الأسبوع السياسي
"اشتباك بيروت" يقلق اللبنانيين آخر تحديث:الخميس ,02/09/2010
بيروت - “الخليج”:

1/1

وقع المحظور الذي كان يُخشى منه في بيروت . فعلى مدى أكثر من أربع ساعات، التهبت أحياء برج أبي حيدر والبسطا الفوقا ومحيطهما في قلب العاصمة بيروت، باشتباكات كانت استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية، ولم يسلم منها مسجد وأبنية وسيارات . الضحايا كانوا ثلاثة: قيادي من “حزب الله” وعنصر من جمعية المشاريع الخيرية المعروفة ب”الأحباش”، لكن الأبعد والأخطر من هذه الحصيلة البشرية والمادية، هي الدلائل والأبعاد المترتبة على هذه الأحداث التي تفاعلت أصداؤها وردود الفعل عليها مخلفة أزمة سياسية، واحتقاناً آخر يضاف الى جملة الازمات والاحتقانات، لا سيما على مستوى العلاقة المتردية أصلاً بين رئيس الحكومة سعد الحريري وتياره السياسي ومن والاه، وبين “حزب الله” والقوى المتحالفة معه .


بادر الحريري وحلفه السياسي الى استثمار الحادث الأمني الذي جرى الى أقصى الحدود، وبالتالي العمل على “محاصرة” “حزب الله” سياسياً عبر تحميله مسؤولية ما حدث، ومن ثم رفع شعار بيروت منزوعة السلاح، وهو أمر وتّر خطاب حزب الله، وثالثاً العمل على توجيه سهام الانتقام الى مؤسسة الجيش وتحميلها مسؤولية التدهور الأمني، وبالتالي محاصرتها بتهمة “التقصير” عن التدخل في الوقت المناسب والحيلولة دون امتداد الاشتباكات . وعلى خلفية هذا المناخ السياسي المحتقن وهذا التوظيف السياسي المتمادي للحادث الأمني الخطير، امضى اللبنانيون الأيام التي تلت أحداث ليل الثلاثاء الدامي، وأن البعض من المراقبين المحايدين اعتبر أن نتائج الاحداث وتداعياتها كانت أقسى بدرجات من الأحداث نفسها، لا سيما ان الجهات السياسية المناهضة ل”حزب الله” لم تعط الفرصة لمعالجة الأوضاع المتوترة ولملمة ذيول ما حدث، ولم تعط فرصة للتحقيقات والإجراءات الأمنية التي بادرت القوى الأمنية والاجهزة القضائية المعنية الشروع بها لتحديد المسؤوليات ومعرفة الجناة ومعاقبة من يتعين معاقبتهم .


 وعلى هذا الأساس كان واضحاً أن هذه الجهات أمسكت بزمام اللعبة السياسية في البداية وصالت وجالت وحدها تقريباً في ساحة الإعلام والسياسة لا سيما بعدما بادر الرئيس الحريري الى زيارة بقعة الأحداث الأمنية ومد جسر العلاقة مع جمعية “الأحباش” التي كانت دوماً تعتبر نسيج وحدها عبر الساحة الإسلامية السنية، وفي المقابل بدا “حزب الله” في وضع المربك والغائب عن الساحة وذلك لأسباب عدة أبرزها:


1  أن الحزب اعتبر نفسه متورطاً في اشتباكات وإشكالات أمنية في قلب العاصمة وفي أحد أكثر أحيائها اكتظاظاً وتداخلاً مع جماعة محسوبة بالأصل على المعسكر السياسي الحليف للحزب، إذ من المعلوم أن “جمعية الأحباش” ترتبط تاريخياً بعلاقة وثقى مع دمشق، وقد كان اثنان من أبرز رموزه، الأخوان عبد العال، قد زجا في السجن لأكثر من ثلاث سنوات بتهم الضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري .


والمعروف أيضاً تاريخياً بأن هذه


الجمعية هي النقيض السياسي والرئيسي لدار الفتوى ولتيار الرئيس الحريري .


2  أن الحزب حرص في الآونة الأخيرة على تصفية وانهاء ملف العلاقة السلبية والمتوترة مع القسم الأكبر من الشارع السني بعد أحداث 7 مايو/أيار عام 2008 وما سبقها من أحداث وتطورات، وكان يعتبر نفسه أنه قطع شوطاً كبيراً في هذا المجال، خصوصاً أنه حريص كل الحرص على بناء علاقة مميزة مع الوسط السني عموماً .


 3  أن “حزب الله” كان في الأصل قد كرس كل جهوده وكل خطابه السياسي في الآونة الأخيرة لخوض معركة المواجهة الشرسة مع القرار الظني الموعود للمحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري .


 وبناء عليه كانت قيادة الحزب تعتبر نفسها وكأنها حققت خطوات متقدمة في مجال المواجهة الاستباقية لهذا القرار الذي بات الحزب يتبين من أنه أعد الأرومة السوداء ليخرج على أساس اتهام مجموعة غير منضبطة من عناصر الحزب بهذه الجريمة المدوية التي حصلت قبل نحو ستة أعوام وهزت لبنان من أقصاه إلى أقصاه .


 وبالفعل كان موقف الحزب قد بدأ يبدو أفضل وأحسن خصوصاً عندما قدم الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في مؤتمر صحافي مطول عقد اخيراً ما وصفه بأنه قرائن ومعطيات تدخل “إسرائيل” في دائرة الذين يمكن وضعهم في دائرة الاتهام والضلوع في هذه الجريمة . كما أن الحزب قد بدأ أخيراً في سباق حملة الدفاع الشرسة عن نفسه، حملة شرسة على من كان يسميهم شهود الزور في التحقيقات التي جرت غداة جريمة اغتيال الحريري، والذين بنت المحكمة الدولية على إفاداتهم المزورة الكثير من معطيات قرارها الظني الموعود، إذ من المعلوم أن هذا الأمر طرح في مجلس الوزراء اللبناني وتم تكليف وزير العدل إبراهيم نجار على تقديم تقرير عن هذا الموضوع، وقد كانت هذه النتيجة بالنسبة للحزب امراً بالغ الايجابية لا سيما أن الطرف الآخر في الحكومة كان يرفض من الأساس التعاطي مع هذا الموضوع واعتبار قضية شهود الزور غير موجودة أصلاً، تحت عناوين قضائية وقانونية شتى .


 4  كان “حزب الله” يستعد لجولة أخرى من المواجهات الاستباقية مع القرار الظني الموعود للمحكمة الدولية عبر إعلان السيد نصر الله عن امتلاك المزيد من المعطيات والقرائن التي تشكك في مصداقية المحكمة الدولية وتؤكد، كما قال إنها أداة أمريكية -”إسرائيلية” وضعت أصلاً لمحاصرة المقاومة وتشويه صورتها وتاريخها .


في ظل كل هذه المعطيات وجد الحزب نفسه أمام مواجهة داخلية كان طرفاً فيها استهلكت الى حد ما الكثير من رصيده السياسي، وبددت الى درجة كبيرة الكثير من الجهود المضنية التي بذلها في الآونة الأخيرة، لإبعاد كأس القرار الظني الموعود عنه .


وقد زاد الأمر سلبية أن الحزب لم يخف إطلاقاً أنه لم يخطط لهذه المعركة وأنه جر إليها جراً، وأن جمهوره وقاعدته العريضة بدت وللمرة الاولى وكأنها خرجت عن طوع إرادته، وبالتالي بدت وكأنها تعمل منفردة وتحت وطأة الاحتقان السياسي الى حد ما وفي ظل فوضى سياسية وعسكرية . يضاف الى كل هذه السلبيات سلبية أخرى بالنسبة للحزب وهو أن خصمه السياسي استغل أحسن استغلال ووظف الحدث المفاجئ ضده وضد توجهاته، بحيث أكد مجدداً بأن كل الضمانات التي أعطاها الحزب سابقاً بأن لا يستخدم سلاحه  سلاح المقاومة  في الداخل قد تلاشت وسقطت خلال وقت قصير، وبالتالي صار المجال مفتوحاً أمام رفع شعار التشكيك بقدسية سلاح المقاومة في الداخل، والمطالبة بنزع أي سلاح في العاصمة غير سلاح الشرعية .


وبصرف النظر عن مسألة الاستغلال والتوظيف السياسي للأحداث الأمنية الدامية في بيروت فإنه لا يمكن لأي مراقب موضوعي إلا ان يخرج بجملة استنتاجات غير مطمئنة إطلاقاً في المستقبل القريب في لبنان .


 وعليه فإن كل المعطيات والوقائع الميدانية والسياسية توحي بانه من الصعوبة بمكان أن يحقق رافعو شعار بيروت منزوعة السلاح، شعارهم بشكل حقيقي وعملي وأن الأمر سيقتصر على بعض الإجراءات لضبط الوضع الأمني، وإخفاء المظاهر المسلحة ستتخذها اللجنة الوزارية التي ألّفها مجلس الوزراء لهذه الغاية في أول جلسة عقدها بعد الأحداث الأمنية، وهو امر اكد وزير الداخلية زياد بارود نفسه في تصريح له قال إنه يجب عدم المراهنة على أن تجترح اللجنة الوزارية الأعاجيب . ولكن السلبي في كل ما حدث من أمور ووقائع عدة اظهرتها مقدمات الأحداث ومجرياتها اللاحقة أبرزها:


1  أن الوضع الأمني في العاصمة وسواها ما زال هشاً ويمكن أن يتداعى وينهار في أية لحظة .


2  أن الاحتقان السياسي وتداعيات السجال السياسي على خلفية التقرير الظني الموعود تفعل فعلها في الشوارع، وبالتالي تسيطر على الوضع السياسي عموماً، وعليه لم يكن غريباً، أن يعتبر بعض المراقبين أن ما حصل في نطاق محدود في محلة برج أبي حيدر في العاصمة يمكن أن يكون مبرمجاً لما يمكن أن يصير اليه الوضع عموماً اذا ما صدر القرار الظني في طياته الاتهام المنتظر للحزب، وهو أمر يسقط الى حد بعيد كل الرهانات التي اتكأ عليها البعض في السابق ومفادها أن صدور القرار الظني سيكون بلا تداعيات ونتائج .


3  أن الأفرقاء السياسيين في الحكومة اللبنانية سواء فريق الحريري والفريق الآخر أظهروا بفعل الأحداث الأخيرة أنهم ليسوا في وارد البحث عن تسويات وحلول للتعقيدات السياسية القديمة المستحدثة بل إنهم ما برحوا في طور البحث عن تسجيل انتقادات على الطرف الآخر والبحث عن السبل التي تدفع بالوضع نحو بؤر التعقيد والاحتقان . وهذا يعني بالنسبة للكثير من المراقبين أن الأمور في لبنان تعيش على صفيح ساخن بانتظار القرار الظني الموعود الذي يراهن الكثيرون على أنه سيحمل تغييراً وتحولاً في المعطيات والوقائع والمشهد السياسي عموماً .


وحيال كل ذلك يبقى الرهان ليس على إمكان ان ينتج الداخل اللبناني تسوية او تفاهماً بل إن الأنظار اتجهت مجدداً نحو دمشق التي زارها الرئيس الحريري أخيراً ونحو الجهود السعودية  السورية التي كانت أبرز مظاهرها في القمة الثلاثية التي انعقدت في بيروت والتي نظر إليها البعض على أساس أنها لحظة كبيرة للبحث عن حلول، تمنع انزلاق الساحة اللبنانية نحو الاحتمالات السوداء .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008