رأي ودراسات

البحـــث

    
لزوم ما يلزم
نفاق الإنفاق آخر تحديث:الخميس ,02/09/2010

عبداللطيف الزبيدي

تستحق السيدة هيلاري دخول موسوعة غينيس في الثرثرة ذات الوجوه . فخطبتها العصماء في شأن “مبادرة الصحة العالمية” طافحة بفن تغليف الأشواك بريش النعام والطواويس . سبع عشرة صفحة خلاصتها الخافية: سنسحب مساعدات مرضى العالم الثالث وننفقها في دراسة أمراضهم . هكذا الشرف الأكاديميّ وإلا فلا .


لم تعد الإمبراطورية قادرة على بسط اليد، فللأزمة المالية أحكامها . والذريعة التأويليّة حاضرة: خدمة العلم، الذي سيخدم الإنسانية، ولو بأرواح الضحايا . تمنيت أن يسعف الذكاء السيدة هيلاري، فتلقي باللائمة والتوبيخ على دول العالم الثالث التي تتلقى المساعدات، فتبتلعها الوحوش . حينئذ تقول الشعوب: صدقت وهم من الكاذبين .


“مبادرة الصحة العالمية” التي تحتاج إلى كل هذا التطبيل والتزمير والمكياج واللف والدوران، لتحويل الضبع إلى ظبي أحور، مسألة في غاية البساطة . تخيّلوا مجموعة من المرضى يعانون تشكيلة لا تحصى أدواؤها، وبدلاً من أن يسهر الأطباء على علاجهم، ينشئون مختبراً فائق الحداثة والتطوّر، وإلى جانبه مركز بحوث ودراسات في علم الأمراض . يتابع الأطباء حالات المرضى لحظة بلحظة، ويمدّون المختبر والمركز بكل جديد . والمساكين مجرّد مصادر “معلوم مات” .


لا أخفي أنني أتشاءم من أيّ شعار أو مسمّى أو مشروع ترد فيه كلمة “غلو بال”، حتى وإن كنت أنظر إليها على أنها “غُلُو بالٍ”، وهي تعني عندي الطامّة الكبرى . حتى أن عبارة “غلوبال وورمينغ” لا تعبر بلعوم دماغي، وتقف عند “غلوبال وور” أي الحرب العالمية، تماماً كمرادفتها “وورلد وور” .


هي ذي مجالات نفاق الإنفاق مستقبلاً: تحسين الأنظمة الصحية واستمراريتها . وضع أساليب أفضل لجمع المعلومات والمراقبة والتقويم، ودعم التزام المنظمات والشركاء في الصحة العالمية والقطاع الخاص . تزداد هذه العبارات غموضاً وقابليّة للتأويل، حين ندرك أنها تنضوي كلها تحت مصطلح أشد إبهاماً: القوّة الناعمة . يا ناعماً . أمّا ما يهمّ المساكين في العالم الثالث، فهو أن هذه المتاهة هي أقصر المسالك إلى تقليص الإنفاق بذرّ الرّماد في العيون، في سبيل تحسين صورة الولايات المتحدة .


القارىء في غنى عن السؤال: ماذا فعلت هذه الطيبة وهذا الحنان لمرضى العراق ومعوّقيه والأطفال المشوّهين في الفلّوجة؟ وأيّ جهد بذلته لضحايا طوفان باكستان التي والتي انعكست الصورة . فبدلاً من أن نعالج المرضى ويتطور الطب، نجعل الآدميين فئران مختبرات لنعرف كيف تفتك الأمراض بالناس . “ومن العلم ما قتل” . على المنكوب أن يردّد مع “طرفة بن العبد” في انتظار بركات المبادرة:


فإن كنت لا تسطيع دفع منيّتي


فدعني أبادرها بما ملكت يدي


abuzzabaed@gmail.com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

09/02/2012
قدماء الثوار على الشعر

08/02/2012
الشعر والنحلة

07/02/2012
تداعي دار الأمم

06/02/2012
حقارات إزاء الحضارات

05/02/2012
مستهدفة وربّ الكعبة

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008