رأي ودراسات

البحـــث

    
سوزان رايس والعرب في الأمم المتحدة آخر تحديث:الثلاثاء ,10/02/2009

إميل أمين

 


هل الأسوأ ينتظر العرب في الأمم المتحدة سيما في وجود المندوبة الأمريكية الجديدة هناك سوزان رايس؟


في الجلسة التي عقدتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي للتصديق على رايس التي اختارها الرئيس أوباما لتشغل مقعد بلاده في الأمم المتحدة كانت الصاعقة الأحدث، إذ اعتبرت “أن “إسرائيل” تلقى معاملة غير منصفة في الأمم المتحدة، وأن الكثير من الدول تحاول استخدام الأمم المتحدة لإدانة حليفتنا “إسرائيل” بقصد وبشكل غير منصف”. وتضيف في الجلسة التي لم تخل من أعضاء يهود بمجلس الشيوخ الأمريكي: “إن هذه الأخطاء والأفعال المخيبة للآمال داخل الأمم المتحدة متجذرة في إمكاناتها على العمل كمحرك للتقدم وإنه عندما تتم إعاقة تحرك فعال ومبدئي للأمم المتحدة فإن إحباطنا يتضاعف بالطبع”... لماذا أطلقت رايس هذا التصريح؟


الواقع أنه جاء لانتقاد قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والذي أدان العدوان “الإسرائيلي” على غزة.


المندوبة الأمريكية الجديدة في الأمم المتحدة ترى إذن أن مجرد قرار المجلس المذكور هو معاملة غير منصفة ل “إسرائيل” داخل البيت الزجاجي كما وصفه الأمين العام الأسبق بطرس غالي، أما قنابل الفوسفور التي جعلت من غزة هولوكوست جديداً حقيقياً فشأن لا يزعجها من قريب أو بعيد.. والتساؤل هل من دلالة لهذا التصريح المبكر؟


بلا شك نستطيع بداية الإشارة إلى إرهاصات الدور الذي ستقوم به رايس على صعيد التعامل مع المؤسسة الأممية، وقد ألمحت إلى ذلك بقولها “سنضاعف جهودنا لضمان أن تكون الأمم المتحدة على مستوى مبادئ تأسيسها” وهي عبارة مبهمة في ظل دعوات أمريكية عدة لإقامة كيان جديد للدول الديمقراطية كبديل عن المؤسسة الدولية بشكلها الحالي.


على أن الأخطر في دلالات تصريحاتها يرتبط ب “إسرائيل” وخططها وحروبها القادمة، وكيف ستجد في رايس داخل الأمم المتحدة غطاء دبلوماسياً واقياً وغير مسبوق.. ماذا يعني هذا الحديث؟


قبل الجواب يجدر بنا التطلع إلى شخص ومواصفات المندوبة الجديدة ومدى اتساق تركيبتها الايديولوجية مع عبارات أوباما المنمقة لسياساته التصالحية حول العالم.


تعد سوزان رايس ربما امتداداً فكرياً وعرقياً لكوندوليزا رايس حيث تخرجت في جامعة ستانفورد مثلها وحصلت على درجة الدكتوراه في العام 1990 في العلاقات الدولية متخصصة في الشأن الإفريقي، ولذلك عرفت بأنها المفتاح الأمريكي الجديد لإفريقيا وبخاصة في مواجهة الزحفين الصيني والروسي على القارة السمراء.


ومسيرة سوزان رايس الفعلية بدأت في العام 1988 مع حملة الانتخابات الرئاسية لمايكل دوكاكيس مرشح الحزب الديمقراطي وقتها، ولاحقاً خدمت في مناصب عليا عدة منها مجلس الأمن القومي ما بين عامي 1993 إلى 1997 ولاحقاً كمساعدة لوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت في إدارة كلينتون الثانية للشؤون الإفريقية. وقبل شغل رايس منصبها ككبيرة مستشاري المرشح الديمقراطي باراك أوباما للسياسة الخارجية كانت رايس تحتل منصب كبير باحثي معهد بروكينجز أحد أهم مراكز الفكر الأمريكية والذي تأسس عام (1916).. هل تعني علاقة رايس بهذا المعهد شيئاً ما يدلل على خلفياتها الايديولوجية؟


الشاهد وباختصار غير مخل هو أن وظيفة هذا المعهد قد تغيرت بشكل أساسي عما ذهب إليه المؤسس “روبرت كينجز” بشكل أساسي من تركيز مؤسسته على تقديم الأفكار من دون أي غطاء ايديولوجي، ذلك لأن شواهد الأحداث تدلل على أن النصائح والتوصيات التي صدرت عنه ومنذ فترة طويلة تزيت بزي عقائدي نمطي.


في هذا الإطار يقر “ستروب تالبوت” مدير المعهد بأن الأفكار التي خرجت من بروكينجز قد لعبت دوراً مهماً وأساسياً في التعبئة من أجل الحربين العالميتين الأولى والثانية وإنشاء عملية الميزانية للحكومة الفيدرالية ونظام الخدمات المدنية، كما أنه هو من أوحى بتبني سياسة العقوبات للتأثير في الدول التي اصطلح على تسميتها ب “المارقة”، وكان وراء تأسيس مجلس الأمن القومي الأمريكي وتشكيلات الدفاع والسياسة الخارجية وتطوير وصياغة سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي”.


هذه هي الخلفية التي تجيء منها سوزان رايس، ولهذا لم يكن غريباً أن تكون في مقدمة الكتيبة الساعية للتدخل العسكري الأمريكي أو الغربي تحت لواء الناتو في دارفور حيث تصر على أن ما يجري هناك هو إبادة جماعية، فيما أشارت “النيوزويك” الأمريكية إلى أخطائها السابقة ومن بينها موقفها المساند للهجوم على زائير من رواندا المجاورة لإسقاط نظام الرئيس موبوتوسيسي سيكو عام 1997.


وعودة للتساؤل المعلق، ماذا عن خدمات رايس القادمة ل “إسرائيل” في ضوء إشفاقها الذي لم توفره على الدولة العبرية التي تتعرض للظلم من بقية دول الأمم المتحدة حسب ادعاءاتها؟


أفضل قراءة نجدها في ثنايا تقرير الاستراتيجية “الإسرائيلية” عام 2009 والذي تحتل فيه الحروب مساحة أعرض كالمعتاد من أي أحاديث عن السلام، فمؤخراً قدمت المنظومة الأمنية “الإسرائيلية” تقويمها وتوصياتها في مجالي السياسة الخارجية والأمن وتضمنت توصيات للتعاون مع الولايات المتحدة لمنع التوصل إلى اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران يضر بالمصالح “الإسرائيلية”، وفي الوقت نفسه الاستعداد سراً لضرب إيران، سيما وأن “إسرائيل” قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة إيران النووية بعد انهيار السلطة الفلسطينية وتراجع فكرة دولتين لشعبين.


والشاهد كذلك أن سوزان رايس تؤكد وبشدة أنها ستعمل لحشد دعم المجتمع الدولي من أجل الحيلولة دون إنتاج إيران أسلحة نووية في إطار رئاسة أوباما الجديدة.


على أن الأكثر إثارة في مشهد “رايس الثانية” هو أن أوباما ربما يجد نفسه مديناً في جزء بالغ من نجاحاته لها، ولهذا رفعها إلى مرتبة وزيرة ما يؤشر إلى أنها تنوي أن تستغل نفوذها لديه لتؤدي دوراً أكبر من المألوف بالنسبة إلى المندوبين الأمريكيين السابقين لدى الأمم المتحدة، وكان أوباما قد أعلن عند ترشيحه لها أنه يريد أن تؤدي دوراً أكثر أهمية في السياسة الخارجية مما كان يؤديه المندوبون السابقون.


والتساؤل هل هو دور أكبر في دعم وخدمة “إسرائيل” على حساب بقية شعوب المنطقة العربية؟ يكتب البروفيسور “مارك جوبن” أستاذ دراسات الأديان العالمية بجامعة ميسون بواشنطن عبر صفحات “الكرستيان ساينس مونيتور” مؤخرا يقول: “هل جعلت تصرفاتنا “إسرائيل” أكثر أمناً؟ وهل تعكس هذه التصرفات مساندة ل “إسرائيل”؟” ويجيب عن تساؤله بالقول: “سوف يقول السياسيون الأمريكيون في نهاية المطاف ويفعلون ما يخبرهم به دعاة التأثير الأكثر فعالية فيما يتعلق ب “إسرائيل”، وهذا يعود لينعكس على الشعب الأمريكي وصوته”.


والتوصية النهائية لديه هي أنه “يتوجب على الشعب الأمريكي أن يقرر ماذا يعني أن يكون مناصراً ل “إسرائيل” أو معادياً لها، واضعاً خطوطاً فاصلة بين العدالة والإجحاف، بين الحقوق والمظالم، وما بين البربرية في غزة والإنسانية المنشودة”.


وإلى أن يقرر الأمريكيون ذلك يتبقى على العرب تهيئة أنفسهم للأسوأ القادم من إنصاف رايس الجديدة ل “إسرائيل” “غير المنصفة” في الأمم المتحدة.


emileamen@yaho.com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

16/05/2010
رئيس في وجه العاصفة

06/05/2010
الإعلام العربي في مواجهة المكارثية الأمريكية

23/04/2010
واشنطن واسلحة بريجنسكي غير المرئية

15/04/2010
أوباما والطريق إلى دالاس - اوزوالد جديد

06/04/2010
أوباما وكابول والشرق الأوسط الجديد

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008