إذا صحّت المعلومات التي ذكرتها الصحف الصهيونية، حول مفاوضات واشنطن المباشرة بين السلطة الفلسطينية والكيان بشأن خطة أمريكية لتوقيع اتفاق تسوية العام الحالي يتم تنفيذها خلال عشر سنوات، فإن الولايات المتحدة تنفذ بذلك أكبر خدعة ارتكبت في التاريخ المعاصر . والشعب الفلسطيني الذي تعرض لأبشع أشكال المؤامرات منذ نهاية القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين وصولاً إلى الآن، هو المستهدف بالخدعة الأمريكية الجديدة تمهيداً لتصفية قضيته نهائياً وشطبها من أجندة الاهتمام العالمي .
إنها خطة خبيثة تحمل بصمة صهيونية لاستغلال الوقت في استكمال مخطط الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية ومدينة القدس .
فأي اتفاق هذا يستغرق تنفيذه عشر سنوات؟ وأي اتفاق بشأن أية أزمة عالمية أخذ هذا الوقت للتنفيذ؟ ومتى نفذت “إسرائيل” اتفاقاً إلا إذا كان يحقق لها أهدافها؟ ومن يضمن أن “إسرائيل” سوف تنفذ ما يتم الاتفاق عليه؟ ومتى مارست الولايات المتحدة ضغطاً على “إسرائيل” لحملها على الالتزام بأي موقف أو قرار؟
إن “إسرائيل” تستخدم “استراتيجية التفاوض للتفاوض” منذ مؤتمر مدريد، الأمر الذي كشف عنه إسحق شامير رئيس وزراء الكيان آنذاك، ثم نهج نهجه كل من خلفه في هذا المنصب حتى الآن، ومؤدى هذه الاستراتيجية أن “إسرائيل” لا تريد التوصل إلى اتفاق، بل هي تستخدم المفاوضات وسيلة لتحقيق غاية تثبيت الأمر الواقع على الأرض، في حين يبقى العرب يعيشون وهم التفاوض وصولاً إلى تسوية، وقد وقع العرب في هذا الفخ عندما قرروا أن “السلام هو خيارهم الاستراتيجي”، وأسقطوا أي خيار آخر، وبذلك تركوا الكيان يعربد احتلالاً وعدواناً وتوسعاً وتهويداً وحصاراً، فيما هم ينتظرون المفاوضات التي تحقق السلام، أما “إسرائيل” فتريد المفاوضات ولا تريد السلام .
الخطة الأمريكية ليس هدفها التوصل إلى تسوية، فالتسوية المعقولة شروطها متوفرة ويمكن البناء عليها، وهي كل قرارات الشرعية الدولية (194 و181 و242 و338)، مع الأخذ في الاعتبار مبادئ مؤتمر مدريد (الأرض مقابل السلام) ومبادرة السلام العربية، لكن الإدارة الأمريكية التي لم تقم أبداً وفي أي وقت بدور “الوسيط النزيه” أو “الوسيط العادل” تريد هذه المرة تمرير خطة ملغومة ومدججة بكل أشكال الخبث والخداع، بإبقاء التسوية رهينة في يدها ويد “إسرائيل” لمدة عشر سنوات ولعشرات السنين التالية .