رأي ودراسات

البحـــث

    
حل الدولتين وتفاصيل الشيطان آخر تحديث:الجمعة ,23/07/2010

الحسين الزاوي

إن حل الدولتين الذي تحدث عنه الساسة الأمريكيون منذ سنوات خلت، بات يدعو إلى التوجّس والشك أكثر مما يُساعد على التفاؤل بمستقبل واعد لمسار العملية السلمية في منطقة الشرق الأوسط، فحديث الطرف الأمريكي عن حل الدولتين يتزامن في العادة مع سلسلة جديدة من الإجراءات “الإسرائيلية” التي تقوِّي فعلياً من الدولة المغتصِبة، وتقوِّض عملياً إمكانات قيام دولة على الأراضي المغتَصَبة . والواقع أن الكثير من المتتبعين لا يفهمون جيداً “الحكمة” الدبلوماسية من وراء استخدام مصطلح حل الدولتين؛ لأن المرجعية الدولية التي تتم الإحالة إليها والمتمثلة في قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، أفضى إلى قيام دولة “إسرائيل” بشكل فوري، كما أسفر القرار نفسه عن احتضان دولي منقطع النظير لهذا الكيان الهجين، فقد سارعت الدول الغربية إلى الاعتراف بهذا المولود الجديد، ودعمته في كل حروبه التي خاضها مع جيرانه العرب . وعليه فإن نيّات السلام لو صدقت فعلاً لتركَّز الحديث فعلاً عن حل الدولة، وليس عن حل الدولتين، مادام العالم برمته يعرف جيداً أن حل الدولتين السابق، أفضى إلى احتلال دولة وليدة لدولة أخرى كان يُفترض أن تُولد معها جنباً إلى جنب .


لكن السياسة الغربية القائمة على حرب الاصطلاحات والدلالات تجعلنا نعرف أن الحديث عن حل الدولتين يحمل في طياته اعترافاً ساطعاً، بأن القوة لا تكفي لكي تصنع واقعاً حقيقياً على الأرض، وأن الدولة التي سمحت لنفسها أن تبتلع دولة كان يُفترض أن تكون صنوا لها، تبحث الآن عن اعتراف من ضحيتها بوجودها الحقيقي، لأن الكيان الصهيوني زُرِع فوق محيط عربي لا يقبل بسياسة الأمر الواقع . وبالتالي فإن السياسة الأمريكية حينما تتحدث عن حل الدولتين فإنها تريد في المقابل أن تحوِّل الوجود الصهيوني من وجود بالقوة بحسب التعبير الفلسفي، أي وجود افتراضي قائم على القوة المادية الغاشمة، إلى وجود بالفعل؛ ليتضح من وراء ذلك أن الحديث عن حل الدولتين هو حديث عن التطبيع وليس عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة . وعندما يتحقق الاعتراف بالدولة “الإسرائيلية” في محيطها العربي، فإن الدولة الأخرى قد تكون امتداداً لدول أخرى في المنطقة، مثلما يمكنها أن تكون كياناً اقتصادياً واجتماعياً مفتعلاً لا يملك هوية سياسية حقيقية . ف”إسرائيل” لا تريد دولة فلسطينية وفق مقاييس قانونية ودولية متعارف عليها، إذ لا مجال للحديث عن دولة فلسطينية قادرة على التحكم في حدودها ومعابرها وأجوائها ومياهها الإقليمية، ولا إمكانية أيضا لقيام كيان فلسطيني يملك جيشاً وطنياً مسلحاً وفق الآليات التي تقوم عليها الجيوش النظامية في الدول المستقلة، وليس من حق هذه الدولة أن تختار عاصمتها، خاصة أن “إسرائيل” ترفض تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام، وترى أن الحديث عن تسوية تعتمد على حدود ،67 هو حل غير “واقعي” وغير “عملي” . ومن ثم فإن الحلول الترقيعية التي تقترحها على الجانب الفلسطيني، هي حلول تريد أن تكسب من ورائها وقتاً ثميناً هي في أمسّ الحاجة إليه، حتى توطِّد حضورها الرمزي في مخيلة الأجيال العربية التي لم تعايش مأساة النكبة، ويصبح بذلك التطبيع التدريجي بديلاً فعالاً، وأقل كلفة من التطبيع الفوري والمباشر، الذي لا تريد “إسرائيل” الحصول عليه من خلال الاستجابة إلى شروط السلام العادل والشامل . فالكيان الذي قام على عقيدة الحرب والعدوان لا يمكنه أن يتحول إلى كيان سلام، لأن ذلك من شأنه أن يقضي على أسس وهوية دولة عنصرية تريد من العالم أن يعترف بطابعها اليهودي الصرف، في مرحلة تسعى فيها كل دول العالم إلى تأسيس مجتمعات متعددة الأعراق قائمة على التسامح والقبول بالاختلاف، من أجل وأد الفتن وتجاوز مرحلة الحروب القائمة على التمييز العرقي والطائفي .


لقد استبدلت الإدارة الأمريكية بالحلم الفلسطيني المتطلِّع إلى تحقيق دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف، بلاغة سياسة عنوانها الرئيس حل الدولتين وفق معادلة ثنائية تحمل مجهولاً واحداً، يتمثل في هوية الدولة الثانية، التي يراد لها أن تعيش جنباً إلى جنب مع الدولة “الإسرائيلية” التي تسعى إلى أن تحصل على اعتراف مجاني بوجودها من طرف جيرانها . وبين حل الدولة أو حل الدولتين يظل الحلم الفلسطيني يقطع مسافات الآتي، حتى يمكنه أن يتعرَّف إلى ملامح الدولة الثانية التي يزداد مصيرها غموضاً كلما غاص الطرف الفلسطيني في مسلسل جديد من المفاوضات لا يعرف جيداً مآلها ولا خواتمها . لأنه يُجبر في كل مرة على الدخول في مرحلة مفاوضات يجد نفسه غير قادر على حسم أجندتها وسقفها الزمني . فالمسألة هي أبعد عن أن تكون تحصيل حاصل، لأن الطرف الأمريكي يعرف جيداً مشهد حل الدولة الواحدة، ولا يكاد يعرف عن حل الدولتين إلا بعض التصورات الغامضة التي يلعب بتفاصيلها الكثيرة شياطين اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية . فنحن لم نسمع حتى الآن أن الإدارة الأمريكية مستعدة للاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس؛ بل وترفض في المقابل أي تحرك سياسي فلسطيني يسعى إلى تجاوز مرحلة المفاوضات العبثية، والتوجه إلى الأمم المتحدة، من أجل انتزاع اعتراف دولي لا لبس فيه من أجل إعلان قيام الدولة الفلسطينية، وصولاً إلى إجبار “إسرائيل” على الرضوخ إلى قرارات الشرعية الدولية . لأنه إذا كان حل الدولتين يمرّ عبر الأبواب الأمريكية التي تملك “إسرائيل” مفاتيحها السحرية، فإن حلم الدولة الفلسطينية يمرّ عبر بوابة النضال الوطني المستند إلى قرارات الشرعية الدولية .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

07/02/2012
العرب والأمم المتحدة

30/01/2012
الربيع العربي وحقوق الإنسان

17/01/2012
ليبيا ودولة القانون

03/01/2012
الليبرالية العربية والوعي الديمقراطي

24/12/2011
العراق الجديد والولاءات القديمة

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008