حينما تستبيح القوات “الإسرائيلية” المقدسات الإسلامية، وتروع المصلين وتعتدي عليهم لا يملك مجلس الأمن أكثر من الإعراب عن القلق . وحينما يشتد بطش هذه القوات وتمعن في استخدام السلاح، ضد العزل من السلاح يساوي مجلس الأمن بين الضحية والجلاد فيطلب منهما ضبط النفس . هذا جلّ ما استطاع مجلس الأمن أن يخرج به على الناس .
مع ذلك، لم تستطع الولايات المتحدة أن تضبط تحيزها وهي تمارس توسطها “النزيه” بين الضحية والجلاد، فتعلن براءتها من قلق مجلس الأمن لما يجري في الأرض المحتلة . موقف يفتقد الحصافة السياسية، ويعبر عن الهزل في الموقف الأمريكي تجاه مسألة التسوية السياسية، لأن الحصافة السياسية تقتضي أن يكون موقفها مما يؤدي إلى العنف موقف الممانع، حتى لا تبدو على الأقل ظاهريا أنها منحازة في ما يجري ضد المقدسات الإسلامية ومشجعة لها، وأما الهزل فلأنها لا يعنيها من المفاوضات سوى استمرارها .
ولم تخف الأوساط “الإسرائيلية” رأيها في أن الولايات المتحدة ليست جادة في مسألة المفاوضات الجارية لأنها مشغولة بداخلها، وهو رأي يعبر عن الواقع، فالولايات المتحدة التي لعبت دور الوسيط لسنوات طويلة لم تحقق أي تقدم حقيقي في إقناع الكيان الصهيوني ناهيك عن إجباره على وقف مده الاستيطاني الاقتلاعي، وكل ما استطاعت فعله هو ليّ الإرادة العربية والفلسطينية نحو مزيد من التنازلات في ميدان التطبيع .
لقد ابتلعت الإدارة الأمريكية الحالية كل تصريحاتها المتعلقة بالاستيطان لتتماهى مع الموقف “الإسرائيلي” . فمن يتقمص الدور “الإسرائيلي”، ويضغط على العرب والعالم لمداراة البطش الصهيوني لن يكون قادراً على تحقيق أي تقدم في مجال التسوية أصلاً، فكيف إذا كان غارقاً في مشاكله الداخلية، أن الولايات المتحدة تقف في الجانب الصهيوني في تصوراته للحاضر والمستقبل فهذا أمر لا يجهله أحد، ومن فاتته الفكرة فليستمع إلى نائب الرئيس الأمريكي يعلن عن صهيونيته .
مع ذلك، يقدم العرب، وأمامهم السلطة الفلسطينية على قرارات سياسية هي أشبه بالانتحار، خصوصاً عندما تتم تبرئة الإدارة الأمريكية من مسؤوليتها، ويتاح على الدوام للكيان الصهيوني الوقت لمزيد من الاقتلاع للفلسطينيين من أراضيهم وأحيائهم، والابتلاع لها ولمقدساتهم معها . كما أن ذلك يستدعي الفرقة والخلاف داخل الصف الفلسطيني والعرب، واللحمة بين أطراف المعسكر الآخر .
وقد آن الأوان للفلسطينيين والعرب أن يعوا أن المفاوضات أصبحت حصان طروادة يختزن في داخله كل أدوات الشر للقضية الفلسطينية والتضامن العربي . فمتى نمتلك الشجاعة لكي نوقف الرقص حول هذه اللعبة؟.