عندما احتفلت الصحافية الشابة سوزانا كاهلان بعيد ميلادها الرابع والعشرين العام الماضي حصلت على أفضل هدية لم تتوقعها، عندما تحقق حلمها الكبير بالانضمام إلى أسرة تحرير صحيفة نيويورك بوست الواسعة الانتشار، وبعدها بأيام قليلة تمت خطبتها، وبدت محلقة في السماء على جناحي السعادة والنجاح، وفجأة وقعت الصدمة غير المتوقعة عندما فاجأها عارض صحي عادى، شخصه الأطباء على أنه جنون مطبق من الدرجة الأولى، ونصحوا عائلتها بإيداعها مصحة نفسية للمرضى شديدي الخطورة .

وقعت الصدمة على عائلة كاهلان موقع الكارثة، وبدوا غير مصدقين ما يحدث، وتساءلوا كيف تنام ابنتهم الشابة سليمة معافاة، وتصحو في الصباح الباكر مختلة عقلياً، ورفضوا تشخيص عدة أطباء أجمعوا على سلامتها البدنية، وخطورتها العقلية .

بدا كل شيء طبيعياً في حياة الصحافية الشابة المتحمسة للعمل، التي وصفها أصدقاؤها بالذكاء المفرط، والنشاط، وامتازت عن غيرها بمرحها، وحبها للحياة، وعشقها للعمل، وفي صباح أحد أيام مارس/ آذار الماضي استيقظت على بعض الآلام في رأسها معتقدة أنها نوبة إنفلوانزا نتيجة حلول الربيع، لذا لم تعبأ كثيراً بالأمر، وتوجهت كعادتها إلى مقر عملها إذ كان عليها إنجاز مقابلة مهمة مع أحد رجال التجارة والمال في وول ستريت .

بعد وصولها للصحيفة انتابتها نوبة بكاء شديد لم تعرف سببها، والتف حولها زملاؤها متعجبين من حالتها، وعندما هم أحدهم بطلب المساعدة الطبية، انفجرت في نوبة ضحك بصوت عال وسط ذهول الحضور، ما اضطرها على الفور إلى مغادرة المكان، والعودة لمنزلها وهي في حالة فزع شديد، وخلدت إلى نفسها متسائلة ماذا حدث ؟ هل جننت ؟ . وفي صباح اليوم التالي توجهت كاهلان إلى اختصاصي أعصاب لاستشارته، وأرسلها بدوره لإجراء فحص على الدماغ بالرنين المغناطيسي الذي بدا طبيعياً، ولم يثر شكوكه نحو أي خلل ما، أو تلف بالمراكز العصبية، وطمأنها مطالباً باستكمال عدة فحوص بالأيام المقبلة .

وبعد عودتها إلى المنزل عاودتها التصرفات الغريبة مجدداً، إذ احتدت على عائلتها بصوت مرتفع أثناء مشاهدة التلفاز، ثم جلست القرفصاء وأخذت تضغط على أسنانها، وتعض لسانها حتى راحت في إغماءة، وكانت هذه الواقعة هي آخر ما تذكرته في حياتها لمدة شهر كامل .

اصطحبتها عائلتها بعد ذلك إلى مستشفى سانت لوك لعرضها على عدة أطباء في التخصصات كافة حتى الأسنان لمعرفة ماذا حدث لها، وخلال هذه الفترة لم تتمكن هي من تذكر شيئاً عن حياتها، حتى اضطر الأطباء إلى الاستعانة بوالدها، وأصدقائها لسؤالهم عن كل ما يخصها .

وعلى الرغم من خلو الأشعة المقطعية من أية عوارض صحية، فإن حالتها ازدادت سوءاً وغرابة، ولم يعد بالإمكان السيطرة على تصرفاتها الغريبة، ونوبات الهيجان التي كانت تنتابها، حتى إن أحد الأطباء أعتقد أنها ربما تعاني من آثار سلبية غير معروفة لسرطان الجلد الذي شفيت منه قبل عامين .

وأعتقد احد أطباء الأعصاب أنها ربما تكون مصابة بمرض الخوف الوهمي أو ما يعرف طبياً ب Paranoid delusions ، وبعد قضاء عدة أيام بالمستشفى لم ينجح فريق الأطباء من تفسير غموض حالتها، أو تشخيصها طبياً، لذا اصطحبتها عائلتها إلى المنزل مجدداً مع تحذيرات طبية بضرورة مراقبتها منعاً لإيذاء نفسها، أو غيرها .

ومجدداً عادت حالتها للسوء، إذ توقفت عن تناول الطعام، ورفضت النوم، وأصبحت أكثر عرضة للأفكار السوداوية، وكانت تعتقد دوماً أنها شارفت على الموت، وهو ما جعلها على حافة الإصابة بانهيار عصبي .

وبعد عدة أيام انتابتها حالة هياج مفاجئ فأخذت تطرق أبواب الغرف بعنف، وتصيح باكية، وتهذي بكلمات غير مفهومة، وانتهى بها الحال إلى السقوط في إغماءة مع حدوث نزيف من الفم، اضطرت أسرتها بعد ذلك إلى نقلها على عجل لتلقي العلاج . وتضاعفت المأساة عندما حاولت كاهلان القفز من السيارة في أثناء عبورها طريقاً سريعاً، إلا أن العناية الإلهية أنقذتها عندما تنبهت والدتها وسحبتها إلى داخل السيارة بسرعة قبل أن تلقي بنفسها خارجها .

وكان الخيار هذه المرة لمصلحة مركز طبي متخصص في الأمراض العصبية، ويحظى بشهرة واسعة في نيويورك ويعرف ب NYU langone حيث أجريت لها أشعة تخطيط دماغي أظهرت نشاطاً كهربياً عالياً بالمخ، وشخص الأطباء حالتها على أنها صرع ووضعها الأطباء على جهاز مراقبة للمخ يطلق عليه EEG على مدار الساعة، إضافة إلى احتجازها في غرفة خاصة مزودة بكاميرات مراقبة .

ولم يتمكن الأطباء من وصف عقاقير طبية لتهدئة حالتها، لأنهم لم يتمكنوا من الوقوف على حقيقة علتها، وهو ما ضاعف من حدة نوبات هياجها، وكانت أعنفها عندما نزعت الأجهزة الطبية المتصلة بها لمراقبة حالتها، وهاجمت الممرضات اللاتي حاولن السيطرة عليها، وعندما هدأت بررت ذلك بأنها كانت مستعجلة للخروج من أجل إجراء حوار تلفزيوني، وتارة أخرى ادعت أن إحدى الممرضات كانت تتجسس عليها وتنقل أخبارها إلى عائلتها في البرتغال!

ويوماً بعد الآخر حظيت حالتها الغريبة باهتمام طبي، وجذبت عدداً كبيراً من الأطباء من مختلف التخصصات مثل العصبية، وأمراض نقص المناعة والعدوى، والاختصاصين النفسيين الذين أخضعوها مجدداً لعدد لاحصر له من أشعة الدماغ، والمسح فوق الصوتي، والفحص بالأشعة البنفسجية، وعشرات من تحاليل الدم للكشف عن أية إصابة بميكروب، أو جرثومة غير معروفة . وعندما فشلوا في تشخيص الحالة وصفوا أدوية لعلاج paranoia أو داء العظمة، أو الشك والاضطهاد، وهو ما أثر سلباً في قدرتها على النطق .

وفجأة بعدما كانت عائلتها أصابها اليأس من الشفاء، استجابت العناية الإلهية لدعوات والدتها عندما اقترح احد الأطباء عليهم مراجعة طبيب يدعى سهيل نجار، وهو أمريكي من أصل سوري، لكنه نابه، وعنده دائماً حلول لكل مشكلة، وبالفعل توصلت العائلة إلى هاتفه ورتبت له زيارة للمركز الطبي المحتجزة به الشابة كاهلان .

وبالفعل أثبت الطبيب أنها تتمتع ذكاء من نوع خاص منذ الوهلة الأولى، فبعد الاطلاع على عشرات الأشعة المقطعية على المخ، وعلى تحاليل الدم المختلفة، اقترب من سوزان وقدم إليها ورقة بيضاء وقلماً مطالباً إياها برسم ساعة .

استجابت الشابة بيدين مرتعشتين، ورسمت دائرة ثم توقفت قليلاً، ثم رسمت وجهاً مبتسماً، ووضعت كل الأرقام من 1 إلى 9 على الجانب الأيمن .

الآن أصبح لدى نجار عدة عوارض رئيسة يمكن أن تكون بداية لتشخيصه، وهي حالات التشنج، ضغط الدم المرتفع، عدد كريات دم بيضاء مرتفع بالنخاع الشوكي، إضافة إلى الرسم المضطرب للساعة .

توصل نجار إلى تشخيص مبدئي بأن سوزانا تعاني من اضطراب بالجانب الأيمن بالدماغ، الذي يتحكم بالجانب الأيسر من الجسد، وتولدت لديه قناعة بأنها تعاني عارض نادر للغاية تهاجم فيه جسيمات مضادة نظام المناعة مسببة التهاب الدماغ، وللتأكد من صحة تشخيصه المبدئي أرسل عينة دم، وعينة من النخاع الشوكي لتحليلها بمعامل جامعة بنسلفانيا . إضافة إلى إجراء جراحة بسيطة تدعى خزاعة المخ .

وبعد أسبوعين وصلت نتائج التحليل إيجابية، لتثبت صحة التشخيص، إذ رصد البروفيسور جوزيف دالمو من الجامعة أجساماً مضادة نادرة تعرف طبياً بAnti NMDA، وتعني تعرض المستقبلات في الفص الجبهي الأمامي (المسؤول عن الإدراك والوعي لدى الإنسان) للمهاجمة من قبل أجسام غريبة، وتبع ذلك تأثر الجانب الأيسر المسؤول عن مركز العاطفة بالمخ ما تسبب في خلل بالجهاز المناعي .

كان البروفيسور دالمو من جامعة بنسلفانيا هو أول من نجح في اكتشاف هذه الأجسام المضادة بالعام ،2007 وحتى وقتها كان المرضى المصابون به يعاملون على أنهم مختلون عقلياً، يودعون مراكز الرعاية الصحية بدون أمل في الشفاء .

وبحسب دراسة دالمو فإن النساء هن الأكثر عرضة للإصابة بهذه الجسيمات المضادة ربما لأسباب جينيه، وبيئية .

وحتى الآن لم ينجح الأطباء في تشخيص 90% من الحالات المصابة، و10% فقط كتبت لهن النجاة وأغلبهن ممن ساقتهن العناية الإلهية لمراجعة الطبيب سهيل نجار الذي لم يضع وقتاً لبداية علاج سوزان كاهلان معتمداً على جرعات من الغلوبولين المناعي لمقاومة الأجسام المضادة المهاجمة للمخ، مع جرعات عالية من steroids لمقاومة الالتهاب، مع استخدام آلة بلازما طبية لاستخراج الجسيمات الضارة عبر أنبوب متصل بوريد دقيق بالرقبة .

استغرق علاج كاهلان أسبوعا واحداً، سمح لها بعدها بمغادرة المستشفى إلى منزلها مع الانتظام بتناول عقاقير طبية محددة، ومراجعة نجار على مدار الستة أشهر التالية، وبعد قرابة العام أعلن الأطباء شفاء كاهلان تماماً من حالتها الغريبة النادرة إذ كان من الممكن احتجازها بمصحة عقلية مدى الحياة .

ولم تسترد الصحافية الشابة فقط عافيتها، بل استعادت رغبتها وأملها في الحياة مجدداً بعد محنة قوية كافية لتذكر كل منا بأهمية كل دقيقة تمر علينا وليس فقط كل يوم .

وبعد عودتها إلى عملها مجدداً، رصدت كاهلان تجربتها الفريدة في حلقات ستنشر تباعاً في صحيفة نيويورك بوست، وكتاب بعنوان دماغ في مرمى النيران: شهر من الجنون سيصدر مطلع العام المقبل .

حقوق النشر محفوظة لجريدة “الخليج”، © 2020