القيمرية واحد من أعرق أحياء الشام وأجملها، جار الجامع الأموي وأحد عناوين أصالته، كان ولايزال من أشهر أسواق دمشق القديمة وأحسنها صيتاً، مقصد الزوار والسوّاح من جميع أنحاء العالم، ويضم أمهر الصناع وأشطر التجار، ولطالما افتخر أهل الشام بمصاهرتهم لعائلات القيمرية لما يتمتعون به من سمعة حسنة ومكانة مرموقة .

سُمي الحي والسوق فيه بالقيمرية نسبة إلى المدرسة القيمرية الكبرى التي بناها الأمير ناصر الدين الحسين بن عبد العزيز بن أبي الفوراس الكردي سنة (650هـ /1252م) في أواخر العهد الأيوبي، وكان السوق يُدعى قبل بناء المدرسة بسوق الحريمين وبقي يذكر بهذا الاسم في فترات لاحقة، حتى شاع اسم سوق القيمرية في العهد العثماني .

يقع حي القيمرية في موقع استراتيجي في مركز أسوار دمشق القديمة، ويشكل نقطة وصل ببقية الأحياء مثل باب توما والعمارة والشاغور، ويتميز أيضاً بقربه من الجامع الأموي وقلعة دمشق وجادة النوفرة، ويبتدئ الحي بباب جيرون الذي كان يشكل البوابة الشرقية لرواق معبد جوبيتر الدمشقي في العهدين اليوناني والروماني وقبله باب لمعبد حدد الآرامي، وينتهي السوق بالمدرسة الفتحية أو مايُعرف باسم (جامع فتحي) من الشرق التي شيدها في العهد العثماني (فتحي بن محمد القلاقنسي) متولي التكية السليمانية سنة (1156هـ /1742م) .

ويتألف هذا الحي من شارع مستقيم يمتد من الشرق إلى الغرب ومن شوارع ضيقة متعامدة عليه، ويتطابق هذا الترتيب في المحاور مع ذلك الذي كان متبعاً في الفترة اليونانية ثم الرومانية، وأجمع الباحثون، ومنهم الفرنسي سوفاجيه، في العشرينات من القرن الماضي، على أن محور شارع سوق القيمرية يتطابق مع الشارع الرئيس في الفترة اليونانية، وبالنسبة لتوجيه الشوارع على هذا النحو، يشرح الأب الباحث أيوب سيما ذلك بقوله: كان لليونان في هندسة مدنهم خطة تشبه أسلوب البابليين، فقد كانوا يقيمون في كل مدينة شارعاً رئيسيّاً يشقها إلى شطرين، وينتهي كل طرف منه بباب، ويكون عادة أكبر الشوارع وأوسعها، وتتفرع منه شوارع ومداخل أصغر، كما كانت لهم عادة دينية في توجيه هذا الشارع من الشرق إلى الغرب .

بلغ حي القيمرية قمة ازدهاره، وذروة نشاطه الاقتصادي في القرن التاسع عشر، إذ تركزت فيه صناعات عدة، منها: الصاية الحريرية والأغباني والموزاييك الخشبية والنجارة والصباغة والطباعة، إلى جانب بعض الصناعات الغذائية والمعدنية، لذلك أطلق عليه تشبيهاً اسم الهند الصغيرة . وأسهم موقع الحي المتميز وعلاقته المباشرة ببقية الأسواق في عملية ازدهاره الاقتصادي، لسهولة التزوّد بالمواد الأولية اللازمة للصناعة، وسهولة تصريف هذه الصناعات من دون الحاجة إلى استخدام وسائل المواصلات . أسهم قربه من الجامع الأموي في تعرّف المصلين إلى هذا الحي وصناعاته اليدوية وبضائعه، مما ساعد على تصريف هذه المصنوعات والتشجيع على تطور الصناعات اليدوية .

وعزت الباحثة سعاد أبو آذان هذا التطور إلى عوامل عدة أخرى منها العامل التاريخي، إذ أن حي القيمرية يمكن أن يعتبر من أقدم أحياء دمشق داخل سورها المنيع . كما أنّ سكانها مارسوا مختلف المهن التي تطلبتها حياتهم اليومية، وزادتهم الأيام خبرة واطلاعاً، واستطاعوا أن يبدعوا مصنوعات جميلة وتحف نفيسة بأدوات بسيطة .

أما العامل البشري، فيعني تمسك سكان الحي ببيوتهم التي أضفوا عليها كل جمال، وتوارث الأولاد والأحفاد لهذه البيوت ولمهن الآباء والأجداد أسهم في توارث التقاليد المهنية والخبرات اليدوية التقليدية وازدهارها مع الزمن . وبرأي الباحثة أنّ هذا الحي يأتي من حيث عدد سكانه في الدرجة الثانية بين أحياء دمشق التي بلغ كرمها درجة جعلت بيوتها قصور ضيافة وفكر وثقافة .

وجود هذا الحي في قلب مدينة دمشق كأنه في حصن حصين وبعيد عن أطراف المدينة التي تتعرض لهجوم أسهم في شعور أبناء الحي بالأمان الذي يشكل عاملاً رئيسيّاً لكل ازدهار اقتصادي ورقي اجتماعي وعلاقات إنسانية سامية .

حقوق النشر محفوظة لجريدة “الخليج”، © 2018