تعد الفجيرة فردوساً من الطبيعة الخلابة تغري جميع السياح الذين يستمتعون بسحرها الجذاب وشواطئها الرائعة وبساتين النخيل العامرة، وتراثها العريق، وجبالها الشاهقة ووديانها التي تحتضن الحصون والقلاع التاريخية التي لاتزال شامخة تعكس صورة واضحة عن عمق ماضي الفجيرة وتسلسلها الحضاري . وتمتاز الفجيرة بإعتدال مناخها، وكثرة بساتينها، ووفرة مياهها وخصوبة تربتها، كل هذه العوامل أهلت الفجيرة لتكون مكاناً للاستيطان البشري منذ أقدم الأزمان، ويدل على هذا القلاع والحصون التاريخية المنتشرة في مناطقها ومن أهمها قلعة الفجيرة التي تقع في الشمال الغربي لقرية الفجيرة القديمة وعلى تل صخري صغير يرتفع 20 متراً تقريباً، وتبعد القلعة عن ساحل البحر بنحو كيلو مترين، وتعد من أكبر وأهم قلاع المنطقة، وتتميز بتصميمات هندسية فريدة بناها الأهالي من المواد المحلية الحجر والطين والحصى والتبن استناداً إلى التحليل الكيميائي بوساطة كربون 14 لتحديد تاريخ البناء، فإن القلعة بنيت بين عامي 1500 إلى 1550 ميلادية، ثم أعاد الشيخ محمد بن مطر، رحمه الله، بناءها بين 1650 - 1700 ميلادية، وتتكون القلعة من ثلاثة أجزاء رئيسة تضم مساحات وغرفاً متعددة وأبراجاً ولها مدخل واحد، أما تصميمها الهندسي فيتكون من ثلاثة مبان، كل منها مكون من طابقين، ويأخذ مبنيان منها الشكل المخروطي ويمتد بينهما سور كبير مزود من الأعلى بأشكال هرمية للمراقبة والحراسة، والمبنى الثالث مكعب الشكل، والجزء الأسفل منه أكبر حجماً من العلوي وهو مزود بعدد من النوافذ بغرض الإضاءة والتهوية .

وقامت إدارة التراث والآثار بترميم القلعة والقرية القديمة والسور المحيط بها وفق أسلوب علمي دقيق لإعادتها إلى حالتها الأصلية ولإظهار معالمها التاريخية الفريدة للسياح والزائرين .

تعد أيضاً قلعة البثنة من القلاع الضخمة التي بناها الشيخ حمد بن عبدالله، رحمه الله وتقع في قرية البثنة على مسافة 13 كيلومتراً تقريباً غربي مدينة الفجيرة بين سلسلة من الجبال على طرفي وادي حام والحيل، وتطل القلعة على عدد كبير من الواحات الزراعية، وتشكل بناء ضخماً ومتيناً، ولها برجان للمراقبة على الواجهة الغربية، وتتكون القلعة من مبنى رئيس مخروطي الشكل من ثلاثة طوابق تعلوها أجزاء هرمية الشكل، لغرض الدفاع والرقابة، ويدخل في بنائها الحجر والصاروج والطين وجذوع وسعف النخيل والليف والسميم، ويقدر الأهالي تاريخ بناء القلعة بالعام 1735 ميلادية، وبالقرب منها وحولها تم اكتشاف وتحديد مواقع أثرية عدة، يعود تاريخها إلى الألفين الثاني والأول قبل الميلاد وإلى العصور الإسلامية .

وهناك أيضاً قلعة أوحلة التي يعود تاريخ بنائها إلى نحو 300 عام تقريباً وتتشابه إلى حد كبير مع بقية قلاع المنطقة، وهي مشيدة فوق بقايا حصن دفاعي كبير يعود تاريخه إلى ثلاثة آلاف عام تقريباً، ووفقاً لما أظهرته الحفريات الأثرية التي أجرتها إدارة التراث والآثار بالفجيرة بالتعاون مع بعثة الآثار الأسترالية أثبتت التحاليل الكيميائية التي أجريت على ثلاث عينات من الفحم النباتي أن الحصن يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد، ويتكون البناء الهيكلي للقلعة من مدخل وبرج وساحة داخلية ويصل عرض المدخل الرئيس إلى 5،1 متر وارتفاعه 5،2 متر، وتتصل به من الداخل غرفة مستطيلة خصصت لانتظار الزوار قديماً وهي غرفة مسقوفة بجذوع النخيل، وتؤدي إلى فناء القلعة وتحوي درجاً للصعود إلى سقفها الخارجي ومنه يمكن بسهولة الوصول إلى البرج، أما الساحة الداخلية فتضم غرفتين إحداهما تقع على يسار مدخل غرفة الانتظار، مستندة إلى الجدار الشرقي للسور بينما تقابلها الغرفة الثانية مستندة إلى جدار السور الغربي وتضم بئراً للمياه في الركن الشمالي الغربي للقلعة، أما برج القلعة فهو دائري الشكل كبير الحجم يبلغ قطره من الداخل (9) أمتار وارتفاعه الكلي (11) متراً وهو مردوم من الداخل بالتربة والدبش حتى ارتفاع أربعة أمتار تقريباً بهدف توفير مصطبة قوية قادرة على الصمود أمام ضربات المدافع، ويأتي بعد هذا الارتفاع عمود من الحجارة بطول 5،1 متر لإسناد سقف البرج، وانتهت أعمال الترميم الخاصة بقلعة أوحلة قبل افتتاحها رسمياً أمام الزوار عام 2005 .

ويقع حصن ومربعة الحيل في قرية الحيل وسط سلسلة من الجبال على مسافة خمسة عشر كيلومتراً جنوب غرب مدينة الفجيرة، والمكان عبارة عن وحدة بنائية تمثل مجمعاً سكنياً كبيراً يحتوي على قاعات للاستقبال وللاجتماعات وغرف للنوم ومخازن ومطبخ ومحاط بسور حصين مزود بفرجات أو فتحات لرمي الأسلحة الكبيرة والصغيرة، وجدرانه من الداخل مزينة بديكور بديع وفيها كوات جميلة المنظر، وصبغت بعض القاعات من الداخل بالجير الأبيض، ويوجد مجلس خارج المجمع يبدو أقل رسمية ويرجح أنه كان لانتظار المراجعين وشرب القهوة، أما برج المراقبة فيوجد على قمة الجبل ليطل منها على القصر والقرية في آن .

بنيت قلعة الحيل من الطين والطابوق والحصى والعروق الخشبية وكان المرحوم الشيخ عبدالله بن حمدان بن سرور بن سيف يستخدمه قصراً للحاكم .

وهناك أيضاً قلاع أخرى تحكي تاريخها العريق وتعبر عن سلسلة الأحداث التاريخية التي مرت بها المنطقة عبر الزمن، ومنها قلعة مسافي وتعد شاهداً على عراقة وتاريخ منطقتها التي تقع على بُعد 30 كيلومتراً غرب مدينة الفجيرة، تلك القرية الساحرة التي تسكن أعلى جبال الإمارات، واستمدت منطقة مسافي اسمها من هذه القلعة التي يعود بناؤها إلى عام 1450 ميلادية، وهي مبنية من الطين والحجارة وصاروج النخيل، وتقع على تل صغير ومنخفض الارتفاع وهي مربعة الشكل وتضم برجاً واحداً دائري الشكل يقفل في زاويتها الجنوبية الغربية، ويبلغ ارتفاع الجزء المتبقي منه نحو 7 أمتار وطول قطره من الداخل 5 أمتار، وفي فناء القلعة غرف متعددة بنيت في فترات مختلفة، كما توجد أفلاج مائية اكتشفها فريق الآثار الياباني أسفل القلعة مباشرة يصل طولها إلى بضعة كيلومترات ويعود تاريخها إلى نهايات الألف الأول قبل الميلاد .

وتشكّل قلعة مسافي سجلاً تاريخياً، إذ عرفها التجار والقادة والحكام منذ آلاف السنين، لذلك حملت تفاصيل حياة منطقة مسافي، فمنذ نشوئها سكن الناس فيها، وإليها التجؤوا في الحروب، وظلت القلعة المعلم الرئيس للمنطقة التاريخية، ومركزاً تاريخياً لسكانها حتى العصر الحديث، وتطل القلعة على عدد كبير من الواحات الزراعية وتشكّل بناء ضخماً ومتيناً .

وهناك أيضاً العديد من القلاع الأثرية البسيطة مثل قلاع أحفرة والطويين وسكمكم ووادي سهم، وحبحب والسيجي ودبا الفجيرة، وتتميز هذه القلاع في مجملها بالطابع الهندسي الدقيق وبمكانتها وصلابتها ومواقعها المناسبة في أعالي التلال والجبال، وأنها بنيت لصد أية هجمات والدفاع عن الأرض والإنسان .

سعيد السماحي مدير هيئة الفجيرة للسياحة والآثار: يقول قلاع وحصون الفجيرة التاريخية تكشف سجل إمارة الفجيرة الحافل بالنضال منذ فجر التاريخ ضد أي اعتداء، والتسلح بوسائل للذود عن شرف وكرامة الإنسان والمكان، وتمثل شموخ وعظمة الماضي وتحكي قلاع وحصون الفجيرة تاريخ المنطقة العريق، وتعبّر عن سلسلة الأحداث التاريخية التي مرّت بها عبر الزمن إذ يرجع تاريخهم إلى مئات السنين، وتتميز كل منها بالطابع الهندسي الدقيق وبمكانتها وصلابتها وموقعها المناسب .

يؤكد السماحي: أن الهيئة تولي قلاع الفجيرة وحصونها، اهتماماً كبيراً نظراً لقدمها، وما تبرهن عليه من حقائق للسياح والأجانب، وقال: هذه القلاع والحصون تشكل مركزاً واحداً، ينطوي على درجة كبيرة من الأهمية، يتمثل في تفعيل وتوظيف السياحة الأثرية في الإمارة لاستقطاب الكثير من السياح والزوار الذين يزورون الإمارة سنوياً ويتجاوز عددهم 150 ألف سائح من الخارج والداخل .

وأضاف: أن الهيئة تسعى إلى إدخال المواقع الأثرية الأخرى أيضاً ضمن خطتها السياحة الأثرية الطموحة لتنال قدراً من الاهتمام والترويج والمشاهدات اليومية .

من ناحيته يقول باتريك أنطاكي المدير العام لفندق ومنتجع مريديان شاطئ العقة: قلاع وحصون الفجيرة تلعب دوراً مهماً في تعزيز السياحة في إمارة الفجيرة وفي الترويج لها، فهي مخزون لتاريخ إمارة وشعب، وهي تختزل قروناً من الحياة لأناس عاشوا على هذه الأرض . هي عبق الماضي وسحر ورائحة أجدادنا ومن خلالها يتاح لنا العيش في الماضي لنعرف عظمة وكبرياء من بناها، من خلالها نعرف كم كان الارتباط عظيماً بين الإنسان ووطنه، ونعرف كم قاسى وعانى الأجداد في عملية الاستمرار والتطور، وأن القلاع والحصون، ليست أحجاراً صماء، بل هي مخزون عادات وتقاليد وتراث شعب عريق، وأنها مكتبة كبيرة جداً مليئة بقصص بطولات وتضحية وعرق وجهد وكبرياء وشموخ، ومرآة لحضارة وشعب أحب وطنه ودافع عنه وبناه وطوره، وذكريات وتاريخ وماضٍ وشخصية الشعب . وأشار إلى أن السياحة الأثرية بالفجيرة المتمثلة بالقلاع والحصون جزء ورافد أساسي في جذب السياح من داخل الدولة وخارجها، حيث إن قلاع وحصون الفجيرة لعبت دوراً بارزاً وفعالاً في تنشيط القطاع السياحي وجذب السياح والزوار إلى الإمارة للاستمتاع بالنظر إلى هذه المواقع الأثرية، كما يستنشق السائح الهواء العليل الذي يبوح بذكريات الماضي والحضارات التي عاشت في الفجيرة، إلى جانب المناظر الطبيعية الخلابة بالإمارة التي تمتلك مقومات سياحية جيدة من خلال بيئات السهل والصحراء والجبل والبحر التي تميز طبيعتها .

وأكد أن القلاع والحصون بالفجيرة بعد جاهزيتها إلى جانب الفنادق والشواطئ، تمثل بنية تحتية متميزة لاستثمار سياحي جيد .

حقوق النشر محفوظة لجريدة “الخليج”، © 2018