مع ساعات عمله الأولى في البيت الأبيض، كان الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما يعلن ما يشبه الثورة الداخلية أو الانقلاب على ما يجري داخل واحدة من أهم وأكبر، وكذلك أخطر المؤسسات الحاكمة في سماء الولايات المتحدة الأمريكية، بيت العنكبوت، المعروف باسم المخابرات المركزية الأمريكية.
كانت قرارات أوباما الأولية حاسمة وحازمة، إذ وقع على عدة مراسيم يعدّل أحدها القواعد التي تعمل على أساسها الوكالة الاستخبارية الأشهر في تاريخ البلاد ال CIA في ما يتعلق بطرائق عملها في مكافحة الإرهاب والاعتقال والاستجواب.
وقد لفتت جرأة أوباما وسائل الإعلام الأمريكية، فذكرت ال “واشنطن بوست” أن ما أقدم عليه أوباما سيقيد عمليات الاستجواب في كل المنشآت الأمريكية في العالم بالتعليمات المنصوص عليها في دليل الجيش.
وكذلك كانت صحيفة ال “نيويورك تايمز” بدورها تتوقف عند ما بعد توقيع أوباما لمرسوم يأمر بإغلاق معتقل جوانتانامو في غضون سنة، وتناقش دلالات المرسوم الآخر الخاص بمنع طرق الاستجواب القسري، مثل الضرب واستخدام الكلاب لترهيب المعتقلين والصعق بالتيار الكهربائي والإيهام بالغرق.
وقد اكتملت صورة الغضب الساطع الآتي عندما أكد مدير الوكالة الذي عينه أوباما أنه ينوي أن يحدث قطيعة كاملة مع ممارسات الوكالة المثيرة للجدل في عهد بوش، فخلال جلسة استماع في الكونجرس أشار “ليون بانيتا” إلى أن سمعة ال CIA تضررت كثيراً بعد افتضاح أكاذيبها في العراق وانتهاكاتها لحقوق الإنسان. على أن التساؤل هل كان للوكالة أن تستسلم لمصيرها الجديد؟
واقع الحال أن الجواب لم يطل انتظاره، سيما بعد ما أشارت مصادر إعلامية أمريكية الأيام الفائتة إلى أن الوكالة سربت إلى صحيفة “النيويورك تايمز” تقريراً عن تولي معتقل سعودي سابق في جوانتانامو منصب نائب زعيم تنظيم القاعدة في اليمن. فهل جاء هذا التسريب كرسالة للرئيس الجديد من القابضين على جمر الأحداث في الوكالة، والذين يخشون على مكتسباتهم غير الشرعية التي تحصلوا عليها في زمن بوش غير السعيد؟
عند عدد من المحللين والمراقبين للشأن الأمريكي، فإن صدور التقرير بهذه الصورة وتلك السرعة يؤكد أن رجالات الوكالة في الصفوف المتقدمة يرون أن سياسات أوباما ضعيفة وتحد من حركة عملائهم وجواسيسهم، وكذلك تقلص من قدراتهم والتي يرون أنها جنبت البلاد 11 9 أخرى.
ولعل التساؤل هل كانت الCIA على نحو خاص تتوقع هذا الانقلاب وبناء عليه رتبت أوراقها لزرع الرعب والتسويق للخوف من جديد في نفس الرئيس الأمريكي خصوصاً، والشعب الأمريكي عامة؟
يبدو أن ذلك كذلك، فقبل رحيل إدارة بوش بقليل روجت الوكالة لشائعة تعرض أمريكا لهجوم إرهابي جديد، وأن الإسلاميين سيحاولون استغلال الأوضاع لشن هجوم على أمريكا، وقد نقلت ال “واشنطن بوست” عن “بارت بيتشيل” الضابط المتقاعد في الوكالة قوله “إذا سئلت من قبل الرئيس المنتخب حديثاً فسوف أطالبه بقوة بأن يكون متيقظاً في الأشهر الأولى الستة من إدارته حتى لا تشن القاعدة هجوماً على المصالح الأمريكية في البلد أو في الخارج”.
المقطوع به أن تاريخ الوكالة مملوء بالعمليات السرية مثل “كونتراجيت” و”إيران جيت” وكلها جرت من وراء ظهر الكونجرس والبيت الأبيض، ما يعني أن هناك دولة المخابرات الأمريكية التي لا يمكن لأحد، ولا حتى الرئيس نفسه في بعض الأوقات، الخلاص منها، وحال اقترب بما يهدد رؤوس الأفاعي فيها فإنهم يطلون عليه مرة وإلى الأبد. هل من قرائن تاريخية؟
إثر الأزمة العاصفة التي نشبت بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة حول نية الأخيرة غزو كوبا، وفشل هذه العملية التي عرفت بأزمة خليج الخنازير عام 1961 واهتزاز صورة الولايات المتحدة في العالم الثالث نتيجة لذلك، نحى الرئيس الأمريكي جون كيندي رئيس الوكالة الأشهر والذي يعد من أهم مؤسسي الجاسوسية الأمريكية “ألن دالاس” عن رئاسة الوكالة وعين خلفاً له الجنرال “جون ماكون” في عام 1963.
وبدا أن كيندي يتبنى مقاربات مع الاتحاد السوفييتي تبطل مفاعيل الحرب الباردة كما يحاول أوباما اليوم نهج سياسات تصالحية مع كل أعداء أمريكا، كما كان كيندي كذلك يسعى لترتيب صفوف الاستخبارات الأمريكية من الداخل ولإعادة صياغة العلاقة بين المخابرات والمؤسسة الحاكمة، وبين المؤسسة الأمنية والعسكرية والمجتمع ككل.
غير أن كل تلك الآمال قد تبخرت دفعة واحدة في دالاس باغتيال كيندي وليمتد عمر الصراع مع السوفييت لنحو ثلاثة عقود، كانت فيها الوكالة وأذرعها الأخطبوطية الحاكم المشارك والفاعل في واشنطن.
هل انطلقت الرصاصة الأولى في المعركة بين أوباما ورجالات لانجلي؟ هناك في واقع الحال أكثر من ملف مفتوح أمام أوباما كإيران والعلاقة مع العالم الإسلامي والمواجهة مع موسكو واضطراب السياسات تجاه بعض دول أمريكا اللاتينية، وكلها تصلح كمجال عريض للصراع على إثبات النفوذ بين الوكالة والبيت الأبيض، على أن علامة الاستفهام المؤلمة هي: هل سيقدّر لأوباما أن ينجح في ما فشل فيه رئيس بوزن ايزنهاور القائد الذي كفل للحلفاء نصراً مبنياً في الحرب العالمية الثانية، والذي كان “ألن دالاس” المقاوم الخفي له ولإجراءات الإصلاح التي أرادها ايزنهاور للوكالة؟
حتماً أن أجيالاً لاحقة من أبناء وأحفاد دالاس لا تزال باقية هناك حتى الساعة وتقف لأوباما بالمرصاد، وفي ضوء عدم وجود احتمالات لانتصارات دبلوماسية واقتصادية باهرة لأوباما تمكنه من كسب الرأي العام الأمريكي بصورة مطلقة لا نسبية، ستظل المعركة مع المخابرات محتدمة ويبقى أوباما عرضه لما هو أبعد وأخطر من التسريبات. فهل سيحمل هذا الصراع لأمريكا مزيداً من الألم والإخفاقات في طريق أفولها الامبراطوري كقدر مقدرو في زمن منظور؟
* كاتب مصري
emileamen@yahoo.com