في إطار المشهد الموسيقي والغنائي العربي المعروف بالتردي والانحدار، تظل التجربة الموسيقية لزياد الرحباني منطقة مضيئة في سواد الغث المهيمن، ليس الوعي السياسي لزياد، على أهميته، مصدر مكانته الكبيرة، وإنما الأساس هو نبوغه الموسيقي .
كثيراً ما قال ابن فيروز وعاصي إن أغانيه السياسية، أو تلك الساخرة، متأثرة بمناخات أغاني الشيخ إمام، وفي القاهرة، التي أتاها، منذ يومين، ولأول مرة بدعوة فنية، قال زياد أيضاً إنه متأثر بالتراث الموسيقي في مصر، لا بالشيخ إمام وحده، وقال إنه تربى على الموسيقا المصرية في بيت الرحابنة، لأنه نشأ وهو يستمع لقصص كثيرة كلها كان عنوانها مصر .
وخص موسيقا السيد درويش بالكثير من الثناء، هو الذي استوحاها في بعض الأغنيات التي وضع كلماتها وألحانها . وقال إن موسيقا السيد درويش أثرت في الموسيقا العربية كلها، وتذكّر موقفاً أثناء تسجيله لمكساج أغنية “أهو ده اللي صار” في أحد الاستوديوهات الألمانية، وكيف اندهش الألمان من مستواها وتساءلوا عن مؤلفها، وما إذا كان موسيقاراً معاصراً، ولم يصدّقوا أن صاحب تلك الموسيقا مصري رحل منذ سنوات طويلة .
وهو ذكر ذلك في إطار تأكيده على أنّ الموسيقا الحقيقية تتخطّى الحدود، ليهاجم الآلة الإعلامية والإنتاجية المهيمنة اليوم في دنيا الموسيقا والغناء العربيين، والتي تروج التفاهة والرخص، وحتى العهر أيضاً، مفسدة للأذواق ومؤذية للآذان بالنمط الهابط الرخيص الذي تُروجه، وهو لم يتردد في تسمية كبريات شركات الإنتاج العربية لأنها تصادر حق المستمع في التعرف إلى أنماط موسيقية متنوّعة .
ومن سخريات القدر أن شركات الانتاج هذه التي تنفق الملايين في الترويج لأشباه المطربات اللواتي يحسنّ “التنطط”، ويبلعن نصف الحروف، ويلبسن ما يفضح أكثر مما يستر، تحجم عن إنتاج ألبوم جديد للفنانة الكبيرة فيروز، والدة زياد، الذي قال إنّ شركات الإنتاج لم تعد مهتمة بتلبية احتياجات الفنانين الكبار، فهو يجد نفسه عاجزاً عن استكمال الأسطوانة الجديدة لوالدته المعلّقة منذ ،2002 بسبب غياب التمويل، مما اضطر فيروز إلى إنتاج الألبوم على نفقتها الخاصة .
وزياد الرحباني لم يأت القاهرة ليقدم أغانيه السياسية الساخرة المغموسة بحرقة الحياة في وطنه لبنان وفي البلاد العربية عامة، وإنما جاء بدعوة من “ساقية الصاوي” للمشاركة في الدورة الثانية من “مهرجان القاهرة الدولي للجاز” الذي خصّ الرحباني بالتكريم .
drhmadan@hotmail .com