يوضح الروائي والمترجم أشرف الصباغ لكتاب «تشيخوف بين روتشيلد والخال فانيا» أن المترجمين العرب تفننوا في طرح أعمال تشيخوف بين الحين والآخر، لدرجة أننا قد نجد أن كل جيل قام بترجمة تشيخوف مرتين أو ثلاثاً، وهذا أمر مهم يعكس مدى الاهتمام بالكاتب الروسي.
في هذا الكتاب الذي يضم مقالات متفرقة عن تشيخوف يشير الصباغ إلى أنه فضل طرح تشيخوف من زاوية أخرى، أي التعامل معه كمفكر ودراماتورج، وليس مصادفة أن يقدم قصته «كمان روتشيلد» التي لا يقترب منها المترجمون، رغم أنها قصة شغلت الرأي العام الأدبي والسياسي طويلا، على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، وكتب عنها مقالات ودراسات يصل حجمها إلى حجم الأعمال الكاملة لتشيخوف.
يوضح الصباغ أن تشيخوف الدراماتورج يجد هنا مساحة جيدة، يتركز فيها الضوء عليه، باعتباره صاحب تيار جمالي- فلسفي في الكتابة الدرامية، وليس عبثا أن تتشكل في العديد من الدول الأوروبية دوائر «التشيخوفيين» الذين يواصلون التقاليد التشيخوفية في المسرح، ويعملون على تطويرها، وطرحها في أعمال مسرحية متنوعة وفقا لتطور الأفكار والأدوات والإمكانات.
عندما ظهرت قصة «كمان روتشيلد» في 6 فبراير/شباط عام 1894 بجريدة «الأنباء الروسية» لم تسترعِ اهتماما خاصا، لا من النقاد ولا من جمهور القراء، وليس كما حدث على سبيل المثال مع قصة «عنبر رقم 6» التي استدعت فور ظهورها العديد من التعقيبات والتأويلات والتفسيرات المتناقضة، أما البحث الأدبي المعاصر فقد تعامل بشكل أكثر اهتماما مع العلاقات النصية الداخلية لقصة «كمان روتشيلد» حينما انتبه إلى المحاور المبكرة للموضوعات والصور الشخصية، التي وظفها تشيخوف في هذا العمل.
نوه أحد النقاد بأن «كمان روتشيلد» هي خلاصة الأسلوب التشيخوفي، تركزت فيها، وفي أقوى صور التعبير، جميع الملامح الأساسية لعقيدة تشيخوف والخصائص الرئيسية لفنه، وبالفعل - كما يوضح الكتاب- فإن «كمان روتشيلد» واحدة من المؤلفات الرئيسية الأساسية لتشيخوف تسعينيات القرن التاسع عشر، وهي تكشف عن العديد من العلاقات والموضوعات، التي رسختها في التقاليد الكلاسيكية الروسية.
يرى الكتاب أن جدلية العلاقات والتأثير المتبادل للفكرة المباشرة للحدث وللبناء السري العميق، تشكل ذلك الهيكل المعقد والمتشابك، حيث يسمح الارتباط بتقاليد الكلاسيكية الروسية والعلاقة بالمضمون العام للعصر بصياغة الفكرة العظيمة لهذا العمل، إن الضياع الأخلاقي والخواء الروحي مرتبطان بشكل طبيعي بفكرة روتشيلد، أما السبيل الإنساني فيوجد عبر التغلب على، واجتياز، هذا الخواء نحو الأخوة والتوحد.
أما فيما يخص مسرحية «الخال فانيا» فإن الكتاب يشير إلى أن تشيخوف عندما لم يكن يعجبه شيء في أحد عروضه كان يقول دون عصبية: «إنهم لم يقرؤوا النص فهناك كل شيء مكتوب»، ومع ذلك فما زالت هناك بديهيات عامة يتم تجاهلها، فبدلاً من قراءة النص نرى المخرج يشرع في الإخراج، إن فهمنا لتشيخوف- كما يوضح الكتاب- يتشكل أثناء عملية إجراء البروفات الأولية، بل وحتى في غضون مرحلة القراءة الجادة، حول المائدة، التي تتطلب معالجة مبدئية للنص، تحليل كل كلمة في منظومة الشخصيات، وتحليل الموضوع والمشاهد والشخصيات نفسها.
عادي
تشيخوف.. مفكر ودراماتورج في «كمان روتشيلد»
11 يونيو 2016
03:05 صباحا
قراءة
دقيقتين
القاهرة:«الخليج»