بات المسرح في السنوات الأخيرة، يجرد من أهم الخصائص التي تسجل له، وجعلته يحتل مكانته اللائقة به، كأحد الأجناس الأدبية الخالصة المستقلة، المؤثرة، حيث له قراؤه، الذين يدأبون على التواصل مع نصه المدون، قراءة وتذوقاً جمالياً رفيعاً، ذا نكهة فريدة، كما يمكن ترجمته عرضاً مسرحياً ذا رؤية إخراجية، تعطيه ذلك البعد الآخر، من خلال تفاعله مع جمهوره أثناء العرض .
لعل الكتاب المسرحيين الأكثر حساسية، تجاه ما يتعرض له المسرح، إذ يصار لإلغاء شكل أدبي نفيس، بين ظهرانينا، استجابة لدواع عرضية، لا شأن لها ولا مستقبل، خارج صالة المسرح، لدغدغة حواس الجمهور، الذي بات في عصر الثورة الإلكترونية، يفتقد للكثير من خصوصيات علاقته بالثقافة والأدب بعامة، وفن المسرح بخاصة .
وما يتعرض له المسرح الآن وعلى المستويين العالمي والعربي، هو بمثابة دق آخر المسامير في نعشه، بعد أن تم التنظير طويلاً لمقولة “موت المؤلف” بعامة منذ العام 1968 من قبل رولان بارت، وهو ما دعا بعض الكتاب العرب للتحدث عن “موت المؤلف المسرحي” كما فعل ذلك الكاتب المسرحي السوري فرحان بلبل، وهذا الأمر نذير شؤم، لا بد من الإقرار به، ما دامت رفوف مكتبتنا المعاصرة باتت مهددة بغياب أحد الروافد المهمة لها، وهو ما يدفع لقرع الأجراس، للتداعي، محلياً وعربياً، لتناول هذا التحدي ذي البعد العالمي، لمواجهته، مدفوعين بروح الحرص على جنس أدبي، عال، فذ، ستظل له دائرة واسعة من المهتمين به على الدوام، متوجهين بسؤالنا التالي إلى عدد من كتاب المسرح الإماراتيين، نستقرىء معاً آراءهم كما جاءت .
أوضحت الكاتبة باسمة يونس أنه إذا كانت السنوات الأخيرة قد شهدت إقدام كثيرين على الكتابة للمسرح، ممن اسستسهلوا الكتابة في هذا المجال، من دون فهم جوهر المسرح، ورسالته، وماهيته كجنس أدبي يمت بعرى وثيقة مع ضروب الكتابة الأخرى من الأدب، فإن هؤلاء لا يمتلكون زمام موهبة الكتابة الأصيلة في دنيا المسرح، جاهلين قواعده وأصوله، وأشكاله التي يكون الأدب نواته الرئيسة، وإن كان للمسرح علاماته الفارقة عن الأجناس الأخرى، شأن سواه .
وترى يونس أن اللهاث الذي نلحظه من قبل بعض كتبة المسرح، لإنتاج نصوص تفقد شرطها الأدبي، ما دامت تراعي ذائقة النظارة، التي باتت غالبيتها بعيدة عن عالم القراءة بعامة، وتنحو إلى ما هو استهلاكي عابر، يأتي استجابة لظرف متغير، في الأصل، يعول عليه هؤلاء الكتبة قاصرو النظر، الذين يجهلون أن النص المسرحي ليحفظ قبل أي اعتبار، كوثيقة للأدب والحياة، وأن لا طائل من وراء غوايات العروض بالرغم من أهميتها كوسيلة للتأثير التي ستنتهي مع مضي زمانها، على حساب قيمتها حاضراً، ومستقبلاً، كأداة فاعلة، وتراث أدبي ثمين، يتم هدره، من دون الإحساس بالمسؤولية تجاهه .
إننا لنجد حقاً ازدياد عدد من تنسب إليهم نصوص مسرحية، جديدة، في كل يوم، على أنهم مؤلفوها، ولا عجب أن تجد كاتباً يسابق الوقت في كتابة مسرحية بحسب الطلب وبعدد محدد من الشخصيات، وهو ما يجعل ولادة النص مشوهة، ولا تملك عنصر الديمومة .
لا يزال للمسرح الشكسبيري حتى الآن قيمته الأدبية الكبرى، التي لم يفتقدها، ولا يزال مقروءاً من قبل الإنسان في كل مكان، مفتوحاً على التأويل، والتغيير، وعلى الممثل نفسه، بناء على رؤية المخرج، غير المستنسخة، وغيرالمتغيرة، بحسب قراءته الخاصة لهذا النص أو ذاك .
إزاء كل ما يجري للمسرح أمام أعيننا، من دون أن نستطيع -نحن الغيارى عليه كما نزعم- أن نتمكن من فعل أي شيء من أجل أن يبقى محافظاً على شرطه الأدبي، الذي لا غنى عنه، ما آل بنا لأن نخسر المزيد من الجهد، والوقت والطاقة، واللغة، والكتابة، من دون جدوى، وهو ما يدفعنا لأن نقتل وبأيدينا جنساً أدبياً، سيترك غيابه فراغاً في مكتبتنا، من دون أن نتمكن من ملئه، مهرولين وراء هاجس التغيير الذي نحن أحوج إليه .
وهنا، تحضرني تجربة الشعر التي لا بد من الاستفادة منها، من قبل الكاتب المسرحي، إذ عليه أن يعرف ما هو الثابت وما هو المتحول في هذا الجنس الأدبي، ليكون كل تجديد هو في مصلحته، لا من أجل وأده، كما يحدث الآن تماماً .
وأكد الكاتب مرعي الحليان بأننا فعلاً بتنا نخسر أدب المسرح، كأحد الأنواع الأدبية، وهي لخسارة فادحة، لا بد من الاعتراف بها، ناهيك عن أننا خسرنا في هذه المعمعة المسرح الشعري، الذي يتمتع بقيمة جمالية كبرى، نظراً لما يضفيه عليه عنصر الشعر من ألق كبير .
الآن، وبعد هيمنة مفاهيم منها: الدراماتور -المخرج المؤلف- والمسرح التعبيري الذي يعتمد على الرقص والإيحاء والتعبير وكذلك بعد ما نسمعه من دعوات السينوغرافيين، فلم يعد هناك ديكور، وإضاءة، وملابس، تم إذابتها في ما يسمى بالفضاء المسرحي، عن طريق التركيز على “جسد الممثل”، الذي بات يستعاض به عن كل تلك الأدوات التي كانت تشكل عالم المسرح .
ورأى الحليان أن كل هذه الدعوات طغت على حساب أدبية المسرح، كي نكون وجهاً لوجه أمام مسرح الصورة، تحت سطوة تأثير السينما، وتوجه الممثل نحو المشهدية، والتركيز على الرؤية البصرية، وهي جميعاً من نتاج تأثيرات السينما .
إن هذه الأمور مجتمعة تجنت على النص المكتوب، وعلى انتماء المسرح لأسرة الفنون الأدبية، وهو ما يدعو إلى انزياح المسرح من حقله الرئيس، ويتم تأطيره، وتهميشه، بل وتقزيمه، تماشياً مع إيقاع برهة وقتية، يتم التنازل عن أهم قيمة للنص المسرحي، كي يفرغ المسرح من محتواه الأكثر أهمية، وتأثيراً، وقيمة .
وأضاف الحليان قائلاً: إن التوصيف الحقيقي لهذه المرحلة التي نمر بها، هو أننا نعيش بحق زمن الصورة الإلكترونية، والغرافيك، والتكنولوجيا، والثورة المعلوماتية، ما يؤدي إلى اتساع الثقافة التشكيلية عند الناس، تحت وطأة ما نشهده من صناعة منتظمة للمشهد البصري، وإجهاز وطغيان الفنون المساعدة على أدبية النص .
إن الأصوات التي تعالت في الغرب من قبل أمثال مارفوت وكرونوفسكي مؤكدة على أهمية أداء الجسد، سرعان ما لاقت من يستجيب لها في كل مكان، بسرعة البرق، ليتم تبنيها، والتنظير لها، وترجمتها أيضاً .
ومن هنا، فقد أصبح لدى المسرحيين مفردات لغات إشارية على حساب المفردة التي اعتاد قراؤهم التواصل مع نصوصهم من خلالها، لأنه في نهاية المطاف لا يمكن التخلي عن “مؤلف” يصوغ المشهديات البصرية نفسها، التي تشكل عالم المسرح اللا أدبي، لأن توظيفها في فضاء النص يجب أن يكون مدروساً، من دون طغيان على سواها، لئلا يتم ابتذال نوع أدبي راق، وعريق، له رسالته، وأثره الكبيران .
إن ما يحدث للمسرح الآن، من جنوح نحو السينما، لهو أشبه بحالة ذلك الغراب الذي أضاع مشيته وهو يقلد سواه- ما دفع إلى أن نتنكب بفن له لغته القائمة، بسبب كسل المسرحيين الذين بدلاً من أن يتجهوا لمقاومة تأثيرالسينما، راحوا إلى محاكاتها، والدوران في فلكها، كي نكون أمام مسرح مسخ، بلا ملامح .
ووجد الحليان أن خطورة المسألة تظهر أكثر في إقدام عدد من المخرجين على الاستعانة بشاشات العرض السينمائي، وذلك نتيجة عجزهم، وعدم تمكنهم من الإبداع ضمن دائرة المسرح، على الرغم من أن مثل هذا النوع من المسرح ليصنف كأضعف أنواع المسرح على الإطلاق .
المسرح فن خطابي، وله رسالة واضحة المعالم، لا يمكن أن يركن ضمن دائرة-ما يطلبه الجمهور- وأنه منذ سوفكليس وإلى اليوم يعتمد على عاملي النص والجمهور، وهنا العلامة الفارقة له عن السينما، وبهذا فإن أي إغراق في التقنية والصورة مسرحياً، سيكون على حساب انتمائها لحقل الأدب، بل على حساب مقومات مسرحتها بكل تأكيد .
تفاؤل
أما الكاتب علي خميس الذي بالرغم من تشخيصه للواقع الأليم للمسرح إلا أنه أكثر تفاؤلاً بمستقبل النص المسرحي، حيث اعترف أن ثمة الكثير مما يربط المسرح بمتلقيه بات ينحسر أمامنا جميعاً، من دون أن نتمكن من التحرك في الاتجاه الصحيح للقيام بما هو مطلوب في هذا المقام، ما دمنا أمام واقع مستعص، لا بد من تضافر الجهود لإعادة-مياه المسرح- إلى مجاريها، كما يمكن أن يقال .
إن المسرح يمر بأزمة عاصفة، تكاد تودي به، على الرغم مما نشاهده -هنا وهناك- من أعمال مسرحية محافظة على تقاليدها -وهنا لا أتحدث عن التقليد- بل عن الخصوصية المطلوبة للمسرح، كأدب، نفيس، تتباهى به الشعوب والمجتمعات التي أنتجته، كي يكون لوناً آخر من ألوان الأدب الذي هو عنوان لرقي المجتمع وتقدمه، ومؤشر على روح الإبداع لدى بنيه على امتداد العصور .
ورأى أنه إزاء تدهور العلاقة بالمسرح، نتيجة خلل واضح في كثيرين من حملة رسالته، اختفى ذلك الوهج الذي ارتبط باسمه، عندما كان في طليعة الوشائج المهمة التي تربط بالمتلقين، واختفى بذلك رباط الحب، لهذا النوع الأدبي، نظراً لما نجده من أشكال بائسة للنصوص التي تقدم نفسها، من قبل بعضهم من الذين لديهم المقدرة ضمن هذا المناخ أن يقدموا على كتابة خمسة أو ستة نصوص مسرحية، غير ناضجة خلال سنة، ولا يتوافر فيها أي من شروط الكتابة الناجحة، وكل هذا يتم نتيجة أفول -الهم- المسرحي المتوخى، على خلاف ما كان عليه المسرح قبل أربعين عاماً مثلاً، عندما كان جنساً قائماً بنفسه، لا ضرباً من الكتابة الموسمية التي يتذكرها بعضهم قبل المهرجانات، مبهورين ومأخوذين بحمى المسرح التجاري .
وعلى الرغم من أن كل ما سبق، لا أعدم تفاؤلي بأن تشهد الأيام المقبلة ولادة نصوص مسرحية أدبية، مختلفة عما هو سائد، لأن من شأن ذلك أن يعيد التوازن ليس إلى الأدب وحده، بل إلى حياتنا أيضاً .
بيد أن الكاتب محسن سليمان كان له رأي آخر مختلف تماماً عن آراء زملائه، بالرغم من اتفاقه بأن النص المسرحي في “أزمة” بحق، وهو ما يستدعي -التحرك- بحسب رأيه، من أجل إنقاذه مما هو فيه، لئلا يتم الإجهاز على لون أدبي عريق، له خصوصيته، ورسالته .
يقول سليمان: صحيح أن انحسار القراءة، بعامة، سبق ما بات يتعرض له النص المسرحي الآن، فنجد إحجاماً عن قراءة الرواية- والقصة بل والشعر، إلا أن ذلك لم يمنع مواصلة النصوص الإبداعية المهمة في تلك الأجناس الأدبية الأخرى .
عندما فرغت من كتابة مسرحيتي الأولى “ريا وسكينة” التي حصلت على المرتبة الأولى على مستوى الإمارات في العام ،2009 وعرضت علي طباعة هذه المسرحية، إلا أنني كنت أفضل ذلك على الاكتفاء بإخراجها، وتحويلها إلى عرض مسرحي، فحسب، بالرغم مما لذلك من غوايات معروفة .
وأمعن سليمان في وصف ما آل إليه النص المسرحي قائلاً:للأسف، إن المتخصصين في كتابة المسرح هم وحدهم من يتبادلون قراءة نصوصه، بينما دخلنا عالم القراءة العامة، ليس من باب المسرح، إذ كنا نقرأ كل ما كان يقع بين أيدينا من إبداعات أدبية مختلفة .
ورأى أن الإمتاع يصل ذروته أثناء الفرجة، وهو لا ينفي عنصر الإمتاع المتوافر في النص المكتوب، الذي له قراؤه في المقابل، وهو ما يجب معرفته، وعدم خلط الأوراق .
وأضاف قائلاً: خلال تجربتي ككاتب مسرحي، لا حظت أن هناك عدم مقدرة من قبل بعضهم على مسرحة النص، لأن الكتابة في هذا المجال سهلة على الورق، وهذا ما يدفع بالمخرج لكي يشذب، ويحذف، وهو ما أسوغه من جهتي، وإلا فكيف سيتصرف إزاء نص يطرح أحداثاً غير معقولة، من خلال شخصيات كثيرة، لا تتحملها خشبة المسرح؟
وعلى ضوء مثل هذا الكلام، فإن الحاجة إلى المخرج المسرحي الأكاديمي ذي الخبرة والمراس الطويلين ضرورية جداً، وهو ما توافر لي، لحسن حظي، من خلال تجربتي مع الفنان حسن رجب الذي أخرج نصي المذكور، ولقد واظبت على حضور التدريبات على امتداد شهر ونصف، لدرجة أنني كنت أول من يدخل قاعة التدريبات، وآخر من يخرج .
أكاد شخصياً أن أجزم بأن أكثر كتاب المسرح، كتبوا القصة أولاً، كي يكتبوا المسرح في ما بعد، لأن المسرح أحوج إلى خيال، وموهبة، وإبداع لدى كاتبه، في الوقت الذي باتت تجتاح الساحة نصوص معدة، أراها تفقد الصدق، والهم المطلوبين ما دعاني لأطالب في مهرجان الشباب الأخير بمعهد أكاديمي مسرحي، لوضع الحد لموجة التقليد الجارفة .