تستحق السيدة هيلاري دخول موسوعة غينيس في الثرثرة ذات الوجوه . فخطبتها العصماء في شأن “مبادرة الصحة العالمية” طافحة بفن تغليف الأشواك بريش النعام والطواويس . سبع عشرة صفحة خلاصتها الخافية: سنسحب مساعدات مرضى العالم الثالث وننفقها في دراسة أمراضهم . هكذا الشرف الأكاديميّ وإلا فلا .
لم تعد الإمبراطورية قادرة على بسط اليد، فللأزمة المالية أحكامها . والذريعة التأويليّة حاضرة: خدمة العلم، الذي سيخدم الإنسانية، ولو بأرواح الضحايا . تمنيت أن يسعف الذكاء السيدة هيلاري، فتلقي باللائمة والتوبيخ على دول العالم الثالث التي تتلقى المساعدات، فتبتلعها الوحوش . حينئذ تقول الشعوب: صدقت وهم من الكاذبين .
“مبادرة الصحة العالمية” التي تحتاج إلى كل هذا التطبيل والتزمير والمكياج واللف والدوران، لتحويل الضبع إلى ظبي أحور، مسألة في غاية البساطة . تخيّلوا مجموعة من المرضى يعانون تشكيلة لا تحصى أدواؤها، وبدلاً من أن يسهر الأطباء على علاجهم، ينشئون مختبراً فائق الحداثة والتطوّر، وإلى جانبه مركز بحوث ودراسات في علم الأمراض . يتابع الأطباء حالات المرضى لحظة بلحظة، ويمدّون المختبر والمركز بكل جديد . والمساكين مجرّد مصادر “معلوم مات” .
لا أخفي أنني أتشاءم من أيّ شعار أو مسمّى أو مشروع ترد فيه كلمة “غلو بال”، حتى وإن كنت أنظر إليها على أنها “غُلُو بالٍ”، وهي تعني عندي الطامّة الكبرى . حتى أن عبارة “غلوبال وورمينغ” لا تعبر بلعوم دماغي، وتقف عند “غلوبال وور” أي الحرب العالمية، تماماً كمرادفتها “وورلد وور” .
هي ذي مجالات نفاق الإنفاق مستقبلاً: تحسين الأنظمة الصحية واستمراريتها . وضع أساليب أفضل لجمع المعلومات والمراقبة والتقويم، ودعم التزام المنظمات والشركاء في الصحة العالمية والقطاع الخاص . تزداد هذه العبارات غموضاً وقابليّة للتأويل، حين ندرك أنها تنضوي كلها تحت مصطلح أشد إبهاماً: القوّة الناعمة . يا ناعماً . أمّا ما يهمّ المساكين في العالم الثالث، فهو أن هذه المتاهة هي أقصر المسالك إلى تقليص الإنفاق بذرّ الرّماد في العيون، في سبيل تحسين صورة الولايات المتحدة .
القارىء في غنى عن السؤال: ماذا فعلت هذه الطيبة وهذا الحنان لمرضى العراق ومعوّقيه والأطفال المشوّهين في الفلّوجة؟ وأيّ جهد بذلته لضحايا طوفان باكستان التي والتي انعكست الصورة . فبدلاً من أن نعالج المرضى ويتطور الطب، نجعل الآدميين فئران مختبرات لنعرف كيف تفتك الأمراض بالناس . “ومن العلم ما قتل” . على المنكوب أن يردّد مع “طرفة بن العبد” في انتظار بركات المبادرة:
فإن كنت لا تسطيع دفع منيّتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي
abuzzabaed@gmail.com