«..منذ أن تفضلت السيدة الكريمة الشيخة علياء بنت سهيل بن بطي بن سهيل آل مكتوم في الثمانينات من القرن الماضي، بإعطائي ديوان «كفاية الغريم عن المدامة والنديم» للشاعر الكبير مبارك بن حمد العقيلي، وهو الذي يضم شعره الشعبي، وأنا شغوف بشعره وإرثه الثقافي بحثاً وتقصياً وجمعاً، وهو ما جعلني أكتب حوله وحول سيرته دراسة نشرت في مجلة الرافد العدد الرابع «يوليو 1994م»، والتي تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، تحت عنوان «الشاعر مبارك بن حمد العقيلي المبتدى والمنتهى»، حددت فيه ولأول مرة سنة ميلاد الشاعر ونشرت ذات الدراسة أيضاً في كتاب الرافد «قامات من الإمارات» ويحمل الرقم 11 في سلسلة الإصدارات، وذلك في سنة 2001م، وحينما طلب مني الأخوة في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية أن أكتب حوله.
الشعر الشعبي أو النبطي، وهناك من يفرق بينهما وهناك من يقول إنه الشعر الشفاهي أو المحكي، أي إنه لا فرق بين شعبي ونبطي.. هو ذاكرة أهل المنطقة، وهو الديوان الثاني للعرب بعد ديوان الشعر الفصيح.
قراءة هذا الشعر قراءة تاريخية تشير إلى الوعي الثقافي المبكر في الإمارات، لا بل، هناك شعراء شعبيون كتبوا هذا النوع من الشعر، أي أنهم لم يكونوا شفاهيين، الأمر الذي يقودنا إلى القول إن المنطقة شهدت ظهور مدارس «مطاوعة» قبل عشرات السنوات، علاوة على اتصال الكثير من شعراء الإمارات القدامى بالبيئة الثقافية في الهند على وجه الخصوص في إطار التبادلات التجارية المبكرة في المنطقة من جانب، ومن جانب آخر كانت بعض المجلات العربية تصل إلى المتعلمين القدامى من أهل المنطقة، ما يفيد أن حالة ثقافية مبكرة وبكرية كانت سائدة في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، وكان لبعض المثقفين في منطقة الخليج العربي اتصال بمثقفي ومفكري ما يسمى عصر النهضة في مصر، وكان لهؤلاء أيضاً اتصال معرفي وثقافي بمثقفي العراق.
يحضر كل ذلك، ونحن نضيء على أعلام الشعر الشعبي في الإمارات الذي لقي كل الاهتمام والدعم والرعاية من أصحاب السمو حكام الإمارات، ونحن اليوم نعاين بكل سهولة التكريمات التي تذهب إلى شعراء النبط والشعبي وهي تكريمات مادية ومعنوية أوجدت نوعاً من الحراك الإيجابي والفعال في الساحة الثقافية الإماراتية.
قبل فترة أشرت إلى أن عدداً من الشعراء الشباب في الإمارات عندهم وفاء أخلاقي وأدبي كبير إلى الرواد والقدامى من شعراء النبط بشكل خاص، وهذا الوفاء قليلاً ما نجده في ساحات ثقافية أخرى، ويعود ذلك إلى أن رواد الشعر النبطي في الإمارات هم جذور ومرجعيات وتاريخ بالنسبة للشعراء الجدد، وتراثهم محفوظ في الذاكرة، وفي التدوين التوثيقي.
الجهد الثقافي الذي قام به الشاعر إبراهيم الهاشمي يأتي في هذا السياق الأدبي والأخلاقي، ويتوجه هذا الجهد الذي قام على عمل ميداني، وبحث في وثائق ومخطوطات إلى علم من أعلام الشعر في الإمارات.. إنه الشاعر مبارك بن حمد العقيلي الذي يكتب النبطي والفصيح.
لكي نضيء على طبيعة هذا الكتاب نأخذ ما قاله إبراهيم الهاشمي حول جهده البحثي الجاد والمعرفي والمسؤول.. يقول... «الكتاب عبارة عن توسع حول سيرة الشاعر مع تصحيح لبعض المعلومات حوله وحول سيرته بالاعتماد على الوثائق التي توفرت، ولم تكن متاحة مسبقاً».
أتوقف قليلاً عند هذه النقطة، فهناك دائماً ما يمكن أن يسمى فضولاً بحثياً في الوثائق والمخطوطات التي تتعلق بالشعراء القدامى في الإمارات.
إنه نوع من الشغف بالبحث ليس عند إبراهيم الهاشمي وحده، بل عند عبدالله الطابور، وسلطان العميمي، وعبدالله عبد الرحمن، ومحمد أحمد عبيد، وعند سواهم من المولعين بالتراث الشعبي، والثقافة الشعبية في الإمارات.
ولد مبارك بن حمد العقيلي كما جاء في توثيق الهاشمي عام 1875 ميلادية في الإحساء في المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية ثم تنقل بين شبه الجزيرة العربية، وارتحل إلى العراق ومسقط، واستقر في دبي «..في عهد الشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم سنة 1324 هجرية ـ 1906 ميلادية) ولم يتزوج العقيلي طوال حياته حسب رواية أغلب من كتبوا عنه أو عرفوه، ولكن قصة حبه الفاشلة تفوح من بين حنايا قصائده، وتضفي عليها حزناً ظاهراً..».. كما يقول إبراهيم الهاشمي الذي يشير إلى أن العقيلي قد حظي بقسط من التعليم التقليدي والديني في صباه في الإحساء إبان الحكم العثماني، ويذهب الهاشمي إلى أن العقيلي وثق الكثير من الأخبار في دفاتره، وكان له مجلس أدبي، كما أنه تعرض للسجن في فترة من حياته.
الكتاب: الشاعر مبارك بن حمد العقيلي
المؤلف: إبراهيم الهاشمي
الناشر: مؤسسة سلطان بن علي العويس (2012)