د. رضية سالم *
دستور المدينة أو ما عرف بصحيفة المدينة، أو كتاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، أو العهد النبوي، كلها أسماء وضعت لوصف أول دستور مدني متكامل في التاريخ أرسى قواعد المواطنة وثبت أركان العدل بين مكونات المجتمع وطوائفه، ونظم العلاقات بينهم لكي يسود التسامح والمحبة ويدخل الناس في السلم كافة..

فبعد هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة، أقام قواعد المجتمع الإسلامي الجديد على قاعدة التعايش السلمي والتسامح والتعاون بين المسلمين وبقية الطوائف الأخرى، فدخل المسلمون في ميثاق مع القبائل العربية واليهودية المقيمة هناك، فكانت «وثيقة المدينة» هي الدستور الذي ينظم العلاقات بين مكونات المجتمع الجديد وبين من انضوى تحته من الطوائف، والتزموا جميعاً بموجبها مسلمين أكانوا أم غير مسلمين بالتعاون فيما بينهم على إقامة العدل، والحفاظ على الأمن وحماية الدولة الجديدة من أي عدوان خارجي.

تعددت الروايات عند المحدثين والمهتمين بسيرة الرسول فيما يتعلق بموضوع «الوثيقة» وطرق ورودها، فقد وصلتنا بروايات متعددة، منها: رواية ابن إسحاق، ورواية ابن أبي خيثمة، ورواية أبي عبيد القاسم بن سلام، ورواية حميد بن زنجويه، ورواية ابن أبي حاتم.
وهناك طرق أخرى وردت منها «الوثيقة» ولكن ليست بنصها الكامل وإنما اقتصرت على ذكر جزء من النص، أو الإشارة إليه، منها: رواية الإمام أحمد، ورواية الإمام البيهقي.
تبدأ الوثيقة بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم: هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ».
وفيه إشارة عميقة إلى أن هذه الوثيقة ليست بين النبي محمد ومواطني المجتمع الجديد، وإنما هي من الله ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى، لتكون ناظماً للعلاقات بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، بدولة تجمعهم ومن يلحق بهم، جسداً واحداً، وبناء واحداً، أو بتعبير الوثيقة النبوية «أمة واحدة من دون الناس».
إن الباحث المتأمل في هذه الوثيقة ومقاصدها العميقة سيجد أنها احتوت كل المبادئ التي ترسخ التسامح والتعايش والسلم داخل المجتمع الواحد بين كل أفراد المجتمع باختلاف أعراقهم ودياناتهم وتوجهاتهم على أساس المواطنة.
1- مبدأ التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع:
خصص النبي (صلى الله عليه وسلم) الجزء الأول من «وثيقة» المدينة من البند رقم 3 إلى 11 للكيانات العشائرية، واعتبرت المهاجرين كتلة واحدة لقلة عددهم، وتنص هذه البنود: «المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين». «وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين». «وبنو سَاعِدَةَ على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين...». «وبنو جُشَمٍ على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين».. «وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين..». «وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ..»، «وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ»(1).
فقد استفاد النبي من الجانب الإيجابي للترابط القبلي والعشائري في التكافل الاجتماعي، وأبقى على بعض وظائف القبيلة التي تحمل معاني التعاون في الخير والتواصي بالبر، وفي المقابل جعل العقيدة هي الأصل الأول الذي يربط بين اتباعه.

2- مبدأ حرية الاعتقاد:
تنص الوثيقة في البند رقم (25) «وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ(11) إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ»(2).
وهذا فيه ضمان للحريات الأساسية للأفراد، وعلى رأسها حرية الاعتقاد، فرعاية دولة الإسلام لمواطنيها وحسن إداراتها لشؤونهم لا يؤثر فيها كون بعضهم غير مسلمين، وإنما للجميع البر وحسن الرعاية.
3- مبدأ العدل:
وهو من المبادئ الرئيسية والمقاصد العظيمة التي يراد تحقيقها وجعلها واقعاً من خلال هذه الوثيقة، وكانت عناية الإسلام به واضحة في كل بنودها، فالإسلام جاء لينبذ ما كانت تقوم عليه المجتمعات الجاهلية من نصرة للقريب سواء كان ظالماً أو مظلوماً، وذلك بدافع الأعراف القبلية الجاهلية، فجعل نصرة الظالم بالأخذ على يديه ومَنْعِهِ من الظلم فنص البند 37 «وإن النصر للمظلوم»، و أورد مصطلح «المظلوم» غير مقيد ليعلن في الإنسانية جمعاء حق الإنسان في العدل بغض النظر عن جنسه أو لونه أو ديانته.
ومن تمثلات مبدأ العدل في هذه الوثيقة إلزام الأفراد بتحمل مسؤولية ما يقومون به ولا يعاقب فرد بجريرة فرد آخر، جاء في البند 37 «وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه»، فقد كان الفرد قبل الإسلام يكسب للقبيلة، وكان يقترف الإثم والجريمة وتؤدي عنه القبيلة، فهو تابع لها وهي ناصرة له ظالماً أو مظلوماً، شرفه لها ووزره عليها، وتتحمل عنه عقوبات الجرائم التي قد يقترفها، فجاء الإسلام ليعلن تحرر الفرد من سلطان القبيلة بذوبان القبيلة في الوطن، فلو أن أحد أفراد المجتمع ارتكب إثماً أو خطأ ما متعمِّداً؛ فوزره في عنقه، يتحمل مسؤوليته وحده، وليس على حلفائه الذين لم يشاركوه في هذا العمل أدنى مسؤولية، ووقفت الآثار في أحيان كثيرة عند أهل بيته «فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته» وهذا يبرز ذاتية الفرد المسؤول المكلف.
أما إذا كان ما قام به عن طريق الخطأ كالقتل غير المتعمَّد، ففي هذه الحالة ومثلها على حلفائه أن يساعدوه، ويقدموا له العون؛ كالمشاركة في أداء الدية معه مثلا، وهذا - أيضا - من العدل، ومن مقتضيات التحالف.

والوثيقة النبوية هنا تؤسس لمفهوم جديد للمسؤولية والحرية اللتين ترتبطان بالكرامة الإنسانية ارتباطاً وثيقاً فالله سبحانه وتعالى - الذي كرّم بني آدم - هو الذي جعل الإنسان مسؤولاً عن عمله، فرداً وجماعة، لا يؤاخذ واحد بوزر واحد، ولا أمة بوزر أمه «...كُلّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ» (الطور:21) وهذا ما عنته «الوثيقة» في الفقرة قبل الأخيرة من البند رقم (46) التي نصت على أنه «لا يكسب كاسب إلا على نفسه»، كل فرد يحمل همّ نفسه وتبعتها، ويضع نفسه حيث شاء أن يضعها، يتقدم بها أو يتأخر، يكرمها أو يهينها، فهي رهينة بما تكتسب، مقيدة بما تفعل.
4- مبدأ استقلال الذمة المالية:

تنص الوثيقة في البند24: «وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم» ويستبطن هذا النص تمكيناً لكل مكونات المجتمع على قدم المساواة، فيتحمل كل فريق نفقته، فذمة اليهود المالية مستقلَّة ومحفوظة تماماً.. بعيداً عن ذمَّة المسلمين المالية، فليس معنى أننا عاهدناهم وأن الزعامة والقوة في الدولة للمسلمين أن نأخذ حقّاً لهم، أو أن نحرمهم من حق عام، فلهم كل الحقوق ما داموا على عهدهم مع المسلمين في داخل الدولة الإسلامية.
5- مبدأ الدفاع عن الوطن والإنفاق عليه جماعياً:
نص البند 44 من الوثيقة على واجب الدفاع عن الوطن بالنفس والمال «وإن بينهم النصر على مَنْ دهم يثرب»(3) فلو تعرضت المدينة المنورة لاعتداء أو هجوم فإن الجميع بمقتضى حقِّ المواطنة يُدافع عن الوطن بالنفس والمال، وأكَّد البند 24 هذا المعنى: «وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ».
وكذلك لا يصحّ أن يُجير أحد من أهل هذه المعاهدة أحداً من قريش، أو أحداً نصرها؛ وذلك حفظاً لأمن المدينة من العدوِّ الوحيد الذي يُعلن العداوة لها؛ حيث كانت باقي القبائل على الحياد، وإلى هذا يُشير البند 43 من الوثيقة: «وإنه لا تُجار قريش ولا مَنْ نصرها».

ويُؤَكِّد البند الحادي عشر -أيضاً- على معاني الوطنية، والمسؤولية التي تقع على كاهل كل طرف من الأطراف التي تسكن المدينة؛ وذلك حتى يشعر الجميع أن هذا وطنه، وأنه يجب عليه حمايته. ويستبطن من هذه البنود أن الجميع يشترك في حماية الوطن والدفاع عنه، ولا يوجد طرف يتميز عن طرف آخر فكل مكونات المجتمع في واجب الدفاع عن الوطن.
6- وجود مرجعية يرجع إليها في حالة الخلاف:
حدد البند 42 من الوثيقة طبيعة المرجعية القضائية القانونية في الدولة التي تحل في ظلها النزاعات والخصومات: «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَثٍ أو اشتجار يُخاف فساده فإن مردَّه إلى الله - عز وجل، وإلى محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم‏».
فهذا البند يقرر مبدأ العدل الإنساني بين الفرقاء، والمرجعية العليا في الأمور والقضايا بالمدينة، منعاً لقيام أي اضطرابات في الداخل، ذلك انه لا يرد حسم الخلاف بينهم لرأي أي منهم،ففي حال العجز عن بناء توافق ورضا متبادل على الأمر المختلف عليه، فإنهم يتحاكمون إلى حكم عادل غير صاحب مصلحة، وعلى دراية وعلم بموضوع الخلاف، فالوثيقة نصت بوضوح أن المرجعية القضائية القانونية والفصل في الخصومات إنما يكون إلى شريعة الإسلام، وقضاء الدولة الإسلامية المتمثل حينذاك في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يكن الأمر من خصوصيات دينهم.
7- حرمة جوف المدينة:
تنص الوثيقة في البند 39 أن «يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ». فالمدينة حرم آمن لكل المواطنين باختلاف أعراقهم و انتماءاتهم الدينية، وهذه الحرمة تتسع لتشمل حرمة النفس والحرية الدينية وحرمة المال والنسل والعقل وكل المعاني التي تنضوي تحتها ومما لا يتسع المجال لذكره..
ساهمت هذه الوثيقة في توثيق الصلات والعلاقات الأخوية وتعزيز الروابط المجتمعية بين المهاجرين والأنصار، وقلّصت التفاوت الاجتماعي والثقافي والنفسي والمعيشي الذي كان بينهم، و كان لها الفضل العميم في تذويب العصبيّات القبلية والنزاعات الجاهليّة وتخفيف حالة العداء والحرب بين الطوائف التي كانت تسكن المدينة، والتي كانت تتحكم في مصير الأفراد والجماعات وتجرهم إلى الحروب، وإراقة الدماء، واستباحة الأعراض والأموال. كما كان الحال بين الأوس والخزرج.
هوامش:
1- سيرة ابن هشام 368/‏2
2- المصدر السابق 369/‏2
3- سيرة ابن هشام 2/‏370

* المفتية في المركز الرسمي للإفتاء بأبوظبي
حقوق النشر محفوظة لجريدة “الخليج”، © 2020