازان ضروريان للعملية هما: السنتيتيزر (المؤلف الصناعي) والسكونسر (المنظم) اللذين كانا في منذ عدة سنوات باهظي التكلفة حيث كان يبلغ سعر كل منهما مئات الملايين من الدولارات، لكن يبدو أن سعرهما الآن انخفض كثيراً ولا سيما خلال السنوات الأربع الماضية ما يعني أن التطور في هذا المجال يسير نحو الأفضل، الجدير بالذكر أن المعلوماتية الحيوية استُخدمت على نطاق واسع في أبحاث الجينوم البشري ضمن مشروع الجينوم البشري الذي حدّد السلسلة الجينيّة الكاملة للإنسان التي تتكوّن من نحو ثلاثة بلايين (مليارات) زوج أساسي . ولقد أسهم هذا الأمر في استخدام المعلومات الجينيّة لفهم الأمراض وكان له دور في اكتشاف عقاقير جديدة فعالة .
البيوإنفورماتيك علم المستقبل
والمعلوماتية الحيوية هي استخدام تكنولوجيا المعلومات ضمن علم الأحياء (البيولوجيا) للاستفادة منها في عمليات تخزين البيانات data storage and warehousing وتحليل سلاسل الحمض النووي (DNA) وللعمل ضمن مجال البيوإنفورماتيك على المرء الإلمام بعدد من العلوم تشمل علم الأحياء Biology والرياضيات وعلوم الحاسب، إضافةً إلى قوانين الفيزياء والكيمياء والأهم طبعاً هو إلمامه بتكنولوجيا المعلومات (IT)، وذلك من أجل تحليل البيانات البيولوجيّة ودراستها . ولا ينحصر استخدام البيوإنفرماتيك في حوسبة البيانات البيولوجية وإنّما يتعدّى ذلك إلى حلّ العديد من المشكلات البيولوجيّة واكتشاف الأنماط الإحيائيّة المتعدّدة .