سلوكيات كثيرة أفرزتها زحمة الحياة، نراها في كل زمان ومكان، نعجب من بعضها، ونضحك على الآخر، وفي داخلنا رفض للكثير منها، ودهشة واستغراب من سبب انتشارها . هذا يكمل ارتداء ثيابه في المصعد ويضبط حزامه ويمسك بساعته حتى يأتي دورها، وتلك تطارد ابنتها بكوب الحليب وقت انتظار الحافلة المدرسية، إذ لم يتسع الوقت لشربه في المنزل، وطفل يكمل واجبه المدرسي على عتبات البناية قبل وصول حافلته إذ لم يكفه اليوم السابق لإكماله، وأمور أخرى غريبة نوعا ما تحدث بشكل يومي بلا وعي منا . تحدثنا مع البعض حول التصرفات الغريبة وليدة زحمة الحياة وتعرفنا الى الكثير منها وتأثيرها السلبي فينا وفي الآخرين .
هديل وائل خليل، -سنة رابعة علم اجتماع بجامعة الشارقة- تؤكد أن هناك تصرفات غريبة نراها في كل مكان، وتقول: أستغرب رؤية بعض الطالبات يقمن بترتيب أغراضهن ووضعها في الحقيبة قبل انتهاء المحاضرة، وكأن الوقت لن يتسع لذلك بعد انتهائها، كما تقوم الكثيرات منهن بتركيز أعينهن على “البلاك بيري” وتبادل الرسائل النصية والالكترونية وهن يقطعن الشارع داخل الجامعة وينتقلن من مبنى لآخر وكأنهن سيدات أعمال، وهذا يمثل خطورة كبيرة عليهن، كما أرى بعض الأشخاص يكملون ارتداء ثيابهم كالمعاطف وساعاتهم ويربطون أحذيتهم في المصاعد وعلى أبواب البنايات، كما تقوم فتيات كثيرات بإكمال وضع الماكياج في السيارة أو المصعد أو في حمامات الجامعة أو الأماكن العامة، وأستغرب عدم وجود وقت لكل ذلك في منازلهم .
وتؤكد هديل أن بعض تلك التصرفات يكون خطرا، وتقول: كنت أذهب إلى المدرسة بصحبة جارتي التي كانت توصلنا مع ابنتها كل صباح، وكنت أخاف كثيرا لأنها كانت تساعد ابنتها على ارتداء المعطف وترتيب مظهرها وغيره في السيارة، وكان من الممكن أن يتسبب انشغالها في حادث مروري .
وتضيف: إلى جانب الخطورة فهناك تصرفات تسبب الإحراج، فهناك فتيات كثيرات يقمن بضبط حجاباتهن أو وضع الماكياج في المصاعد ولا ينتبهن لدخول أحد الأشخاص في ذلك الوقت .
وتستعجب عناية ماجد، ربة منزل، مما تراه كل صباح حين تقف مع ابنتها بانتظار الحافلة المدرسية، إذ تشاهد طلابا كثيرين يركضون نحو حافلاتهم المدرسية وهم في عجلة من أمرهم وغالبا ما يفقدون السيطرة على حقائبهم وعلب الطعام ليسقط الكثير منها على الأرض . وتقول: كيف يستطيعون إكمال يومهم الدراسي وقد بدؤوه بهذا السلوك السيئ، وما يدهشني أن هذا الأمر يتكرر كل صباح من مجموعة معينة من الطلاب، أين أمهاتهم؟ ولماذا لا يستيقظون قبل قدوم حافلتهم بوقت مناسب، وهل يجدون الوقت لتناول فطورهم أم يذهبون لمدارسهم بلا فطور، وتضيف: أكثر ما يشغلني أن هؤلاء الطلاب سيكرهون المدرسة مع مرور الوقت لأنهم سيشعرون بأنها عبء عليهم، وأنها تتسبب لهم بمواقف محرجة . وعن بعض التصرفات الأخرى الناتجة عن زحمة الحياة تقول: هناك أشخاص كثر لا تحلو لهم كتابة الرسائل النصية إلا وهم يقودون السيارات، والمشكلة أن الرسالة النصية تحتاج لتركيز من النظر على الحروف، وهنا أستغرب من قدراتهم على القيادة والكتابة بنفس الوقت، وأستغرب أكثر من الفوضى التي يعيشون بها، فهل تنتهي الدنيا إذا لم ترسل تلك الرسالة في ذلك الوقت .
خولة محمد النقبي، مديرة مدرسة أم رومان بنت عامر بالشارقة، تؤكد أن زحمة الحياة ألقت بظلالها على العلاقات الأسرية والاجتماعية، لتفقد الأسرة الواحدة التواصل . وتقول: في ظل عمل الأم والأب واختلاف أوقات الدوام، أصبح من الصعب أن يتابع الآباء أبناءهم باستمرار، ما يؤدي لانخفاض معدلات الطلاب، ولم يقتصر تأثير هذه الزحمة على المعدلات بل تعداه حتى وصل للتأثير السلبي في صحتهم، فنسبة كبيرة من طالبات المدارس تعاني فقر الدم، وذلك يعود لعدم وجود الوقت لتناول وجبة الإفطار التي تعد أهم وجبة في اليوم، وعدد كبير من الأهالي لا يمتلك ثقافة الحفاظ على الوقت، وثقافة النوم والاستيقاظ المبكرين . ما يضطر الطلاب والطالبات للاستعجال الذي يأتي على حساب وجبة الإفطار، والمزاج السيئ الذي يرافقهم طوال النهار . وتضيف: نحن بحاجة لزيادة وعي الأهالي بأهمية الوقت، وضرورة تنظيمه، ورغم ضغوطات الحياة إلا أننا لو وضعنا خطة وحددنا فيها أهدافنا وما يجب علينا القيام به سنجد أننا نتحكم بشكل أفضل ونتعامل مع تلك الضغوطات براحة ما يؤثر إيجابا في الجانبين النفسي والصحي، وتؤكد أن هناك مواقف كثيرة تجعل الإنسان يلاحظ أن زحمة الحياة سيطرت علينا بشكل كبير وأفقدتنا التركيز على أولوياتنا ومن تلك المواقف تقول: مع زحمة الحياة نسيت إحدى الطالبات موعد امتحان نصف السنة وإحدى المواد، وتغيبت عنه وطلبت إعادته اليوم التالي، ما يعني أن الانشغالات الأخرى للطالبة وان عدم المتابعة من أهلها أفقداها شيئاً مهماً قد يؤثر في مستقبلها سلباً .
ويرى بسام مرهون، مندوب مبيعات مستحضرات العناية بالشعر، أن تصرفات كثيرة قد ينتج عنها أضرار كبيرة، مؤكداً أن هناك حوادث مرورية كانت وليدة انشغال الأم أو الأب بأشياء أخرى كتناول الطعام بالسيارة أو الاتصال بأحد الأشخاص أو إرسال رسائل نصية أو محاولة التعرف إلى الوجهة من خلال متابعة الخريطة والقيادة في نفس الوقت . ويقول: عادة ما يكون هناك أطفال في السيارة ويكونون ضحية عدم وعي الأهل بمخاطر الانشغال عن القيادة بأمر آخر، ويتساءل: ألم يجد ذلك الأب أو الأم فرصة أخرى لتناول الطعام إلا في السيارة؟ وهل يستمتعان بذلك، وكيف يذهب أحدهم لمكان لا يعرف موقعه بالضبط قبل ركوب سيارته؟ ويضيف: تنظيم الوقت هو الحل الأمثل للانشغالات الكثيرة وضيق الوقت، ففي حين تشكو أمهات عاملات كثيرات من عدم قدرتهن على القيام بجميع واجباتهن، إلا أن نسبة كبيرة منهن يقضين وقتا طويلا أمام التلفزيون أو في الحديث في الهاتف، والأمر نفسه بالنسبة للرجال الذين يسهرون لوقت متأخر من الليل، ويتأخرون في الاستيقاظ في اليوم التالي ليحولوا المصاعد إلى غرف يكملون أمام مراياها ارتداء ثيابهم، وسياراتهم إلى مطاعم يشربون القهوة ويتناولون الساندويتشات فيها . يحزنني منظر الطلاب جالسين على عتبات بناياتهم يؤدون واجباتهم المدرسية لأن الوقت لم يكفهم في منازلهم لحلها، ولا أعرف ما الانشغالات الأخرى في حياتهما .
أكد فيصل السلمان، سنة سادسة طب بجامعة الشارقة، أن زحمة الحياة وكثرة الانشغالات تفرض أمورا وسلوكيات معينة، وبقياس الأمر على نفسه يقول: أنا طالب جامعي تمتد محاضراتي حتى الساعة الخامسة عصرا، وحين أعود للمنزل أذاكر وأحاول أن أقضي بعض الوقت مع عائلتي، لأجد الوقت مر بسرعة وانتصف الليل، فلا أنام قبل الواحدة صباحاً لأستيقظ في اليوم التالي في السابعة صباحا، وأرتدي ثيابي وأصطحب قهوتي وإفطاري لأتناولهما بالسيارة، ولكني أحرص في الوقت نفسه على القيادة الآمنة . ويضيف: الخطورة الأكبر تكمن في كتابة الرسائل النصية في السيارة، وأي سيارة تنحاز عن الخط الذي تسير فيه لابد أن يكون صاحبها يعبث بهاتفه ويرسل الرسائل وغيرها، فحوادث كثيرة كان الهاتف سببها، وعن السلوكيات والعادات التي افرزتها زحمة الحياة يقول: أصبحت احتفظ بعطر وساعة في السيارة لأستخدمهما حين أنسى ساعتي أو التعطر في المنزل، كما أحتفظ بأقلام ودفاتر في السيارة حتى تكون بديلاً عما أنساه في المنزل من كثرة انشغالاتي، ولاحظت بعض الطلاب يقومون بتنظيف أسنانهم حين يصلون للجامعة .
السلوكيات الناتجة عن زحام الحياة تؤثر سلباً في الصحة العامة، كما تؤكد د . رانيا الحلواني، اختصاصية التغذية بمركز ميدغيت الطبي، وتقول في عصر السرعة الذي نعيش فيه تكثر المشاكل التي تتعلق بالتغذية كالسمنة وزيادة الوزن والإصابة بالعديد من الأمراض التي لم تعد حكرًا على عمر أو فئة .
وتضيف: نعاني في الإمارات من الإصابة بمرض السكري بشكل كبير إذ سجلت الإحصاءات وجود ثانية أعلى نسبة إصابة بالسكري في العالم في الدولة، بسبب قلة الحركة والعادات الغذائية الخاطئة .
وعن نمط الحياة الصحي والسليم تقول: يعتمد هذا النمط بشكل مباشر على العادات الغذائية وليس على نوع الأكل بشكل خاص، فليس هناك نوع من الطعام قد يضر بالصحة عند تناوله بين حين وآخر ولكن المشكلة تكون عند تناوله باستمرار بحيث تصبح عادة غذائية سيئة . وتضيف: بسبب نمط الحياة السريع نرى أشخاصاً كثراً لا يتناولون وجبة الإفطار التي تعد أهم وجبة في اليوم حسب جميع الدراسات، فقد ثبت بأنها تؤثر في نسبة الذكاء ونوعية الأداء لدى طلاب المدارس، كما أنها الحل الأمثل للأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن، فهذه الوجبة تساعد على رفع معدل الحرق في الجسم . وعن الوجبة الغذائية تقول: لم يعد للوجبة الغذائية هيبتها في يومنا هذا فأشخاص كثر يتناولونها وهم يقودون سياراتهم أو يشاهدون التلفاز أو يجلسون أمام شاشات الكمبيوتر بحيث لا يدركون كمية الغذاء المتناول ونوعيته، ولذا يجب علينا تخصيص 20 دقيقة على الأقل لتناول الوجبة الرئيسية والاستمتاع بمذاق الطعام ولونه ورائحته، وبالتالي يهضم الطعام بشكل صحي ويشبع حاجات الدماغ .
لقاء بلا روح
حصة سلطان النعيمي، استشارية أسرية ومديرة القسم النسائي بجمعية الإرشاد الاجتماعي بعجمان، ترى أن زحمة الحياة أثرت في العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة سلباً، كما طال تأثيرها السلبي العلاقات بين الأصدقاء والمعارف . وتقول: تأثرت أيضاً جودة التواصل، فالوقت الذي من المفروض أن تستمتع به الأم بصحبة ابنتها أصبح وقتاً تقضيه معها لمجرد الواجب، ليفقد بذلك أي روح، فلا وجود للحنان ولا للقيم التي من الممكن أن تستمدها البنت من أمها، كما أن الكثير من الأمهات لا يجدن الوقت الكافي للإجابة عن أسئلة أبنائهن ويستهزئن بها في كثير من الأحيان ما يؤثر سلباً في الأبناء، وتؤكد أنه يجب أن يكون هناك تنظيم أكثر بمؤسسة الأسرة وقوانين تحكم تصرفاتنا بشرط أن تكون مدعومة بالحب والانفتاح وتقبل الآراء ومناقشتها بكل وعي .
وتضيف: ألاحظ أن الكثيرين يفقدون تركيزهم في زحمة الحياة والانشغالات الكثيرة، وعلى هؤلاء الانتباه لأن التركيز أهم أساسيات النجاح .