يمكن أن يثير كتاب أو مجموعة قصص حالة من الإعجاب لدى البعض، مما يدفعهم للبحث عنها واقتنائها، وشراء الكتاب يحقق متعة من أحد ثلاث متع، والتي تعتبر المتعة الثانية.
أما الأولى فهي تتحقق بمجرد رؤيته، والثالثة المتعة الأكثر والأهم وهي قراءة الكتاب أكثر من مرة لأن محتواه أعجبك، وكل هذه السلوكيات تعد أمراً طبيعياً.
البعض يصف الكتاب بأنه صديق حق ومحب يبعد الهموم كلها، ويشير آخر إلى أن الكتب ليست مجرد أكوام من الورق الميت، بل إنها عقول تعيش على الأرفف.
واقتناء الكتب وشراؤها وعشقها أمور عادية يتصف بها بعض الأشخاص من عشاق قراءة الكتب، إلا أن هناك حالات يتحول الأمر عندها إلى نوع من الولع بامتلاك الكتب، وهم المصابون بمرض هوس الكتاب أو جنون الكتاب أو الببلومانيا.
وهذا النوع من الهوس يمكن أن يصاب به أي شخص بنسبة متفاوتة، خاصة أن الحصول على الكتب وتجميعها أصبح أمراً سهلاً نتيجة التطور التكنولوجي، فيمكن الشراء عبر المتاجر الإلكترونية أو تحميلها من خلال الشبكة العنكبوتية.
ولعل فكرة هذا المرض تكمن في عدم استثمار هذا الكم الهائل من المعارف المتاح، وفي هذا الموضوع سوف نتناول مرض الببلومانيا بالتفاصيل والأسباب والعوامل التي تؤدي إلى الإصابة به، كما نبين طرق الوقاية والعلاج المتاحة للتخلص من هذه المشكلة.

حب متطرف

يعرف مرض الببلومانيا أو هوس الكتاب بأنه نوع من الوسواس القهري وحالة متطرفة من حب الكتب، وفيها يغرم الشخص المصاب بهذا المرض بالكتب إلى حافة الجنون، فهو لا يرى أمامه إلا كتاباً جديداً لا يمتلكه، ويتعامل مع الكتب على أنها كنز ضخم.
وهذا المريض يجمع الكتب المفيدة له أو غير المفيدة، وهو لا يقرأ ما يشتري منها في العادة، والقاعدة في هذا المرض أنه ليس هناك محظور في اقتناء عاشق القراءة للكثير من الكتب، لكن المحظور هو اقتناء الكتب دون قراءتها أو عدم الاستفادة منها بشكل حقيقي.
ويعتبر تشخيص هذا المرض من الأمور الصعبة، لأن المصاب به لا يشعر بأي قلق، بل هو إنسان مسرور دائماً، خاصة عندما يحصل على كتاب نادر، والمصابون بالببلومانيا يعشقون شكل الكتاب ورائحته وصوت صفحاته، كما يبالغون في الحفاظ عليه من الماء والنار ومن عبث الأطفال.
أول حالة من الببلومانيا تم تشخيصها كانت في عام 1866 على يد طبيب بريطاني، ويمكن أن نميز الشخص الببلوماني بأنه لا يملك الكثير من الأصدقاء، وليست له علاقات اجتماعية وهو منطو على نفسه، ويرتدي نظارة طبية ويصاب بالصداع المزمن، لأنه ينفق كل أمواله على الكتب فهو ليس غنيا، وهو يحاول إقناع نفسه أنه عند حاجته للأموال سيبيع الفائض من كتبه، لكنه يرفض حتى إعارة أي شخص كتاباً من الموجودة لديه، مهما كان قريبا منه لأنه لا يأتمن أحداً على كتبه.
ومريض هوس الكتاب ضعيف للغاية في التواريخ، فتجده على سبيل المثال لا يتذكر تاريخ زواجه أو عيد ميلاد ابنه، وعلى الرغم من ذلك فهو يتذكر بشكل جيد تاريخ وظروف كل كتاب قام بشرائه.

ولع شديد

تبدأ أعراض مرض جنون الكتب منذ الصغر، وليس هناك ملاحظة بارزة له في البداية، حيث يشعر المصاب بهذا الداء بالسعادة عند رؤيته لأي كتاب، وفجأة يبحث عن طريقة لامتلاكه.
وليس هناك نوع معين من الكتب بل هو يريد امتلاك أي كتاب، تحت ذريعة أنه يمكن أن يحتاجه في المستقبل، لذلك فإن الأخصائيين يعتبرون أكثر أعراض الإصابة بالببلومانيا هو الولع الشديد باقتناء الكتب، لدرجة أن رفوف المكتبة تصبح مليئة بالكتب، ومتراكمة على بعضها البعض وتصل إلى حد الفوضى.
بالإضافة إلى أن المريض لديه مخزن خاص به يضع فيه الكتب، ويجد المريض لذة كبيرة في شراء الكتاب، حتى أنه يشتري من نفس الكتاب ونفس الطبعة أكثر من نسخة، والهدف من وراء ذلك هو جمع كمية من الكتب.
ويجد المصاب بالببلومانيا سعادة خاصة حينما يذهب إلى مكان فيه كتب، مثل المكتبات العامة أو معرض الكتاب، وهو لا يفوت أي معرض بل يتابع أخبار المعارض في الدول الأخرى.
وفي بعض الحالات يصل حد الهوس بالمرض إلى قيام هذا الشخص المصاب بسرقة الكتب، وهو عندما يفعل ذلك لا يشعر بأي ذنب، ويمكن أن تمتد حالة الهوس في حالات قليلة إلى الجرائد والمجلات.

يثير الضيق

تؤثر حالة مريض هوس الكتاب على المحيطين به، لأن امتلاء المكان بالكتب يثير ضيق وضجر الزوجة والأبناء والأشقاء والشقيقات، وكذلك الأصدقاء الذين يشاركونه في نفس المكان.
ويمكن أن يدفع الإنفاق الزائد عن الحد المريض للإفلاس دون أن يحصل على أي شيء يستفيد به، لأن الكتب التي يحرص على اقتنائها غالباً لا يقرأها، ويكتفي بأن تكون مجرد ديكور في منزله ينظر إليها فيدخل السرور على نفسه.
كما أن حالة الببلومانيا تؤثر على العلاقات الاجتماعية للشخص المصاب بها، ويمكن أن يمتد هذا التأثير إلى حياته العملية، ويمكن أن يتجاوز هوس الكتاب عند البعض إلى ارتكاب الجريمة، حيث يمكن له أن يسرق الكتب من المكتبات سواء الشخصية أو العامة أو معارض الكتب.
وإذا احترق بيته فإن ما أول ما ينقذه هو كتبه، ويشير الأطباء إلى أن من يعاني هوس الكتاب يكون دافعه في العلاج ضعيفاً، وبالتالي فلا تظهر نتيجة ملحوظة له.
ويمكن في أحيان أخرى ألا يستمر فيه، ويوضح أحد الأبحاث أنه على الرغم من أن الببلومانيا مرض، إلا أن القليلين من يبدون رغبة في العلاج، ويعود هذا إلى أن هذا السلوك يكون مرغوبا عند بعض المصابين به.

نفسي سلوكي

يعتبر أفضل علاج لمرض هوس الكتب هو المواجهة، ولذلك ينبغي أن يتحدث المحيطون بالمريض معه على حقيقة مرضه، كما يجب على الأسرة إدراك أهمية الحد من عزلة المريض الاجتماعية، وكذلك القلق من المجتمع، وأيضاً يجب معرفة لماذا يقوم باكتناز الكتب.
وينقسم العلاج إلى نفسي- سلوكي ودوائي، ويتم في العلاج النفسي السلوكي معالجة معارف الشخص عن الكتب وطريقة التعامل المثالية معها، وكيف يخطط بصورة جيدة للاستفادة من الكتب التي عنده.
ويمكن أن يتم تطوير مهارات اتخاذ القرار الخاص بالكتب، كأن يسأل نفسه هل هو بحاجة لهذا الكتاب؟ وماذا ينوي القيام به مع هذا الكتاب؟ ولماذا اشتراه؟، وكذلك يساعد مريض هوس الكتاب جلسات التأمل والاسترخاء في أن يتغلب على هذه الحالة، ويمكن أن يفيد العلاج بالتنويم المغناطيسي في بعض الحالات.
وبالنسبة للعلاج الدوائي فيشمل أدوية علاج الوسواس القهري مثل المهدئات، وكانت دراسة توصلت إلى أن فيتامين «ب8» بجرعة عالية لها فاعلية كبيرة في علاج هذا الوسواس القهري.
وفي الحالات المتطورة يمكن أن يتم إيداع المريض في المستشفى، ويمكن أن يفيد الكتاب في العلاج وهذه الطريقة أقرب لعلاج مدمن التدخين، حيث يعطى المريض مواد منتقاة للقراءة، تمثل شكلاً من أشكال العلاج النفسي، فيقوم المعالج المتخصص باختيار نص من كتاب أو كتاب كامل، وذلك حسب الحالة التي يراد معالجتها، ويقدمها للمريض لقراءتها.
وأشهر من استخدم طريقة الكتاب في علاج الببلومانيا أمينة مكتبة تدعى كاتلين جونز، حيث قدمت برامج للعلاج بالقراءة في مستشفى في ماساشوستس، وكانت دراسة قدمت لائحة تتضمن قائمة طويلة من الروايات التي تعالج أمراضاً معينة منها هذا الداء.

المشاهير والمرض

يشير علماء النفس إلى أن هوس الكتاب لا يعتبر مرضاً نفسياً أو عقلياً، حيث إن معظم المصابين به يتمتعون بالكفاءة العقلية، وتندرج هذه الحالة في الوسواس القهري، وهناك عدد من المشاهير أصيب بهذا المرض الذي اعتبره البعض داء العباقرة والمبدعين.
وكان أول من أصيب بهوس الكتاب الشاعر اليوناني يوريبيديز في القرن الخامس قبل الميلاد، وممن عانوا منه السير توماس فيليبس الذي وصل عدد الكتب والمخطوطات لديه ما يقارب 160 ألف كتاب ومخطوط، وبيعت في مزاد بعد وفاته استمر حوالي 100 سنة، ومن أشهر الحوادث في هذا المجال، المواطن الأمريكي ستيفن بلومبرج الذي نجح في سرقة 24 ألف كتاب
وكانت قيمتها تقدر بحوالي 5 ملايين دولار، وبعد الحكم عليه بعقوبة السجن 42 عاما، قدم محاميه ما يثبت أنه يعاني سلوكاً قهرياً دفعه إلى ذلك السلوك، وهو ما يعزز ولعه بالكتب، فتم تخفيف الحكم لعامين مع إلزامه برد الكتب التي استولى عليها.

حقوق النشر محفوظة لجريدة “الخليج”، © 2020