«.. وللتأكيد أن «الخشبة» تزامنت ومرحلة التغيير في معالم القصة العربية والخليجية لمواكبة عالمية القصص والأخذ بجوهرية أساليب الكتابة القصصية للوصول مع القارئ لشكل ومضمون هادف. وتزامن كل ذلك مع القطيعة النهائية للقصص المحلية التي تعتمد على السردية والعمد في التقريرية المبالغ فيها لتبرز ذلك الجانب عن طريق نقل وتصور عمقه الحقيقي وبعده الراجح».
عام القراءة، هو أيضاً عام استعادات حميمة للأسماء الأولى والمؤسسة في الكتابة الإماراتية المبكرة، فهؤلاء هم حجارة الزوايا في المعمار السردي الإماراتي قبل حوالي نصف قرن من الزمان وربما أكثر.. الرواد، هؤلاء البعض منهم يعيش بيننا بكل لياقته الثقافية والإنسانية، وبكل حضوره الذي لا يغيب، وإن غابت الكتابة المرتجاة منهم، ومن أقلامهم النظيفة.
عبدالله صقر.. اصغ جيداً إلى إيقاع هذا الاسم القصصي الإماراتي الذي كتب مجموعته القصصية في العام 1975 من القرن الماضي.. المجموعة حاضرة في ذاكرة المثقفين الإماراتيين بقوة، فهي ضد الضعف البشري، ومن هنا، ربما يأتي حضورها بقوة، أو حضورها القوي.
قبل أن نضيء على هذه المجموعة من خلال القصة التي تحمل اسم المجموعة (الخشبة) نضيء قليلاً على عبدالله صقر نفسه، فهو (نفس) مبدعة، هادئة، صامتة.. كتب القصة في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، وبذلك، فالخشبة أول مجموعة قصصية في الإمارات إن لم تكن من أوائل السرديات القصصية في الخليج العربي، وعبدالله صقر له كتابات مبكرة في قصيدة النثر، وإن لم تخني الذاكرة، وقد أجريت معه حواراً مطولاً قبل أكثر من خمسة عشر عاماً قال لي فيه: إنه يكتب الشعر الشعبي، وله محاولات في عمل فيلم سينمائي، لكن المدهش في شخصية هذا الرجل الحميم أنه ترك كل هذا العمل الأدبي التأسيسي، وتوجه إلى كرة القدم، وهو واحد من أبرز مدربي منتخب الإمارات لكرة القدم في تسعينات القرن الماضي، وحقق للمنتخب إنجازات رياضية محترمة يعرفها أكثر مني رجال المستطيل الأخضر.
موضع، عبدالله صقر، منذ سنوات طويلة نفسه في الكرة لياقته البدنية الرياضية، جاءت كما يبدو، امتداداً للياقته الكتابية السبعينية، وكما هو هادئ، وحذق، وذكي في تدريب الكرة، هو، كذلك في الكتابة.. لكنه، للأسف الشديد كتب «الخشبة»، وله كتاب آخر بعنوان «اغتراب في زمن مسلوب» صدر في العام 1975، وبعد ذلك، اختفى تماماً من المشهد الثقافي الإماراتي، لكنه علم من أعلام رياضة كرة القدم وثقافتها الرفيعة في الإمارات.
تتحدث قصة (الخشبة) التي كتبها عبدالله صقر في 9 / 2 / 1975 كما هو مؤرخ في نهاية النص.. عن مجموعة من الأشخاص الهامشيين في الحياة، والذين يجدون أنفسهم في ما يشبه (الورطات) غير المتوقعة، وجراء ذلك، يتم عقابهم عن طريق ربطهم إلى قطعة من الخشب، وبعد ذلك (يولدون ولادة جديدة).
اللافت، بل، المذهل في هذه المجموعة القصصية المبكرة هو وعي عبدالله صقر العميق والاختياري لثقافتين غربية، وعربية محلية شعبية، ففي القصة ما يشبه أغنية تقول:
«شجرة المنتهاء
اسدلي ظلالك حولنا
فأمي ستلد اليوم
هذا وليدها..».
العتبات الأولى لمجموعة (الخشبة) يقتبسها عبدالله صقر من (أ.م. سيوران) و(جان جرنييه) و(رينيه شار) الذي يقتبس منه هذا القول:..«.. إن من يأتي إلى الدنيا دون أن يترك فيها أثراً لا هو بمن يُطاق، ولا بمن يستحق أن يلتفت إليه..» وتؤشر هذه الاقتباسات من كتّاب غربيين فرنسيين على ثقافة مبكرة تشبع بها عبدالله صقر قبل عشرات السنين، في زمن ثقافي إماراتي يتأسس، ويتواصل بمحبة ووعي وذكاء مع ثقافات العالم الحية.
(الخشبة) التي صدرت مرتين تُقرأ، وسريعاً، بمستوى تاريخي، ويتوجب أن تقرأ بمستوى نقدي ثقافي قبل النقد الأدبي، فهي تحمل أوجاعاً إنسانية عاينها لاعب كرة القدم، ولاعب القصة القصيرة.. عبدالله صقر.
الكتاب: الخشبة (مجموعة قصصية)
المؤلف: عبدالله صقر أحمد
الناشر: دار الفارابي (1999)