كان عام 2009 عامراً بالرحلات بالنسبة لي، فلقد وصلت عدد رحلاتي في ذلك العام 12 رحلة، وكأنه لم يمر شهر في ذلك العام دون أن أسافر به إلى مكان، بالرغم من أني احتكرت في شهور الصيف وأنا أنتظر بيتي أن يجهز، كان نصف تلك الرحلات مكررا، مثل رحلاتي لمصر، والعمرة، وبيروت، أو أني زرت ذلك البلد مرتين في عام ،2009 مثل رحلاتي للكويت ولندن وهيرفورد، لكن بالرغم من أنها رحلات مكررة، إلا أني اختبرت بها تجارب جديدة، بصحبة أو بلا صحبة، أما رحلاتي لسلوفينيا، وميونخ، ولوقان، وسياتل، ولاس فيجاس، فلقد كانت سفرات جديدة على أرض جديدة، اختبرت بها تجارب مختلفة، مع معارف جدد .
سأبدأ هنا برحلتي للكويت، ليس لأهميتها بالنسبة لي على المستويين الشخصي والأكاديمي فقط، بل لأنها كانت رحلتي الأولى لذلك العام . فلقد انعكس حضوري إليها على المستوى الأكاديمي في أمرين، الأول سافرت إليها من أجل حضور مؤتمر، أصررت على حضوره بالرغم من أني كنت ملحقاً ثقافياً، وحضوري الأكاديمي لن يضيف لسيرتي الدبلوماسية شيئاً، لكن ماذا أفعل؟ هكذا هم الأكاديميون، مترفعون على الكياسة الدبلوماسية، منغمسون في دهاليز المعرفة، أما الأمر الآخر فهو إنشاء الجمعية الجغرافية الإماراتية .
أما على المستوى الشخصي فلقد كان ما يحدث لي كلما زرت الكويت في ذلك العالم غريب، ففي كل مرة زرتها بها شعرت بمدى أهمية أن أكون في الإمارات، ليس لأكون بالقرب من حفيدتي فقط، لكن لشعور صار يلازمني بأن البلاد تحتاجني، وأن الأطفال فيها بحاجتي، فصرت أرى ضرورة البقاء والعمل من أجلهم، بصورة لم أعرفها من قبل . هذا غير العروض المتفرقة التي أتتني من زملاء أكاديميين لفتح فروع لشركاتهم البيئية في الإمارات، نكسب منه نحن الاثنان المال الكثير، وهذا ليس غريباً على الكويتيين، فحتى الأكاديميون منهم تجارٌ محترفون .
في زيارتي الأولى للكويت وأثناء حضور “المؤتمر والمعرض الخليجي الثاني للبيئة والتنمية” تعرفت إلى “ابتسام”، وهي شخصية ناشطة في مجال العمل التطوعي وتحفيظ القرآن، حتى أن لها دروساً تقدم في بيتها، عن طريقها تعرفت إلى ناشطات أخريات في مجال العمل التطوعي، وخاصة لفئة الأطفال والمراهقين . حدثتني عن مركز يدعى “إشراق”، زرت معها ذلك المركز، الذي يُحفظ القرآن للنساء الصغيرات، بالإضافة لدروس في السيرة النبوية وتلك الدروس مجانية، فرغبت في أن أوجد هذا المركز للذكور والإناث معا؟! ففكرت بأن يكون المركز جزءاً من المسجِد الذي سأبنيه لوالدي (الله يرحمه)، وتصورت أن تكون به مكتبة ثقافية وإسلامية للأطفال والأمهات . لم تروا كم كان ذلك المركز الإسلامي جميلاً في ذهني حين بنيته، وعملت سكناً لإمام الجامع متصلاً به، ووظفتُ إمام الجامع أميناً للمكتبة أيضاً، وصرت أبحث عن سيدات يقمن بتحفيظ القرآن للأطفال بلا مقابل كما في الكويت، فلم أجد، بل وجدت أنني لا أعرف أياً من أولئك السيدات اللاتي يحفظن القرآن بمقابل، ففكرت بفكرة أن أُحفظ الأطفال القرآن عن طريق الأشرطة، حتى يفقهوا الآيات ويحفظوها بالطريقة الصحيحة، وأقوم أنا بالتسميع لهم لاحقاً، أليست هذه فكرة سديدة؟! هذا مختلف جدا عني، فعندما كانت حفيدتي صغيرة، كنتُ أنتظرُها أن تمشِي حتى آخذها لمدرسة رقص، لتصير متمكنة فيه، بدل أن تكون مفاصلها مثل مفاصل جيلي يعلوها الصدأ، لكني بعد أن رحت للكويت قررت أن أوجهها لتحفظ المصحف كاملاً، وهي ابنة عشر سنوات، فهذا ما كانت تفخر به السيدات اللاتي قابلتهن هناك .
عرفتني ابتسام إلى “كريمة” المجتمع النسوي الكويتي، حين دعتني إلى حفل في أحد القصور، كان الحفل على شرف حضور وفد من المغرب قامت بالترتيب له زوجة السفير الكويتي هناك - أخبرتني ابتسام أن زوجة السفير كانت طالبتها، وأنها حفظت القرآن كاملاً وهي ابنة أربعة عشر عاماً- حوى الوفد نخبة من السيدات المغربيات اللاتي مثلن جميع شرائح المجتمع المغربي، من مدرسات ومذيعات، وأستاذات جامعيات . . . إلخ .
كان الحفل برعاية صاحبة مركز إشراق، أقيم في مسرح صغير بقبو قصرها، الذي ضم مقاعد لأكثر من مائة شخص، ومنصة صغيرة، ومعدات سمعية وبصرية، وأحيت الحفل الفتيات المنتسبات للمركز، اللاتي قمن بتقديم فقراته، من أناشيد وأهازيج من التراث الكويتي، ولأن معظم الأهازيج الكويتية يتخللها الكثير من الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) اعتقدت الضيفات المغربيات أن تلك أناشيد إسلامية، واعتبرن تلك الليلة “ليلة صوفية”، بالمغربية تعني ليلة دينية، بالرغم من رقصة “السامري” الكويتية التي ضمت جميع الحاضرات، إلا أنا، وذلك ليس لقصور في مبادئي -لا سامح الله - ولكن لقصور في مفاصلي، التي تحتاج إلى تشحيم لتتحرك، وليس لتتمايل .
بعد الحفل الصاخب بالصلاة على النبي، جاء دور العشاء، وكما أن العشاء والشاي في المؤتمرات فرصة للتعارف بين الحاضرين، كان عشاء الليلة تلك فرصة للتعارف أيضا، بالنسبة لي تعرفت إلى معظم الحاضرات، ورحبن هن بي كضيفة من الإمارات حظيت بفرصة حفل لا يمكن أن يقام إلا على شرف زائرات جدد على المجتمع الخليجي .
وأهم من تعرفت إليهن في تلك الليلة عفراء، وهي ناشطة سياسية ككل الكويتيين، بعد أن عرفت تخصصي، سألتني إن كان لدينا جمعية مهنية، فأجبت بلا، فما نحن سوى ست أساتذة في قسم الجغرافيا، فقالت: ليس بالضرورة أن يكون المنتسبون للجمعية أساتذة، فليكونوا من طلبة قسم الجغرافيا وخريجيه، ثم أردفت: أرجوك، أرجوك . . أنشئي جمعية جغرافية، فهذا مهم جداً، بالنسبة لي لم أكذب خبراً، فبمجرد عودتي للإمارات سعيت إلى إنشاء الجمعية الجغرافية الإماراتية، التي تم إشهارها في شهر أكتوبر/تشرين الأول ،2009 بفضل تحفيز عفراء، التي اتصلت بها فقط لأشكرها على تمكيني من التحرك لإنشاء الجمعية التي لم تكن ضمن خططي على الإطلاق .
asma@uaeu .ac .ae