أزمة الإعلام اللبناني مستمرة، وتخيّم الضبابيّة على مستقبل الفضائيات التي استطاعت أن تحقّق موقعاً متقدماً بين الفضائيات العربيّة في الماضي لم يعد في الصدارة كما في السابق، وإن كانت الفضائيات تعتمد كثيراً على الإبداع اللبناني لتقديم خلطاتها المميزة في مختلف البرامج . اليوم، تعيش الفضائيات مرحلة مفصليّة دقيقة، إذ تتتخبط كل القنوات في مشكلات ماديّة، وتبدو كمن ينتظر حلاً سحريّاً ينقذها من المأزق . في هذه السطور نتناول الخريطة الحالية للقنوات اللبنانية، وأوضاعها .

في ظل الوضع الدقيق تستسلم بعض المحطات إلى قدرها من دون محاولات جديّة للخروج من أزمتها . والنموذج الأبرز هنا هي الشبكة الوطنيّة للإرسال إن بي إن، التي تحلم بالنجدة، ثم تلفزيون لبنان الذي تتمسك به الدولة حين تحتاجه ثم ترميه مجدداً، علماً بأن ثمة من يشيع حاليّاً عن قرب الاستحقاق، وتعيين رئيس مجلس إدارة جديد ينقذ المحطة الرسميّة ويعيدها إلى الموقع الطبيعي الذي يجب أن تشغله محليّاً وعربيّاً . وهناك محطات أخرى، تسعى إلى إبرام اتفاقيّات تساعدها على النهوض من كبوتها . وهذا هو حال المستقبل، الذي يتحضّر في المرحلة المقبلة إلى خوض التحدي الأهم، بعد دمج برامج قناتيه الحمراء والزرقاء، وهي تتوزّع على مرحلتين، تبدأ الأولى منهما مع حلول رمضان، والثانية مباشرة بعده . وهو حال إل بي سي إنترناشونال التي قدمت أخيراً القصّة كلها عن المراحل التاريخية التي مرّت بها أرضياً وفضائياً، وصولاً إلى وقوع الفضائيّة اللبنانيّة في أياد غير لبنانيّة .

إذاً، المؤسسة اللبنانيّة للإرسال، صاحبة الريادة الإعلاميّة، كانت من أكثر المتضررين بسبب النزاع عليها . لم تعد تعيش المحطة في مهب المجهول، بعد تسارع التطورات الدراماتيكيّة، لأن كل النقاط وضعت على الحروف، بعدما شغلت الصحف والمجلات على مدى أسابيع . صرف ما يقارب 400 موظف من المحطة، وهؤلاء جميعهم يتعاقدون مع شركة باك التي امتنعت عن دفع أجورهم بحجة أن لا شيء يجبرها على دفع أجور موظفين يعملون للقناة الأرضية . ولم تتأخّر المحطة حتى قدمت روايتها عن حقيقة العلاقة بين إل بي سي إنترناشونال التي يملكها لبنانيون وفي مقدمهم بيار الضاهر وشركة باك التي يملكها الوليد بن طلال، وعادت إلى يوم التعاقد مع الشيخ صالح كامل عام ،1997 لتأسيس شركة إل إم إتش المالكة لشركة باك ليميتيد، إل بي سي الفضائية وإل بي سي أمريكا وإل بي سي أوروبا . وبقيت إل بي سي آي شركة مستقلة بمساهميها اللبنايين فقط . وكانت نسبة 51% من أسهم باك والفضائية اللبنانية تعود إلى لبنانيين وأكبر المساهمين بينهم بيار الضاهر . وإثر دخول الوليد بن طلال في الصورة عام ،2003 بنتيجة تسوية مع صالح كامل، أخذ الأمير مكانه في شركةLMH ، مالكة الفضائيّة اللبنانيّة، ثم دخل في الشراكة بهدف مزيد من توسع الحوت الإعلامي روبرت مردوخ عام 2010 . ولم تتأخر الأزمة حتى بدأت ترخي بذيولها على أداء القنوات وموظفيها . وتخلت باك عن نحو 400 موظف، بعدما سبق ذلك امتناع الشركة عن تسديد مستحقاتهم الماليّة . وفي النهاية، تم الاتفاق مع الموظفين على حل للمأساة وأعيد 125 موظفاً من المصروفين من شركة الوليد بن طلال، إلى القناة الأرضية، وستوظف مجموعة أخرى منهم في قناة اليمن اليوم، التي يملكها ابن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح .

إثر الانفصال بين القناتين الأرضية والفضائية، ظلت الأرضية في قبضة رئيس مجلس إدارتها بيار الضاهر، الذي يستمر نزاعه القضائي عليها مع رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانيّة سمير جعجع . أما الفضائيّة فقد خسر الضاهر ما تبقى له فيها، قبل نقل بثها من بيروت إلى القاهرة، وصارت في يد الأمير الوليد بن طلال، بينما يتابع شؤونها مع روتانا خليجيّة على الأرض تركي شبانة . ويؤخذ على المحطة اليوم، أنها تكاد لا تحمل من لبنانيتها سوى الاسم، خصوصاً أنها تهتم بشكل كبير بعرض المسلسلات والبرامج المصريّة القديمة .

أما حال تلفزيون المستقبل، الذي تردد أن الإدارة توصلت إلى خطّة لمواجهة الاستحقاق بدمج المحطتين الزرقاء والحمراء، فإن الأيام المقبلة ستقدم صورة أكثر وضوحاً عن مستقبلها . اندمجت المحطتان في 12 مارس/آذار الماضي، فكانت المرحلة الأولى في مشروع إعادة الهيكلة . هكذا، حسمت إدارة المحطتين الزرقاء والحمراء الوضع بالدمج الذي حمل برامج من القناتين، اللتين حافظتا على اللوغو الخاص بهما . غير أن الاستحقاق الأهم الذي لم تتضح ملامحه بعد، هو رهانها على الموسم الرمضاني، وهو موعد تنفيذ المرحلة الثانية . ومع اقتراب شهر الصوم، لم تكشف المحطة شيئاً عن برمجتها الرمضانيّة، لكنها حسمت أمر البرنامج الجديد للإعلامي زافين قيومجيان، الذي سيختم مشواره مع سيرة وانفتحت، ليقدم النسخة العربيّة من البرنامج الفرنسي San Aucun doute من دون شك . ضحت المحطة بمجموعة كبيرة من موظفيها، على أكثر من مرحلة، إذ استدعت الإدارة الدفعة الأولى من الذين تشملهم قائمة الصرف منتصف مارس/ آذار الماضي، وتسلّموا تعويضاتهم وعادوا إلى بيوتهم بعدما أمضى بعضهم عمراً في القناة . واستغنت في مرحلة لاحقة عن مجموعة أخرى، في ظل أوضاع يوحي أحد الإداريين في المحطة بأنها هادئة، لأنهم لا يعترضون على قيمة التعويضات التي أخذت الأحوال المعيشية في الاعتبار . وبعد الصرف، تحاول المحطة تسديد الديون إلى المتعاملين معها من شركات وأفراد، بدل الدخول في صراعات قضائيّة طويلة الأمد . ومن بينها فاير هورس وهي الشركة المنتجة لبرنامج نبض مع ماتيلدا فرج الله، وشركتا رؤى للإنتاج وأفكار عن مسلسلات بدل عن ضايع وهي وهي ثم شركة لاك بروداكشن التي يملكها المخرج غابي سعد عن مسلسل إنها تحتل ذاكرتي، وشركات كانت من أهل البيت وأنتجت للمحطة عدداً كبيراً من البرامج هي شركة المخرج ناصر فقيه روف توب، ومن هذه البرامج لا يمل وأبو رياض .

الوضع السيئ يطال أيضاً الشبكة الوطنية للإرسال إن بي إن . عادت المحطة إلى الواجهة من باب أزمتها المالية، وإذا كانت مشكلاتها الاقتصادية ليست جديدة، لأنّ القناة تتعايش معها منذ ولادتها تقريباً، غير أن حدتها ازدادت في الأشهر الأخيرة، بعد تخلّي مجموعة الخرافي عن حصتها والتوقف عن دفع معاشات الموظفين . بعد أسابيع قليلة من وفاة رجل الأعمال الكويتي ناصر الخرافي (إبريل/نيسان 2011) الذي وضع على عاتقه دفع مبالغ ماليّة تخوّل المحطة الاستمرار بالحد الأدنى، اكتفى أبناؤه بالتنازل عن حصتهم، فتوقّفوا عن ضخ المال في مؤسّسة إعلاميّة لا تقدّم لهم شيئاً على المستويَين السياسي والاقتصادي، وتخلّصوا من استثمار يعد خاسراً من الأساس . وبعد ذلك، بدأت إن بي إن سياسة عصر النفقات . وبعد التوقف عن الإنتاج والامتناع عن شراء البرامج والمسلسلات المكلفة منذ مدّة، والاكتفاء بإعادة البرامج القديمة، قررت التخلّص من التكاليف الباقية . ولأنّ رواتب الموظفين تكاد تمثّل العبء المالي الوحيد، كان لا بد من التضحية بهؤلاء، وقد وضعت لائحة تضم 25 اسماً على قائمة الصرف، وهؤلاء كانوا المرحلة الأولى من الذين أبلغوا بالاستغناء عن خدماتهم . كل هذا يجري في محطة تمتنع عن الدفع لموظفيها تحت وطأة أزمتها الماليّة منذ أشهر، كما نفّذ العاملون بعد ذلك إضراباً عن العمل، احتجاجاً على عدم دفع أجورهم منذ أكثر من ستة أشهر . وكانت المحطة التي خلعت ثوبها الإخباري في مطلع العام، أوقفت بعض البرامج للحد من المصاريف، واستبدلت بها المسلسلات المعادة، وقيل لمقدمي بعض البرامج المتوقفة إنه ستتم الاستعانة بهم في برامج أخرى . وليس سراً أن المحطة تعيش واقعاً صعباً، ولا شيء ينبئ بتغيّر الوضع في المستقبل القريب .

لا تعيش إم تي في في رخاء، لأن بعض الموظفين في قسم الأخبار كانوا من أوائل الضحايا، بعدما تخلصت المحطة من بعض الذين تعاقدت معهم . وفي اللحظات المصيريّة، طلب إلى الموظفين زيادة ساعات دوامهم الرسمي إلى 200 ساعة في الشهر، من دون أن تلحق ذلك أي زيادة على رواتبهم، التي لم تتغيّر منذ إعادة إطلاق المحطة قبل ثلاث سنوات . هكذا، تظهر انعكاسات الأزمة الماليّة على المحطة التي كانت عينها على المرتبة الأولى، واستطاعت بالفعل تحقيق موقع متقدم بين المحطات اللبنانيّة من خلال تشكيلة برامجها السياسيّة والاجتماعيّة والفنيّة المنوّعة، غير أنّ المشكلات المالية كانت لها بالمرصاد، خصوصاً أن محدودية الأخبار والبرامج السياسية، لم تمكّن القناة من توسيع رقعة مشاهديها، ومخاطبة الجمهور العربي والمعلن الخليجي . كل هذا يترافق مع مشكلات ذات منحى سياسي لها علاقة بارتباطات المحطة بقوى 14 آذار .

وماذا عن وضع القناة البرتقاليّة أو تي في؟ إذا كان رئيس مجلس إدارة المحطة روي الهاشم، طمأن أن القناة بخير واضعاً ما يتردد عن أزمة وصرف في خانة الشائعات المغرضة، فإن ما وصفه بالشائعات تبين أنه واقع، إذ تم الاستغناء عن مجموعة من الموظفين . هكذا، لم تتمكن المحطة من الاحتفاظ ب190 موظفاً . وفيما لم تنكر المحطة عدم قدرتها على القيام بخطوات كبيرة، في ظل ضعف سوق الإعلانات في الفترة الراهنة، غير أنها لم تعلن صراحة نيتها صرف الموظفين الذين أخرجوا بهدوء ومن دون مشكلات، وهو ما يريح المحطة التابعة للتيار الوطني الحر .

يمكن وصف الوضع في تلفزيون لبنان بأنه أكثر من مأساوي . وفي ظل الوضع الصحي الصعب لرئيس مجلس الإدارة، تتعرقل الإجراءات الإدارية، ويتعثر معها تحضيرات البرامج . لكن المشكلة الأساسية ليست في الإدارة بقدر ما هي في الإهمال الذي تعانيه القناة الرسميّة من الدولة . وعود تطلق ولا شيء ينفّذ منها، وتلفزيون لبنان في غيبوبة ولا تزال الأزمة مستمرة، والمؤسسة الرسميّة التي كانت تنتظر تنفيذ الوعد بتعيين رئيس مجلس إدارة جديد، وبرفع موازنتها، خفضت مخصصاتها بشكل كبير، وهي تكاد لا تكفي لتأمين رواتب الموظفين البالغ عددهم نحو مئتي موظف . والمفارقة أن هذه الخطوة تأتي بعد وعد وزير الإعلام وليد الداعوق، بتأمين الإمكانات المادية اللازمة للتلفزيون، خلال حفل تسلم وتسليم الوزارة، في يونيو/حزيران الماضي، فإذا بالموازنة تنخفض بدل أن ترتفع . ويطرح السؤال الطبيعي اليوم، عن إمكانية استمرار المحطة في ظل هذا الوضع، وعن أي نهضة يتحدث الوزراء، ما داموا لم يتفقوا على اسم جديد لرئاسة مجلس الإدارة، وهو الموقع الذي يشغله إبراهيم الخوري منذ 13سنة تقريباً؟

حقوق النشر محفوظة لجريدة “الخليج”، © 2018