الخليج الثقافي
قدمت جيلاً جديداً من المبدعين المصريين
"الكتابة الأخرى" تعود بعد 10 سنوات من الاحتجاب آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
القاهرة - عزمي عبدالوهاب:

1/1

من وقت لآخر تثار أزمة المجلات الأدبية المصرية، والحديث عن غياب دورها الحقيقي والمؤثر في الحركة الثقافية، ودائما تنطوي نبرة التأسي على افتقاد مجلة مثل “الرسالة” وصاحبها أحمد حسن الزيات، وربما يغيب عن البعض أن تلك المجلات كانت قد فقدت أثرها، عندما بدأت مصر تسعى لإقامة المؤسسات الثقافية، وبالتالي أدخلت تلك المجلات في منظومة تريد توظيف كل شيء في سبيل الهيمنة على مقدرات الثقافة والمثقفين، وكانت وسيلة لاحتوائهم، ومن ثم تحقيق جانب دعائي لما تريد الدولة بثه من أفكار، ما أدى  تدريجياً  إلى فقدان المثقف لاستقلاله .


وعندما حاولت الدولة في مصر إحياء الدور القديم الذي قامت به مجلتا “الرسالة” و”الثقافة”، أسفر المشروع عن محاولة هزيلة وباهتة لا محصول من ورائها، وتواصلت حلقاتها عبر عدة مجلات تغيرت أثوابها، بتغير القائمين على تحريرها .


مجلات عديدة تغيرت أسماؤها، لكن المشروع في نهايته كان محكوما عليه بالفشل، لأنه مرهون بأفكار المؤسسات الثقافية، لا المثقفين، فهي تريد الحصول على مكاسب خاصة بها وحدها، من دون إيمان بأهمية أن تكون هناك ثقافة حقيقية فاعلة، تصنع وعياً واستنارة .


كان هناك عدد من المثقفين، الذين يستعصون على الترويض يبحثون عن سبل للخروج من نفق مظلم يبغي تدجينهم، فقاموا بابتداع طرائق جديدة للتعبير، وطرح البديل نفسه في شكل مجلة ثقافية مستقلة، قد تكون فقيرة في طباعتها، لكنها تستطيع احتواء هذا الهامش، وتفجير طاقاته الإبداعية من دون رقيب ذاتي أو خارجي، حتى يحدث الاصطدام بين القائمين على المجلة بعضهم البعض، أو بين المجلة وقوانين المطبوعات، وهو ما أطلق عليه آنذاك “ثورة الماستر” والتي بدأت بإطلاق جيل الستينات المصري مجلته “جاليري 68” ثم حدثت الانتفاضة الكبرى في السبعينات، بإصدار “إضاءة 77” و”أصوات” و”خطوة” و”النديم” و”مصرية” و”الكتابة السوداء” وتوقفت هذه المجلات بالتدريج، تحت طائلة قانون المطبوعات، وكانت مجلة “إبداع” التي أصدرتها وزارة الثقافة المصرية وترأس تحريرها الراحل د .عبدالقادر القط أشبه بعصا موسى التي تلقفت هذه المجلات فقيرة الطباعة، واحتوت على عدد من مبدعيها .


وكان طبيعياً أن تصدر المجلات بشكل مستقل قبل ثورة 23 يوليو/ تموز ،1952 وإن قدمت لنا نموذجين مختلفين للمثقف، مثلما هي الحال مع مجلتي “الرسالة” و”التطور”، فالأولى كانت تنحو منحى محافظا، لا تصطدم بتقاليد مجتمعية، جعلت على سبيل المثال “أحمد حسن الزيات” يطلب من الناقد “أنور المعداوي” تغيير اسم ديوان “نزار قباني” من “طفولة نهد” إلى “طفولة نهر” في دراسة أعدها “المعداوي” عن الديوان .


 أما مجلة “التطور”  لسان حال جماعة الفن والحرية  فقد عرف عنها تكسير الرؤى المحافظة، التي تستند إلى قيم بعينها، سادت حتى شكلت تراثا يعوق التفكير الطليعي الحر الذي أرادته هذه الجماعة والمجلة .


ميراث طويل


امتداداً لهذا السياق صدر العدد الأول من مجلة “الكتابة الأخرى” في مايو/ أيار ،1991 وخلفها هذه الأفكار والميراث الطويل من المجلات الطليعية التي صنعت حراكا ثقافيا، والمجلات الأخرى التي احتضنتها المؤسسات الثقافية، وحملت في داخلها عوامل جمودها وتخلفها .


ونشرت المجلة في عددها الأول دراسة عنوانها “دين الحرافيش بمصر المحروسة” لعالم الاجتماع الراحل علي فهمي، وهي تتسق مع فكرة الهامش التي ستتبلور في ما بعد، وتتأسس عبر إعداد المجلة من خلال نصوص ودراسات متنوعة وترجمات متميزة، تقدم  في بعضها  نمطا شعريا، يحفر في ذات المجرى الذي يحفر فيه الشعراء المصريون الذين قدمت المجلة عددا كبيرا منهم للمرة الأولى بانفتاح على المشهد الشعري في البلدان العربية، والمنافي الأوروبية .


تزامن صدور مجلة “الكتابة الأخرى” مع تولي الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي رئاسة تحرير مجلة “إبداع” خلفاً للناقد د .عبدالقادر القط، واتخذت “الكتابة الأخرى” من مقال حجازي الافتتاحي في “إبداع” الذي يصنف المبدعين بين “صفوة” و”حرافيش” تكئة لإصدار بيانها الأول الذي يخلص فيه الشاعر هشام قشطة  محرر “الكتابة الأخرى”  إلى عدة ملاحظات تحت عنوان “الحرافيش يفعلون الكتابة” منها أن “مفهوم الصفوة مفهوم متهافت، ينبني على فكرة سياسية نرفضها، وجذورنا الأدبية الحقيقية تعود مصرياً إلى الفلاح الفصيح وشكاواه وعربيا إلى الصعاليك، وعالمياً إلى المشردين والمنبوذين من جراء عدم تكيفهم مع واقع رفضوا الاندماج والتشيؤ فيه” .


وفي موضع آخر من افتتاحية العدد الأول يعرج هشام قشطة على المناقشات التي سبقت إصدار المجلة، وقد انقسمت الآراء بين من يرى أن “الكتابة الأخرى” يجب أن تعبر عن فصيل ثقافي بعينه من دون الفصائل الأخرى، بحجة أن تعدد وجهات النظر الفكرية والأدبية لدى هذا الجيل من شأنه أن يفسد انسجامها وتماسكها، واحتج البعض الآخر مدعياً أن “الكتابة الأخرى” لابد أن تكون نتاجاً لحركة متبلورة، حتى تضمن شرعيتها واستمرارها .


وينتهي هشام قشطة إلى “اننا رفضنا تبني أية فكرة انعزالية، تؤدي إلى تسييد نمط من التفكير عانت منه الثقافة العربية كثيرا، ومازالت، وأوصلها إلى ثقافة غير فاعلة، منزوية في شرفاتها العاجية، كما رأينا أن الانسجام المرجو لا يأتي من خلال تلاقي الأشباه، ولكنه مقرون بالصراع بين الأضداد” .


وتواصلت الفضاءات الشعرية في مجلة “الكتابة الأخرى” مع الشعرية الجديدة في كل من المغرب والعراق بإفراد ملفات خاصة عنها ليتواصل هذا الاتجاه مع الوقوف على جوانب إبداعية لدى الثقافات الأجنبية، فلم تقف “الكتابة الأخرى” عند حدود الأسماء التي ترد إلينينا من أوروبا وأمريكا، لتسييد رؤية معينة، بل أفردت مساحة كبيرة من صفحاتها  على سبيل المثال  لشاعر من أمريكا اللاتينية هو “نيكانور بارا” وقد ترجم نصوصه الشعرية أحمد حسان وقدم لها بلمحة عن الشعر المضاد، وقد صدرت هذه الترجمة في ما بعد في “مطبوعات الكتابة الأخرى” .


إن المشروع الذي بدأه هشام قشطة من خلال المجلة، لم يتوقف عند حدود ثابتة، بل تجاوز ذلك لإصدار عدد من المطبوعات المنبثقة من المجلة، ما أتاح لنا فرصة مطالعة عدد من المجلات القديمة مثل “التطور” و”جاليري 68” والمجلد الأول من “الكاتب المصري” التي كان يرأس تحريرها د .طه حسين، إضافة إلى إصدار “ديوان الكتابة الأخرى” كسلسلة شعرية تحتفي بإبداعات الجيل الجديد من الشعراء، وقد صدر منها ثلاثة دواوين لعماد فؤاد، وزهرة يسري، وإيهاب خليفة، وهو التقليد الذي عاود الظهور مع الإصدار الثاني من “الكتابة الأخرى” حيث صدر ديوان “النزهات المفقودة” للشاعر محمد متولي .


مع الإصدار الثاني للمجلة أول ما يتبادر إلى الذهن من أسئلة: لماذا تعود “الكتابة الأخرى” بعد عشر سنوات من الاحتجاب؟ وبرغم وعي المحرر العام للمجلة بأن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسور، إلا أن ما لم يقله في افتتاحية العدد الجديد الصادر في يناير/ كانون الثاني ،2010 أن محاولات جرت لسد الفراغ الذي تركه توقف المجلة، وكلها باءت بالفشل، وتوقفت عند العدد الأول أو الثاني في أفضل الأحوال، لأن عناصر نجاح “الكتابة الأخرى” لم تتوافر لها، فتلك المجلة الطليعية كانت تعبر عن طموحات جيل جديد، وبالتالي كانت مرآة لأحلامه وأشواقه، ونجحت لأن فردا واحدا، هو هشام قشطة كان يقف وراءها .


لماذا “الكتابة الأخرى” الآن؟ الإجابة في مقال شريف يونس “أبواب الفوضى” فهو يقول: “إعادة إصدار الكتابة الأخرى علامة على الصراع، الذي لا ينقطع، على المجال الثقافي الذي هو مجال صراعي بطبيعته، كما أنه محل صراع أطراف أخرى، وعلى رأسها القوى السياسية على اختلافها” .


ويشير يونس إلى أن الكتابة الأخرى، بدءا من اسمها ومنذ إصدارها الأول عام ،1991 علامة في تاريخ هذا الصراع، فأعدادها التي تجاوزت العشرين قدمت حساسية مختلفة تجاه الكتابة، ورؤية مستجدة لطبيعة الأدب والثقافة، وفي مواجهة اتهامات تتراوح بين اللاأدبية والخيانة الوطنية، توالت أعداد “الكتابة الأخرى” لتكون صوت جيل من المبدعين .


لماذا الكتابة الأخرى الآن؟ ألا يكفي أنها رسخت أقدام جيل جديد في الثقافة المصرية؟ ألم تعد معظم وسائل النشر متاحة لمن بقي يبدع من كتابها؟ كلها أسئلة مشروعة تؤكد أنه يجب ألا تكون “الكتابة الأخرى” مجرد منبر إضافي لهذا الجيل، لتصبح، كما كانت سابقاً، أرضاً مفتوحة للإبداعات والتجارب الجديدة مستفيدة من استقلالها عن المؤسسات الثقافية على اختلافها، ولهذا نختلف مع جملة “هو بدء جديد بالفعل” التي صدر بها هشام قشطة افتتاحية المجلة في إصدارها الثاني، فلا يزال هناك قوس مفتوح لاحتواء أجيال جديدة من الشعراء، ففي باب “محور الكتابة” احتفت المجلة بسبعة أصوات شعرية جديدة، هذه الأصوات “ليست سوى أمثلة من موجة شعرية مصرية جديدة، متباينة الرؤية، متعددة الملامح، متفاوتة الموهبة”، وهي تشير إلى موجة جديدة من المشهد الشعري المصري، تمثلت في شهادات ونصوص إبراهيم السيد، أحمد شافعي، إسلام يوسف، غادة خليفة، محمد أبو زيد، محمود عزت، منتصر عبدالموجود .


ما يميز “الكتابة الأخرى” أننا نجد فيها ما لا نجده في أية مطبوعة أخرى، يخشى القائمون عليها من تهمة إهدار المال العام، وحق دافعي الضرائب في أن يقرأوا ما يتناسب مع الرؤية المحافظة للأشياء، لذا تفشل المجلات الأخرى لأن أيادي المسؤولين عن تحريرها ترتعش باستمرار، فيضطرون إلى مخالفة ضميرهم الإبداعي، وبالتالي يتعاملون مع المطبوعة التي تحت أيديهم على أنها مجرد صفحات بيضاء، ينبغي “تسويدها” بأي شيء، ولا داعي للتفكير في القيمة .


ما يميز “الكتابة الأخرى” اننا نكتشف سياقاً عاماً يلازمنا طوال صفحاتها التي جاوزت ال400 صفحة، وذلك عندما يكتب بشير السباعي تحت عنوان “مدخل إلى تعريف أزمة الثقافة” وعندما يكتب حسني عبدالرحيم “عن الشعر/السياسة/الزمن” إضافة إلى ما كتبه شريف يونس تحت عنوان “أبواب الفوضى” وكل هذا يسلمك إلى دراسة العدد التي جاءت بعنوان “حول إعادة إنتاج واستهلاك جسد المرأة في مصر” للباحثة الأجنبية “لوسي ريزوفا” وقد ترجم الدراسة إلى العربية الشاعر محمد متولي بمساهمة من الناقدة شيرين أبو النجا، فمن باب إلى باب لا يتعثر القارئ في نتوءات أو تصادفه فجوات تعيق انسيابية التلقي .


حتى إن النصوص الإبداعية لا تختلف عن هذا السياق، وكلها تطرح رؤى مغايرة، وفضاءات جديدة للكتابة، وهذا ما يتجلى في نصوص إبراهيم داود وأحمد طه وأشرف يوسف وإيهاب خليفة وجرجس شكري وحسن خضر وعلي منصور وعماد فؤاد وفاطمة قنديل ونجاة علي وياسر الزيات وحمدي الجزار ومحمد صلاح العزب ومكاوي سعيد وياسر عبداللطيف ومنصورة عز الدين وغيرهم من المبدعين الذين احتفى بهم باب “نصوص” في المجلة من دون أن يضع فاصلاً أو حاجزاً بين النصوص الشعرية والقصصية . قد يبدو من هذا الاستعراض أن المجلة لم تخرج عن الصيغة التي ظهرت بها في الإصدار الأول، بما في ذلك الملفان اللذان احتفيا بتجربة فنان الكاريكاتير الراحل صلاح الليثي، والتجربة الهندية للفنان التشكيلي محمد عبلة . وفي هذا الإطار ألم يكن مناسبا أن تكتفي المجلة بملف فني واحد؟ لقد ابتدعت المجلة بابين جديدين أحدهما “الفهرست” وفيه يقدم الشاعر عبدالمنعم رمضان إضاءات كاشفة حول تجربة الشاعر اللبناني الكبير “أنسي الحاج” بجانب عدد من النصوص والترجمات التي قام بإنجازها “الحاج” عن جورج حنين، وهناك باب آخر يتخذ عنوان “نصوص مفتوحة” يكتب فيه الروائي أحمد زغلول الشيطي والشاعر محمد متولي .


مع عودة “الكتابة الأخرى” تتنفس الكتابة الجديدة من رئة الحرية، بعد أن نجح الإصدار الأول منها في انتزاع اعتراف المؤسسة الثقافية الرسمية في مصر بشعراء لم يكونوا في حاجة إلى هذا الاعتراف، إلا قلة منهم بالطبع .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008