الأسبوع السياسي
“محرقة القرن الـ 21” بقرار أمريكي آخر تحديث:الخميس ,08/01/2009
إميل أمين

1/1



 


“إن “إسرائيل” تعمدت تنفيذ عدوانها على قطاع غزة في هذه الأوقات لأنها أرادت أن تستغل الفترة المتبقية لإدارة الرئيس جورج بوش المعروفة بتأييدها المطلق ل”إسرائيل” وذلك قبل مجيء الإدارة المقبلة”.


على هذا النحو كان مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية يصرح لصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية كاشفا عن السبب وراء قيام “إسرائيل” بغزوها الوحشي برًا وبحرًا وجوًا لقطاع غزة وعنده كذلك أن “الإسرائيليين” أرادوا إنهاء هذا الأمر قبل مجيء الإدارة القادمة لأنهم لا يستطيعون التنبؤ بكيفية تعاملها مع هذا الأمر وهم لا يريدون أن يبدأوا معه بها”.


ماذا يعني التصريح السابق؟


بلا شك يشي بأننا أمام وضع قائم معروف، فطوال سنوات إدارتي بوش بلغ الدعم الأمريكي ل”إسرائيل” منتهاه واصلا في نهاية الطريق إلى ضوء أخضر لاجتياح غزة، وبين وضع قادم تمثله إدارة أوباما التي لاذت بالصمت طويلا، ما يرشح بمستقبل التوجهات الأمريكية الرسمية حيال النزاع العربي “الإسرائيلي”.


البداية تتمحور حول التساؤل.. هل أعطت واشنطن الضوء الأخضر ل”إسرائيل” لاجتياح غزة؟


بحلول اليوم الأول من العام الجديد كانت بعض المصادر الإعلامية الأمريكية تسرب أخبار صفقات الأسلحة التي طلبتها “إسرائيل” من وزارة الدفاع الأمريكية وتشمل آلاف القنابل والصواريخ ومنها منظومات القنابل الذكية التي تعتمد على التوجيه الدقيق نحو الأهداف بالليزر أو بالأقمار الاصطناعية.


ومن بين تلك الأسلحة القنابل المخصصة لقصف الأنفاق والأعماق من نوعية GBU -39 كتلك التي استخدمتها”إسرائيل” في حربها ضد لبنان في يوليو/ تموز من العام 2006 والتي يرجح المحللون العسكريون أن “إسرائيل” كانت تخطط لاستخدامها في غزة ضد البنية العسكرية التحتية لحماس.


والشاهد أن الوثائق المشار إليها تؤكد على أن “إسرائيل” قدمت طلب شراء تلك الأسلحة في سبتمبر/ أيلول الماضي وحصل الطلب على موافقة الكونجرس في أكتوبر/ تشرين الأول وكان من الطبيعي وقتها أن يحدث الصدام في ديسمبر/ كانون الأول.


ولعل أكثر المشاهد إثارة ويجزم بأن تل أبيب قد حصلت مباشرة على الضوء الأخضر بالهجوم على غزة من واشنطن هو طلبها لوزارة الدفاع الأمريكية بعدم كشف تفاصيل قائمة المشتريات العسكرية التي حصلت عليها بحجة أن الأمر يتعلق بسياساتها الدفاعية.


ولدى مطالبة البنتاجون بشكل رسمي بتوضيح الأمر كان الرد الرسمي “نحن لا نكشف معلومات حول مشتريات مخصصة للمعارك والقدرات الخاصة بالدول الصديقة”، ومضيفا: أننا ندعم بشكل كامل حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها وأن علاقات دفاعية قديمة تجمع بين واشنطن وتل أبيب.


هذه الصفقات ما ظهر منها وما خفي دعت منظمة العفو الدولية لأن تنادي مباشرة بوقف تسليح واشنطن لتل أبيب وبخاصة في ضوء الانتهاكات “الإسرائيلية” السابقة للقوانين الدولية تجاه استخدام الأسلحة المحرمة مثل القنابل العنقودية ضد المدنيين في مناطق مدنية بجنوب لبنان.


والشاهد أن الدعوة الدولية السابقة كان وراءها ما وراءها إذ ظهر بعد نحو يومين من بدء الهجومات على غزة ما يفيد بأن “إسرائيل” استخدمت ربما ما هو أكثر من القنابل العنقودية والانشطارية وصولا إلى اليورانيوم، والعهدة هنا على الراوي الخبير الفرنسي في الشؤون العسكرية “بروز نيكولاس” والذي وصف ما يجري في غزة بأنه “محرقة القرن الحديث”.. ما الذي قاله نيكولاس؟ يشير بداية إلى أن “إسرائيل” تمتلك أسلحة نووية تكتيكية وهي عبارة عن رؤوس نووية صغيرة للغاية ذات قوة تدمير محددة تستخدم عادة في مسرح العمليات وتم استخدامها في حرب لبنان الأخيرة على حزب الله، وتصل قوتها إلى 2 كيلو طن وأن القوات “الإسرائيلية” استخدمت في عدوانها على غزة قنابل يورانيوم مخصب له تأثير تدميري قوي وأن آثاره الكيماوية والبيولوجية تنعكس على البشر مستقبلا.


هل من ضوء أخضر أمريكي من إدارة بوش بعد ذلك؟ وعندما تفشل الولايات المتحدة الأمريكية عملية التصويت في مجلس الأمن على مشروع قرار عربي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار بين “إسرائيل” والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بحجة أنه غير متوازن هل من شك يخامر أي مبتدئ في فهم أبجديات السياسة الدولية لجهة تصديق ما قاله المسؤول الأمريكي للواشنطن بوست من أن “إسرائيل” أرادت “حلب” الرئيس بوش حتى آخر قطرة على حد تعبير غالبية الصحافة “الإسرائيلية”؟


وإذا كان هذا حال إدارة بوش فماذا عن إشكالية إدارة أوباما القادمة في التعامل مع “محرقة القرن الحديث”؟


رغم وعود التغيير التي بشر بها بدا صمته أمام مشاهد المحرقة الحديثة في غزة مؤشرًا على أن إدارته لا تحمل بديلا فعليا في السياسة الخارجية الأمريكية الأمر الذي دعا البروفيسور “بول وودوورد” عضو منتدى الصراعات وهي منظمة تهدف إلى تغيير السياسة الغربية تجاه الحركات الإسلامية إلى التأكيد على أن استمرار أوباما في الصمت سيكون له تأثير عملي بتقديم تأييد لحرب “إسرائيل” على غزة، على أنه وبعد بضعة أيام من إحراق غزة خرج فريق أوباما عن صمته بإعطاء تطمينات ل”إسرائيل” في شأن الحفاظ على علاقة متميزة مع الدولة العبرية.


ورغم محاولة إصباغ المشهد الأوبامي بمسحة دبلوماسية بالحديث عن الالتزام بتحقيق السلام بين “إسرائيل” والفلسطينيين إلا أن كبير مستشاري أوباما والرجل الذي ضمن له موقع قدم داخل البيت الأبيض “ديفيد اكسلورد” كان يؤكد على حرص الرئيس الجديد على الصلة الوثيقة بين الولايات المتحدة وتل أبيب والتي وصفها بأنها حليفنا الأهم في المنطقة.


ولعل التساؤل المهم بدوره الذي يجب طرحه على ساحة النقاش هل كان الضوء الأخضر من بوش توريطا لإدارة أوباما من جهة أم أنه بالأحرى جاء كرسالة من “إسرائيل” لأوباما تحمل إنذارا مبكرا إن جاز التعبير؟


المؤكد أن عدة قرارات رئاسية أمريكية أخيرة واتفاقيات ومعاهدات عجلت بها إدارة بوش في الأشهر الماضية تعد بمثابة فخاخ منصوبة من جماعات اليمين الأمريكي الأصولي لأوباما من منطلق شهوة الانتقام التي تملكتها ولا تزال وما يتردد عن اختراقات من المحافظين الجدد لصفوف إدارة أوباما ربما يؤكد ذلك ويزيد، وبهذا يجد الرئيس القادم رغم وعوده البراقة ونواياه الإيجابية التي بدت ظاهرة على السطح يديه مغلولتين إلى عنقه فمن كارثة اقتصادية داخلية إلى مستنقع عراقي مفتوح وهزيمة تبدو في الأفق في أفغانستان وحرب مفتوحة حول العالم تحت مسمى هلامي “ الحرب على الارهاب” هذه وتلك تقلص من قدرة أوباما على المناورة والحركة وتختزل “جراته على الامل ورغبته في التغيير” على تقليل الخسائر دون تعظيم او تحقيق اية ارباح.


وعلى الجانب الآخر فإن الرسالة التحذيرية “الإسرائيلية” لأوباما ربما انطلقت في سماوات نيويورك قبل اشتعال المشهد في غزة بنحو شهر ونصف وذلك عندما ذكرت وزيرة الخارجية “الإسرائيلية” تسيبي ليفني أن “إسرائيل” ليست في حاجة إلى الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما ولا تعول عليه في محادثات السلام مع الفلسطينيين ففي اجتماع لها في اوائل نوفمبر تشرين الثاني الماضي مع احدى المنظمات اليهودية في نيويورك قالتها ليفني واضحة وصريحة “أن بلادها ليست في حاجة إلى تدخل واسع في محادثات السلام من أوباما عندما يتولى السلطة في يناير المقبل مضيفة لا نطلب منكم التدخل من فضلكم هذه عملية ثنائية لا نريد منكم أن تحاولوا سد الفجوات بيننا لا تطرحوا افكارا جديدة على الطاولة”.. ما الذي كانت تعنيه ليفني؟


قطعا كانت تشير إلى المخطط الخاص بغزة ولهذا فهي فضلت مسبقا صمت أوباما وفريقه، الامر الذي جرى بالفعل وما يمكن أن ينسحب مستقبلا على المشاركة الأمريكية في حل الصراع عبر الرحلات واللقاءات التي اثبتت التجربة فشلها الذريع وبات الامر الوحيد المحقق هو اعتماد “إسرائيل” على جيشها حتى ولو كان تسليحه أمريكيا وهذا ليس تناقض في الاتجاهات الرئيسية بل دلالة على قدرة “إسرائيل” على التلون وفقا لمصالحها ويدعمها في ذلك لوبي ضاغط وقادر على تحجيم الكونجرس الأمريكي متى أراد وتقليص قدرة البيت الأبيض على الفعل ولاسيما في ظل رئيس طاقم موظفين من نوعية رام عمانوئيل.


لماذا لا تثق “إسرائيل” في أوباما رغم أن إيهود باراك اعتبره في مقال له بتاريخ 6  11  2008 “صديقنا في البيت الأبيض”؟


يجيب “شمعون شيفر” عبر صفحات يديعوت احرونوت بالقول: الزيارة الصعبة التي فرضت على باراك أوباما للقدوم إلى “إسرائيل” في شهر يوليو/ تموز الماضي كانت مرهقة.. وهناك قال لمضيفيه “الإسرائيليين”: لن افرض عليكم شيئا، انتم تعرفون جيدا ما هو الأمر الجيد بالنسبة لكم.. وانه حال قررتم دفع العملية السياسية أنا كرئيس سأساعدكم في ذلك وسأسير معكم في هذا المسار.. ورغم ذلك  يخلص شمعون شيفر  لم ينجح أوباما في تبديد الشكوك “الإسرائيلية” حتى بعد زيارته ل”إسرائيل” وظل شخصا غير مفهوم.. لماذا؟


لأن عقلية “الدياسبورا” لا تزال هي الحاكم الرئيسي في تقدير الأشياء والشك مقدم على اليقين في جذور وأصول وعرق الرجل دون أن توفر شبهات الإسلاموفوبيا من حوله.


هل يعني ذلك إذن انه لو أرادت حكومة “إسرائيل” إحراق أو إغراق غزة في اليم كما كان يتطلع رابين من قبل فإن أوباما سيوافق على أساس أن هذا هو ما ترى “إسرائيل” أنه “أمر جيد بالنسبة لها”؟


ويقول “شيفر” في نهاية مداخلته إن رؤساء الوزراء “الإسرائيليين” سيجدون في عهد أوباما أيضا سبلا للوصول إلى البيت الأبيض من خلال أولئك اليهود المقربين من الرئيس الأمريكي تذكروا هذه الأسماء أيها القراء: لستر كراون، جيمس جراون، ل. روزنبرغ، آلان سولو، دان شابيرو، هؤلاء هم ثلة من اليهود الذين يسيرون مع أوباما منذ بداية عهده في السياسة وكذلك رام عمانوئيل رئيس طاقم موظفي البيت الأبيض، وكلهم سيكونون هناك في اليوم الذي سيحاول فيه رئيس وزراء “إسرائيل” إقناع الرئيس بأن سياسته قد تشكل خطرا على أمنها.


عام 1819 قال الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت جون ادامز في أول تصريح مؤيد للصهيونية “أتمنى حقيقة لليهود في يهودا دولة مستقلة مجددا” وقبل ثلاثة عقود من قيام “إسرائيل” أضاف الرئيس تيودور روزفلت “يبدو لي انه من المناسب قيام دولة صهيونية في القدس”.


ترى ما الذي سيضيفه أوباما لتلك التصريحات في ظل الثلة اليهودية التي تحيطه في البيت الأبيض وفي وجود نائب “جوزيف بايدن” عرف بأنه ليس في مجلس الشيوخ الأمريكي من هو أكثر صداقة ل”إسرائيل” منه؟


هل ننتظر أن تمتد “محرقة القرن الحديث” خارج غزة لتطال دولا عربية وإسلامية إقليمية أخرى؟


emileamen@yahoo.com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008