بدا واضحاً منذ بداية الألفية الثالثة أن هناك أنموذجاً إرشادياً جديداً، بلغة فيلسوف العلم المعاصر “توماس كون” الذي وصفه في مؤلفه الشهير “بنية الثورات العلمية” . وأهم ما يميز هذا الأنموذج الإرشادي الجديد هو الجمع بين المعرفة والمهارة في ثنائية متلازمة ضرورية لبناء الإنسان وتنمية المجتمع، فقد أصبح من غير المقبول أن تتسم مهارة الأداء في أي مجال من المجالات بالشكل على حساب المضمون المعرفي، أو العكس . ومعنى هذا بعبارة أخرى، أن التعليم باعتباره يقدم منتجا مثل أي سلعة، ينبغي أن يدل الطلاب على مفاتيح مواصلة التعلم مدى الحياة، بأن يعلمهم منهج البحث والتفكير العلمي السليم، وينمي لديهم حرية النقد وإبداء الرأي، ويقدم لهم المعلومة ذات القيمة المستدامة، ويزودهم بما ينير “بصيرتهم” العلمية ويفتح “شهيتهم” المعرفية لطلب المزيد من المعارف بصورة مستمرة .
وهنا ينبغي أن نفرق في نشر ثقافة التفوق العلمي والمهاري بين أربعة ميادين للعلم والتكنولوجيا، تحدث عنها بالتفصيل الأستاذ محمد عبدالسلام الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979م في كتابه “التنمية والتقدم العلمي في العالم الثالث، مقالات مختارة” ونوجزها فيما يلي:
أولاً: ميدان العلوم الأساسية وتشمل العلوم الفيزيائية والكيميائية والرياضية والبيولوجية، ويضاف إليها تطبيقاتها المباشرة في المجالات المختلفة . وهذه العلوم تحظى برعاية فائقة في الدول المتقدمة، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه التقنيات المتقدمة . أما في الأقطار النامية فإنها لا تحظى بالرعاية المناسبة ظنا أنه بالإمكان العيش بالنتائج العلمية التي يتوصل إليها الآخر . ويكفي لتوضيح المقارنة أن أغنى الدول وأقواها على هذا الكوكب استشعرت أن الخطر يتهددها من مجرد تراجع تقديرات الطلاب في مقرر الرياضيات، في حين نرى عندنا في المقابل عزوف الطلاب بالكلية عن الالتحاق بشعب العلوم الطبيعية دون أن يحرك هذا ساكناً عند المسؤولين عن التربية والتعليم في كثير من الدول النامية، وقد انعكس هذا على ضعف مناقشة القضايا العلمية التي تنشأ لدى القيام بتطبيقات العلوم، وهو ما نلحظه حاليا في التعريف بمشكلات معاصرة مثل تغيرات المناخ، وأنفلونزا الخنازير، وقضايا الطاقة المتجددة، وفيزياء الجسيمات الأولية، وغيرها .
ثانياً: العلوم التطبيقية وتطوير البحث فيها لإيجاد حلول علمية لمشكلات التنمية في ميادين الطب والزراعة والطاقة والبيئة والتعدين وغيرها . وهنا لا ينبغي أبدا التفرقة أو التمييز بين العلوم الأساسية والعلوم التطبيقية .
ثالثاً: التقنيات التقليدية للحرف والمهارات التي يستخدم فيها المستوى العادي للعلوم، ولا تتطلب اكتشاف مبادئ علمية جديدة . ومن أمثلة هذه التقنيات صناعة الحديد والصلب، والتصميم والتصنيع في صناعة السيارات، وتكنولوجيا النفط، وتوليد الطاقة، والصناعات الكيميائية وغيرها . وهذا المجال هو الذي يتم فيه عادة التفاوض بين الدول لنقل التكنولوجيا .
رابعاً: التقنيات المتقدمة (أو العالية) المبنية على العلم والبحث العلمي وتطوير البرمجيات، مثل علوم المواد والاتصالات والفضاء والإلكترونيات والتكنولوجيا الحيوية وغيرها . ومثل هذه التقنيات المتقدمة تحتاج إلى التقنيات التقليدية أحيانا، ولكنها بحاجة ماسة أكثر إلى الخبرات الراقية في العلوم الأساسية المناسبة (مثل الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا) . وقليل من الأقطار النامية تدرك الحاجة إلى التكنولوجيا العالمية أو تحرز تقدما فيها، لأن الشعور السائد في هذه الأقطار أن هذا الحقل بعيد عن متناولها، وهذا الشعور بعدم الاهتمام وعدم الثقة هو الذي تجب مكافحته والتغلب عليه من جانب الذين يرغبون في اللحاق سريعا بتكنولوجيا المستقبل .
ولا ينبغي أن تغيب عن الأذهان أهمية الترابط بين هذه الميادين أو إعطاء أحدها أولوية وأفضلية على الآخر إلا بعد تخطيط مدروس يبدأ بتوفير الخبرة في العلوم الأساسية، ثم البدء بتنمية التكنولوجيا التقليدية، وتأتي بعد ذلك تنمية العلم التطبيقي، ثم تنمية التكنولوجيا العالية القائمة على العلم والمهارة والتفوق فيهما . فهل تصل هذه الرسالة إلى المؤسسات المعنية بالتخطيط للبحث والتطوير في عالمنا العربي والإسلامي الذي يحتاج بالفعل إلى رؤية متكاملة تنقله إلى صفوف المتقدمين والمشاركين في حضارة العلوم الحاكمة والتقنيات المتقدمة؟
afbasha@gmail .com