تمثل جزيرة صير بونعير التابعة لإمارة الشارقة أهم المعالم السياحية المتميزة بخصائص نادرة، حيث تضم في نظامها البيئي أنواعاً مختلفةً من الشعاب المرجانية، والأسماك، والأحياء، والسلاحف، والطيور، إلى جانب سواحلها الجميلة وتراكيبها الجيولوجية، وأشكال وألوان الجبال .

يضاف إلى ذلك تراثها الضارب بعمق في التاريخ من خلال العلامات الباقية التي يمكن رؤيتها مثل الشجرة التي مازالت تتحدى الزمن وتقف شامخة لتؤكد أن الغواصين كانوا يستظلون في ظلها، وبجانبها مباشرة بئر الغواصين التي شهدت أحداثاً ووقائع تاريخية لاتزال محفوظة لدى بعض الغواصين، وهي بئر شكلت صراعاً أثناء التزود بالمياه بين الغواصين الذين كانوا يتجمعون في مجموعات على أرض الجزيرة من مختلف مناطق الخليج والدول الأخرى .

للبئر هذه حكايات أخرى تدل على عمق ارتباطها التاريخي بحياة وذكريات الغواصين، إلى جانب أن الجزيرة تشكل مركزاً رئيسياً لسفن الغوص حيث يستخدم مرسى بندر للسفن، ما يجعلها ملجأً في الحالات الاستثنائية مثل العواصف، ويؤكد أنها جزيرة ذات خصوصية شديدة منبعها التاريخ . وأول ما يلفت النظر لدى الوصول إلى الجزيرة والتجول فيها، طبيعة رمالها التي تميل إلى اللون الأحمر، ما يؤكد أن باطنها مملوء بالمواد المعدنية . وتهب على الجزيرة الرياح المختلفة طوال شهور السنة، متمثلة في رياح المزر، والغياضة، واليولات، والكوس، والثرية، والشمال، والحيمر، وشمال الثمانين، وأربعين، والمريعي، والغربي، والمطلعي، والسهيلي، ما جعل بيئتها غنية بالتنوع البيولوجي، وملجأً مهماً للطيور البحرية التي تزورها معظم فصول العام، مثل طيور الخرشنة، وغراب البحر، وفي الشتاء تسكنها طيور النورس .

وتتراوح مساحتها ما بين 13 إلى 18 كيلومتراً مربعاً، لكنها مساحة متميزة عن أي بقعة في العالم لما تحمله من كنز هائل في باطنها وفوق سطحها، يؤكد الجمال الطبيعي الذي خصها به الخالق عز وجل . هذا ما يقوله عبدالعزيز المسلم، مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، مشيراً إلى وجود العديد من الثوابت التي يمكن الارتكاز عليها، خاصة في الفعاليات التي تقام داخل الجزيرة والتي تشير إلى ارتباطها التاريخي بثقافة الغوص التي تمثل ركناً مهماً في تاريخ مجتمعنا الحضاري . ويضيف: كانت الجزيرة المكان الأفضل لتجمع سفن الغواصين في نهاية موسم الغوص الذي يستمر لمدة ثلاثة أشهر، ترافقها طقوس مثل جلسات سمر تتخللها أصوات البحارة والنهام وإيقاعات الطبول في الليل ممتزجة مع سيمفونية أمواج البحر، مكونة لوحة فنية رائعة الجمال، وهو ما نحاكيه في المهرجانات بهدف إعادة المتلقي إلى أعماق التاريخ .

وأوضح أن القيمة الجمالية والحضارية للجزيرة تعتبر الانطلاقة الأولى للفعاليات التراثية التي تشارك بها إدارة التراث في كافة المهرجانات التي بدأت تقام على أرضها، خاصة أن لها بصمة تاريخية واضحة في مخيلة وذكريات البحارة الأوائل الذين مازالوا حتى اليوم يتذكرون الوقائع والأحداث التاريخية المرتبطة بالجزيرة، حيث يتأملون ويتذكرون ماضيهم المرتبط بالجزيرة، وحضارتها التي ازدهرت، وعرفتها شواطئ الخليج العربي ومياهه الدافئة، التي أسهمت في تمازج حضارات الشعوب الواقعة على ضفافه، بحضارات الشعوب الأخرى .

ولفت المسلم إلى تردد العديد من الغواصين القدماء بما يحملونه من ذكرياتهم وحبهم لتراث الغوص وتاريخه العريق، على الجزيرة وبصحبتهم عشاق التراث والبحر، خصوصاً وقت الفعاليات التي تقام في الجزيرة لإحياء تراث الغوص وإبراز أهميته التاريخية المرتبطة بتاريخ تطور حضارة الشعوب الواقعة على شاطئ الخليج العربي الذي أسهم في بناء الحضارات . ويوضح أن سباق القفال الذي يقام سنوياً، جزء من تاريخ الغوص، ومرتبط بشكل فعلي بطقوسه التاريخية، ويعتبر خاتمة لنشاط موسم الغوص، حيث تجتمع سفن الغوص سنوياً وتنطلق من شواطئ صير بونعير في سباق حر دون وجود للقوانين المستعملة حديثاً في هذا المهرجان الذي أضحى تقليداً سنوياً، يؤكد أهمية إحياء تراثنا الإماراتي، وإبراز عمق تقاليدنا الحضارية، وإسهاماتها في تطور الحضارات العالمية . وأضاف: هناك حكايات وثوابت تؤكد عمق الارتباط التاريخي بحياة وذكريات الغواصين، حيث يذكر أن لمياه البئر الموجودة في الجزيرة فوائد علاجية، استفيد منها في علاج عسر الهضم وتنظيف المعدة، وحسب ما عرفه من بعض الغواصين أن ماءها شديد المرارة، وبمجرد قيام المرء بشربه يتعرض للإسهال مباشرة، كما كان الغواصون يستخدمون الرمال المحاذية للبئر في علاج القروح بالدفن فيها لفترة، وتطيب تلك القروح خلال أسبوع، يعاود بعدها المريض ممارسة نشاطه وعمله .

وعن بناء القرية التراثية على أرض الجزيرة يؤكد عبدالعزيز المسلم أنها قرية دائمة تستخدم في الفعاليات والمهرجانات التي تقام كل عام، بالإضافة إلى الفعاليات الأخرى كالمعسكرات الطلابية التي تقام في فصل الشتاء، مشيراً إلى أن هذه القرية مجهزة بكافة الإمكانات التي تساعد الطلاب على القيام برحلاتهم وقراءة تراث الجزيرة .

ويؤكد د . شبر الوداعي، رئيس قسم التثقيف البيئي في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة وعضو اللجنة العليا المنظمة للفعاليات التي تقام في جزيرة صير بونعير، أن تبني إمارة الشارقة نهج إقامة المحميات الطبيعية يشكل جزءاً رئيسياً في استراتيجيتها الثقافية المرتكزة على قاعدة تشييد البنية التحتية، ومنها إنشاء قسم لشرطة الجزيرة واستراحات للموظفين في الشرطة، بالإضافة إلى الفيلات الخاصة بالزوار، وهي مجهزة بصورة عصرية، وتوفير الكهرباء ومياه الشرب، وبناء مطعم عصري تابع للشرطة . ويضيف: ولا يمكن إغفال مطار الجزيرة ودوره الحيوي في عمليات النقل من وإلى المنطقة، بجانب السفن التي تمثل همزة الوصل من الشارقة إلى الجزيرة . ويوضح أن الهدف من ذلك هو الحفاظ على الموروث البيئي والثقافي والحضاري، من أجل حماية حقوق الأجيال في التمتع بفوائد هذا الموروث .

ولتأكيد أهمية الجزيرة، حسب الوداعي، تحولت إلى محمية طبيعية سنة 2000 بموجب المرسوم الأميري الذي أصدره صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي حدد الاتجاهات القانونية والمنهجية للحفاظ على نظم الجزيرة الطبيعية وصون ثروتها البيئية والجمالية والسياحية وقيمتها الحضارية . ولفت الوداعي إلى أن محمية صير بونعير كنز وثروة بيئية مهمة تتميز بخصائصها البيئية النادرة، حيث يضم نظامها البيئي أنواعاً مختلفة من الشعاب المرجانية والأسماك والسلاحف البحرية النادرة، وأنواع الطيور المختلفة، إلى جانب شواطئها الجميلة . ويوضح أن البيئة البحرية تتميز بالتنوع البيولوجي ولها أهميتها الاقتصادية والغذائية والثقافية والرياضية والصحية، بالإضافة إلى أن المياه تحتوي على أنواع عديدة من الأسماك كالهامور والشعري الكنعد والقباب والزريدي والقرفة، وأسماك العومة، وغير ذلك، إلى جانب الأحياء البحرية مثل القشريات والقباقب، والربيان .

وعن لجوء السلاحف البحرية إلى الجزيرة، يشير علي صقر السويدي، رئيس مجموعة الإمارات للبيئة البحرية، إلى أن السبب في ذلك هو بُعد الجزيرة عن اليابسة، موضحاً أن هذه السلاحف متعددة الأنواع ومنها سلاحف المنقار الصقر، والسلاحف الخضراء، إلا أن الأولى الأكثر وجوداً، وهي تقوم بالتزاوج بالقرب من الشاطئ وتضع بيضها في المكان نفسه، ثلاث مرات في السنة، تبدأ في مارس/ آذار، ويبلغ عدد بيضها في عمرها الذي يصل إلى 150 سنة، 300 بيضة، تنقل بطريقة شديدة العناية عن طريق البيئة البحرية لأماكن آمنة للحفاظ على نوعية السلاحف وعدم انقراضها .

ولفت إلى أن الجزيرة تحتوي على أكبر عدد من السلاحف على مستوى الخليج، وأن البيضة عندما تفقس وتخرج منها السلحفاة لا يراها أحد لمدة سنة كاملة لأنها تبدأ في الزحف فور خروجها من البيضة، لمسافة 15 ميلاً، بعدها تختفي تماماً ولا توجد أي دراسة علمية حول تلك العملية . وأضاف: الجزر في الإمارات يصل عددها إلى 250 جزيرة، لكن جزيرة صير بونعير تتميز بأنها مركز للغوص في المنطقة الخليجية لوجودها وسط البحر، وسميت باسم صير بونعير لأنها مكان مرتفع، وفي القِدم كان الأجداد يسمون المكان المرتفع بصير .

وأكد السويدي أن في الجزيرة 35 نوعاً من المرجان ما يعزز أهميتها البيئية، ويقول: نلاحظ في عمق مياهها الشعاب المرجانية المتنوعة والأعشاب البحرية، والأنواع المختلفة للأسماك والسلاحف النادرة المهددة بالانقراض، إلى جانب أنواع عديدة من الطيور .

حقوق النشر محفوظة لجريدة “الخليج”، © 2019