عادي
مخطوطة تكشف فظائع حروب البرتغاليين وجذور الصور الذهنية النمطية

سلطان يوثق بدايات معرفة الغرب بالمنطقة في «رحلة بالغة الأهمية»

03:11 صباحا
قراءة 8 دقائق

الشارقة: محمدو لحبيب

تحت عنوان «رحلة بالغة الأهمية» ينشر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، كتاباً يحوي النص الكامل للمخطوطة الأصلية لكتاب «دوراتي باربوزا 1565 م»، ويحوي الكتاب كذلك ترجمة إلى اللغة العربية والإنجليزية إضافة للبرتغالية.
وفي هذا الكتاب وهو من نشر دار «منشورات القاسمي» لسنة 2017، يقدم سموه تلك المخطوطة المهمة التي اقتناها سنة 2012 عندما اكتشفت، ويشرح حيثيات ذلك في مقدمته للكتاب قائلاً: «هذه المخطوطة الحالية، اقتنيتها عندما أُكتشفت عام 2012م، بعد أن كانت مفقودة مدة مئة سنة تقريباً، وهي بالتالي أقدم وأكمل النسخ المخطوطة، وهي بالغة الأهمية لسردها أحداثاً تاريخية ولهذا نظهرها الآن لنشرها مصورة في نسختها الأصلية».
يؤكد صاحب السمو حاكم الشارقة أهمية هذه المخطوطة ودلالة الجهد الذي بُذل من أجل إظهارها باللغة العربية وغيرها من اللغات المذكورة آنفاً حين يتحدث عن ارتباطها بالوطن العزيز قائلاً: «جهدنا هذا كان يهدف لتسليط الضوء على تاريخ واحدة من بواكير المعلومات الغربية عن وطننا العزيز».
وفي بداية مقدمة هذا الكتاب، يتحدث سموه عن المراحل التي مرت بها هذه المخطوطة والنسخ العديدة التي ظهرت منها والتي كانت في بعض المراحل التاريخية غير مكتملة، حيث يقول إن أول ظهور لها كان عام 1813 م، حين نشر فرنسسكو مندو تريغوسو لأول مرة باللغة البرتغالية مؤلفاً يرجع إلى مطلع القرن السادس عشر كتبه دوراتي باربوزا وعرف باسم «كتاب دوراتي باربوزا»، برعاية أكاديمية العلوم في لشبونة، واعتمدت تلك الطبعة على مجموعة راموزيو المطبوعة بدورها سنة 1550 م، تضمنت مخطوطة غير معروفة المصدر.
ويبين سموه أن تلك المخطوطة كانت جزءاً من مجلد أكبر، حيث يقول في مقدمته: (هذه المخطوطة بحسب ما يذكر لنا الناشر، كانت جزءاً من مجلد أكبر «codex» ضم:
أولاً: مجموعة أوراق حول رحلة «السيد كونستانتينو دي براجانسا Dom Constantino de Baraganca».
ثانيا: «كتاب ليسوتي دي أبريو Book of Lisuarte de Abreu»
ثالثا: مخطوطة غير معنونة، والتي كانت في الحقيقة نصاً شائعاً عُرف باسم «كتاب دوراتي باربوزا»).
وقد تعرض الجزء الثالث من ذلك المجلد، وهو الذي يتحدث عنه سموه في كتابه هذا لرحلة طويلة أدت لأن يحتويه النسيان طوال عقود وعقود، وتعرض لإهمال عدة فصول منه في النسخ التي أصدرت منه، ثم بعد مئتي عام على إصدار أكاديمية لشبونة المخطوطة الأصلية، تم إصدار «كتاب دوراتي باربوزا» سنة 2013 وسط مجموعة إصدارات، وقبل ذلك بسنة واحدة كما يشير سموه اقتناها هو، وها هو يقدمها لكل القراء العرب والمهتمين بالتاريخ في هذه المنطقة وفي غيرها.
قدَم لكتاب «رحلة بالغة الأهمية» انطونيو دياس فارينها عميد كلية التاريخ والجغرافيا بأكاديمية العلوم في لشبونة، حيث قال إن الخليج العربي والبلاد المجاورة له من بين المناطق التي تمت زيارتها بشكل متكرر، وإن بحارة الأساطيل البرتغالية في رحلاتهم من وإلى مدخل مضيق هرمز وإلى البصرة، منذ بدايات القرن السادس عشر، سجلوا أسماء مواقع كثيرة مثل جلفار، والشارقة، والبحرين، ومسقط، والقطيف، ووصفوا الشعوب هناك والثروات التي تتوفر في الإقليم.
ونوه أنطونيو بأهمية «كتاب دوراتي باربوزا» حيث قال عنه إنه المصدر الرئيسي لمعرفة ذلك الإقليم خلال بدايات القرن السادس عشر.
وأشاد انطونيو بمجهودات صاحب السمو حاكم الشارقة في نشر كتاب دوراتي باربوزا ووعيه البالغ بأهميته فقال: (لقد قرر الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي «دكتوراه في التاريخ والجغرافيا وعضو أكاديمية ليشبونة»، أن ينشر هذا السفر القيٍم، بعد اكتشاف المخطوطة الكاملة الباقية له، والتي ظُن أنها فقدت نهائياً، وهذه الطبعة لها أهميتها البالغة بالنسبة لتاريخ الخليج العربي وشعوبه وثرواته، لقد كُتبت في بداية العصر الحديث، بالكاد بعد خمسة عشر عاما من رحلة فاسكو دا جاما من لشبونة إلى كاليكوت في الهند، والتي ولدَت عوالم جديدة لعالمنا).
بعد تلك الحيثيات التاريخية الضرورية لفهم مسار هذه المخطوطة النادرة، على القارئ لكتاب سموه أن يكون ملماً بالظروف التاريخية التي سبقت ومهدت للرحلات البحرية البرتغالية، وما أهدافها، وكيف كانت مساراتها.
فمن المعروف أن أوروبا في العصور الوسطى، وقبل تاريخ رحلة دوراتي باربوزا كانت ضحية اعتقادات خرافية عن البحر، وعن خطورة ركوب أمواجه والإبحار فيه، ومن هذه الخرافات أن المياه الاستوائية تصل درجة حراراتها إلى درجة الغليان، وأن الشياطين والعفاريت يسكنون البحار والمحيطات، هذه الصورة الفانتازية صنعها وركزها الجهل، غير أن المعلومات العربية التي توفرت من خلال الوجود العربي في الأندلس، سمحت للإسبان وللبرتغاليين بالاستفادة من رحلات ابن بطوطة الذي زار الهند والصين وإفريقيا، ووصف الحياة هناك والثراء الكبير والسفن الضخمة، فتغيرت الصور النمطية، وبدأ البرتغاليون نهجاً خاصاً لتأسيس مدارس للبحرية، وتأسيس أسطول يهدف إلى استكشاف تلك المناطق وغيرها بغية السيطرة فيما بعد على خطوط التجارة الدولية عبرها.
وفي تقديم انطونيو الآنف الذكر لهذا الكتاب إشارة مهمة لرحلة غيرت بشكل مؤثر جدا طبيعة الرحلات البحرية البرتغالية، هي رحلة فاسكو دي جاما، الذي اتجه إلى الشرق عبر رأس الرجاء الصالح.
فبعد رحلة دي جاما بدأ السعي البرتغالي الأكيد للسيطرة على كل طرق التجارة البحرية في تلك المنطقة، وفي إطار ذلك السعي تكشفت أمور عديدة تتضح من خلال مطالعة ما كتبه الرحالة البرتغاليون عن الشعوب وتقاليدهم، وعن كيفية إدارة البرتغاليين حروبهم ضد سكان المناطق التي يحتلونها، ولذلك فإن سموه كان دقيقا جداً وعميقاً كعادته كمؤرخ حين وصف كتابه هذا ب «رحلة بالغة الأهمية».
فليس هذا الكتاب مجرد رحلة بحرية تنافس رحلات السندباد البحري المعروفة بوصفها للشعوب الغريبة وتقاليدها، والجزر القريبة من البحر بتنوعاتها، بل إن رحلة دوراتي باربوزا فاقت ذلك لأنها ببساطة قدمت وشرحت واقعاً كان كائناً، وفي ثناياها اتضح بشكل جلي ماذا يمكن لوجه القوة الاحتلالية أن تفعله بالناس، وكيف يعامل المسلمون الذين استوطنوا تلك المنطقة، غير المسلمين فيها، سواء كانوا مسيحيين أو يهوداً أو حتى من يسميهم دوراتي باربوزا نفسه ب «المشركين Gentios» وهم الذين ليسوا في إطار تلك الديانات الثلاثة.
تبدأ رحلة باربوزا من رأس سان سباستيان، حيث يعطي الوصف صورة تكاد تقترب من الفانتازيا المشار إليها في قصة السندباد البحري حين يقول: «بعيداً على طول الساحل، ومروراً برأس الرجاء الصالح، بالاتجاه نحو الهند، وصولاً إلى رأس سان سباستيان، تجد أراضي على طبيعتها الخلابة، تضم العديد من الجبال والمراعي المليئة بقطعان كبيرة من الماشية والأغنام، وغيرها من الحيوانات البحرية، ويسكن هذه الأرض قوم سود البشرة، يسيرون عراة، ولا يرتدون سوى عباءة (فرنسية) من جلد الأيائل، أو الحيوانات الأخرى».
ويضيف في مقطع آخر مثيراً شغف القارئ بتلك الأجواء القريبة من الأساطير: «لم نتمكن من العثور على مترجم ليخبرنا عن هؤلاء الناس، كما لم نتمكن من الحصول على معلومات عن هذه المناطق النائية، وهم لا يُبحرون، ولا يستخدمون البحر، ولم يتمكن الموروس (المسلمون) أبداً من شبه الجزيرة العربية وبلاد فارس من الوصول إليهم عن طريق البحر، أو اكتشافهم، نظراً لشدة العواصف في منطقة رأس كورينتس».
وتنتهي الرحلة التي كتبها باربوزا عند سواحل الصين وتمر خلال ذلك بالخليج العربي، وما بين بدايتها ونهايتها كتاب يستحق الدراسة بتأن وبروح البحث الإنتروبولوجية، والسوسيوثقافية، لأنها تقدم في سردها المبسط معلومات قيمة تكشف جوانب من الصور النمطية التي تروج اليوم عن حضارة الغرب وإنسانيته في نشر تلك الحضارة، فالحقيقة البارزة التي تكشفها هذه المخطوطة البالغة الأهمية، والتي اهتم بها سموه اهتماماً شديداً، أن التوسع والاحتلال والجشع هو الهدف الأساسي الذي حرك الأوروبيين والبرتغاليين نحو منطقتنا العربية خاصة ونحو المنطقة بشكل عام، وأنهم في سبيل ذلك لم يتورعوا عن شيء وأتوا أفعالاً لا تمت لحقوق الإنسان ولا لمواثيق الحروب العادلة.
وفي أكثر من موضع من الكتاب الذي بين أيدينا يتحدث باربوزا عن أفعال البرتغاليين ضد شعوب المناطق التي يأتونها وترفض الخضوع لها، فيقول مثلاً تحت عنوان فرعي هو «مومباسا» حين يتحدث عن ملكهم المسلم، وعما فعلوه في مدينته في الصفحة 27: «ولعدم رغبة ملك هذه المدينة بالانصياع لأوامر سيدنا وملكنا، لكبريائه، فقد خسر المدينة، وأخذناها منه بالقوة نحن البرتغاليين، فر هو منها، وقتلوا الكثير من الناس، وكذلك ألقوا القبض على العديد من رجاله ونسائه، ما يعني أن المدينة دمرت ونهبت وأحرقت..»، إلى أن يقول في نهاية هذه الفقرة «وقد تُركت المدينة في حالة خراب»!.
وفي فقرة أخرى تحت عنوان فرعي هو «مدينة براوه»، يؤكد باربوزا نفس النهج المدمر المخرب الذي انتهجه البرتغاليون حين يقول في نهاية الصفحة 30 من الكتاب: «ولقد تعرض هذا المكان للتدمير من قبل البرتغاليين، حيث قتلوا الكثير من سكان هذه المدينة، وأخذوا العديد من الأسرى، وغنيمة كبيرة من الذهب والفضة والبضائع، بعد ذلك هرب العديد منهم إلى البر الداخلي تاركين المدينة».
وفي قرية يسميها الكاتب بعنوان فرعي آخر هو «بربرة»، يقول: «استولى البرتغاليون على هذه القرية بالقوة، بواسطة أسطول بقيادة أنطونيو دي سالدانها، ودمروا القرية بأكملها سنة 1518م».
وفي إطار مختلف يظهر المسلمون في كتاب باربوزا في أكثر من موضع، متعايشين حتى مع غير المسلمين أو «أهل الكتاب» بشكل عام، ممن يصفهم هو ب «المشركين» كما أسلفنا، فيقول تحت عنوان فرعي هو «جزيرة سان لورانس» في الصفحة 28: «يعيش سكانها المشركون في البر الداخلي، والمسلمون في الموانئ حيث لديهم العديد من القرى، وفي هذه الجزيرة هناك العديد من الملوك المسلمين والمشركين»
وعند حديثه عن «مدينة عدن» في الصفحة 39 يقول مبيناً انفتاح المسلمين على اليهود وتعايشهم هناك: «المسلمون واليهود هم التجار الرئيسيون في هذه المدينة».

مشاهد عن الخليج العربي
يقدم الكتاب معلومات تاريخية مهمة جداً تتعلق بالمنطقة العربية والخليج العربي والإمارات في تلك الفترة، حيث يقول باربوزا في وصف مملكة هرمز في الساحل العربي، في الصفحة 45: «مسقط بلدة كبيرة جداً، حيث يسكن العديد من السكان المحترمين والأثرياء، توجد بهذه المدينة الكثير من السلع التجارية، وتزدهر بتجارة الأسماك، حيث يصطاد السكان الكثير من الأسماك الكبيرة، ويقومون بتمليحها وتجفيفها، وبيعها للعديد من الأماكن».
ثم يضيف باربوزا بعد ذلك في وصف مدحاء وخورفكان وجلفار ورأس الخيمة وكلباء فيقول في نفس الصفحة: (تقع خلفها قرية تسمى مدحاء، التي يمر المرء بعدها لبلدة أخرى تعرف بخورفكان. توجد العديد من المزارع والحقول حول تلك القرى بالبر الرئيسي، والتي تعود ملكيتها لمسلمين محترمين من هرمز، يأتون إلى هنا في فصل الصيف للاسترخاء والراحة وجني المحاصيل المبكرة والفواكه. خلف خورفكان وعلى نحو مسافة أبعد، يقع مكان آخر يسمى جلفار، حيث يعيش هنا العديد من التجار الكبار والبحارة، ويقومون بالغوص لإخراج اللؤلؤ الصغير والكبير الحجم، ويقومون بجمعه حتى يأتي التجار من هرمز لشرائه وأخذه إلى الهند والعديد من الأماكن الأخرى، هذا النوع من الأعمال مركزه هنا، ويأتي بالكثير من الأموال لملك هرمز، كما تأتي الأموال من الأماكن الأخرى. إذا واصلنا على طول الساحل مروراً بقرى خورفكان فإن المرء يمر بأخرى، منها ما تسمى رأس الخيمة، وهي مكان كبير جدا، وتقع خلفها مدينة بها قلعة تسمى كلباء).
ومجمل القول في هذا الكتاب الذي يترجم ويعرض مخطوطة دوراتي باربوزا أنه إذا شاء القارئ للكتاب أن يتجاوز الآثار المدمرة للرحلات البرتغالية في تلك المنطقة، فسيجد نفسه أمام متحف حقيقي مليء بالمعلومات التي تستحق دراسات متأنية وفاحصة وعميقة جدا.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"