على الرغم من كل تلك التوقعات الظلامية المحتقنة التي أطلقها الخبراء الأجانب عن أن فقاعة دبي قد انفجرت إلى غير رجعة، ها هو الاقتصاد يتعافى ويبدأ مسيرة العودة لسابق قوته . غير أن بعض العناوين التي لاتزال تأتينا بها بعض المطبوعات مثل مقالة “أوقات عصيبة لعاصمة الأناقة العربية” التي أتحفتنا بها مجلة “بلدينغ ديزاين آند كونستراكشن” تشير إلى أن بعض من يسمون أنفسهم خبراء لايزالون غير قادرين على رؤية ما هو أبعد من أنوفهم . نعم، دبي عاصمة الأناقة العربية، بل وأكثر من ذلك، غير أن الصعاب التي واجهتها بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية أخذت تتراجع لتصبح من الماضي .
قبل قرابة عام تماماً من الآن تقريباً بدا كاتب مقالة في “صنداي تايمز” وكأنه يتلذذ بعنوانه العريض “انتهت الحفلة في دبي” والتي دبجها ببعض بهاراته الحارقة التي لا أساس لها، من مثل نقله عن أحدهم قوله “عرفت أن دبي تريد أن تكون الأولى في كل شيء، لكني لم أدرك أن ذلك يتضمن أيضاً المرتبة الأولى في الانفجار بعد الازدهار” . ذلك الكاتب أخفق إخفاقاً مدوياً في فهم ما حدث . ربما كانت الأنوار قد اهتزت قليلاً، لكن ذلك لم يكن سوى تمهيد للحفلة التي بالكاد قد بدأت . وكما يقولون، الأرقام لا تكذب .
بادئ ذي بدء، حالة الركود العالمي ماضية نحو نهايتها بأسرع مما كان متوقعاً . هذا ما تقوله منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي تتوقع الآن نهضة كبيرة للاقتصادات الآسيوية عموماً، فيما تعبر عن توقعات إيجابية لغالبية دول مجموعة السبعة . وهذه الأخبار الطيبة ستجدد ثقة المستثمرين في كل أرجاء العالم .
ثانياً، أثنى صندوق النقد الدولي بداية هذا الشهر على تعامل حكومة الإمارات مع تبعات الأزمة العالمية وتوقع أن يحقق اقتصادنا الوطني نمواً بمعدل 3 في المائة العام المقبل وأن يصل معدل النمو في 2012 إلى 5 في المائة . كما توقع أيضاً نمو الاستثمار المحلي وارتفاعاً في رأس المال الأجنبي وتنامياً للصادرات وألا يزيد التضخم في 2009 عن 1 في المائة .
تتمتع دبي في مثل هذا المشهد الواعد بإمكانات طيبة لتحقق قفزات كبيرة للأمام خصوصاً وأن التوقعات المتشائمة باحتمال عدم قدرتها على الوفاء بديونها قد توارت بفضل الاستراتيجيات المبتكرة التي أطلقتها الحكومة للحصول على التمويل .
وقد نجحت دائرة المالية في حكومة دبي بتسويق صكوك إسلامية بعائد ثابت بالدولار بلغت قيمتها 93 .1 مليار دولار أمريكي . كما نشرت الحكومة أيضاً نشرة خاصة بالاكتتاب على سندات متوسطة الأجل باليورو للحصول على تمويل يبلغ 4 مليارات دولار ليصار إلى إنفاقها على مشاريع البنية الأساسية .
تجار الشائعات السوداوية الذين زعموا أن دبي لن تكون قادرة على سداد أقساط ديونها المستحقة هذا العام سيبتلعون مزاعمهم قريباً جداً مثلما ابتلع أولئك الذين سبقوهم ما زعموه من توقعات بأن شركة نخيل التابعة لدبي العالمية لن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها المالية . نعم، لقد أسكتت نخيل كل أبواق التشكيك تلك حينما سددت منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي 4 .4 مليار درهم من مستحقات الديون لعدة مصارف .
وفيما تواصل الحكومة جهودها للوفاء بالتزاماتها الراهنة كافة، فإنها تعمل أيضاً على تعزيز قواعد المستقبل . وعلى سبيل المثال تجاوز عدد مستخدمي مترو دبي الذي انطلق مؤخراً 5 .2 مليون راكب فيما مطار دبي الذي شهد ارتفاعاً في حركة المسافرين بنسبة 5 .19 في المائة في سبتمبر/أيلول الماضي يستعد لافتتاح مبنى ثالث للركاب في ،2012 أما العام المقبل فستحتفل دبي بافتتاح مطار آل مكتوم الدولي في جبل علي ليكون أكبر مطار في العالم فيما تواصل طيران الإمارات مسيرتها غير العابئة بالتوجهات العالمية الراهنة عبر مزيد من التوسع بأعداد طائراتها وإطلاق وجهات جديدة .
ولعل أوضح ما يعبر عن الثقة البالغة التي تنظر فيها الإمارات للمستقبل هو خطة البلاد لطلب استضافة الألعاب الأولمبية في 2020 والتي إن نجحت فستكون المرة الأولى التي تستضيف فيها دولة عربية هذا الحدث العالمي الكبير .
القطاع الخاص في الإمارات على موعد مع تطورات طيبة أيضاً، وهذا ما بمقدوري أن أشهد عليه دون تردد من موقعي كرجل أعمال أكاد أكون موجوداً في كل قطاع من قطاعات اقتصادنا . شركة الإنشاءات التي نملكها تواصل الفوز بالعقود المجزية فيما تحقق فنادقنا معدلات إشغال طيبة . وتمكن شركتنا العاملة في قطاع السيارات في أكتوبر الماضي من تحقيق أرقام مبيعات فاقت الشهور السابقة . كما نعمل حالياً على زيادة أسطول تأجير السيارات إلى 9 آلاف سيارة نتيجة الطلب الذي بلغ أرقاماً قياسية .
التوجه نفسه نجده في مدارسنا التي حققت أيضاً أكبر رقم من الطلاب المستجدين لديها طوال تاريخها مثلما لديها الآن قوائم انتظار طويلة . ولم يكن عبثاً أن اختارت شركة فيراري مدينة دبي لافتتاح أكبر معرض لها في العالم الشهر الماضي .
على صعيد آخر، نجد أن السوق العقاري في دبي بدأ يعطي مؤشرات انتعاش مع ارتفاع الأسعار بمعدل 9 في المائة قياساً مع إبريل/نيسان الماضي . كما أعلنت شركة إعمار في أكتوبر عن ارتفاع صافي أرباحها التشغيلية بنسبة 53 في المائة في الفصل الثالث مثلما أكد رئيس مجلس إدارتها محمد العبار على أن هناك “مؤشرات واضحة تؤكد عودة أسعار العقارات للارتفاع في المناطق المميزة” .
وأخيراً، أتوجه لأولئك القلة الذين كانوا ينتظرون الشعور ببعض من المتعة الضّالة بأن يروا دبي وقد أصبحت مدينة أشباح لأقول لهم قولاً واحداً، “خاب فألكم، هذا لن يحدث!” .
دبي ليست فحسب الوجهة الوحيدة التي تصل أوروبا بآسيا، بل هي أيضاً الوجهة الوحيدة للأعمال والتجارة والسياحة التي تجد اسمها منقوشاً على الخريطة العالمية .
نعم، لقد تضافرت الرؤية القيادية والروح المبادرة والبراعة والعمل المضني والجاد لإرساء قواعد هذه المدينة العالمية التي نهضت من مجرد بلدة ساحلية كانت تعتاش على ما يأتيها من رزق تأتي به تجارتها مع الهند وإفريقيا وبعض البلدان الأخرى على سفن خشبية . أدعو الشامتين إلى التفكر قليلاً بهذه المأثرة التي لم يكن لمال مهما عظم أن يشتريها، وهذا ما حصل حقاً، إذ ليس لدبي أي موارد طبيعية ذات شأن .
نعم، لعمري ليس هناك مثلها من مدينة عالمية، في أي مدينة أخرى في المنطقة أو في العالم تجدون مثلها، إن كان في مبانيها المذهلة أو بنيتها الأساسية أو مرافقها الترفيهية أو ما تقدمه لكل إنسان من فرص؟ وفي أي مدينة أخرى يا ترى تجدون هذا الوئام والانسجام ضمن مجتمع متعدد الثقافات كالذي في دبي؟
أتقولون إنني أتحدث بلغة وطنية فخورة؟ طيب، أنا مواطن وفخور بوطني! كما تغمرني أيضاً أجمل الأحاسيس حينما أتنقل بين أرجاء هذه المدينة وأرى الابتسامات على وجوه الناس بدلاً من ذلك التجهم الذي يشوب ملامحهم في أماكن أخرى . قد يبدو كلامي تبسيطاً للأمور، لكن الناس هنا هانئون ويعيشون في بيئة مستقرة وآمنة ومنفتحة . ومجرد محاولة تعداد جوائز الجودة العالمية التي حازتها دبي سيملأ صفحات من هذه الجريدة التي بين أيديكم .
أضف لذلك أن دبي ترحب بكل من يريد الإسهام في نموها مقابل أن توفر له حياة تكاد تكون خالية من الضرائب يحسده عليها العالم كله . بل حتى عميدة البرامج الحوارية الأمريكية، أوبرا وينفري، بدت غير مصدقة حين علمت أن دبي لا تفرض ضرائب على الأفراد نهائياً وتوفر رعاية صحية مجانية ولا يوجد فيها من جائع أو مشرد .
إنني أدعو وينفري أن تأتي إلى دبي بنفسها لترى بأم العين ما بدت غير مصدقة له . بل إن الدعوة موجهة أيضاً لكل من هو مستعد لتجاهل تلك الأقاويل الشامتة لكي يأتي ويرى مدينتي الفاتنة بنفسه .