منذ حوالي السنة، كان العالم يعتبر “تويوتا” نموذجا ممتازا ليس فقط لشركات السيارات وانما لكل الشركات . كانت “تويوتا” مضرب مثل عالمي لشركة تنتج سلعا مميزة بل ممتازة، مما يدل على وجود ادارة فاعلة وعاملين يتمتعون بالخبرة والمعرفة والوفاء لمؤسستهم . اعتمدت تويوتا سياسة التقدم المتواصل المعروف بكايزن كما سياسة المكننة المطعمة بحس انساني والمعروفة بجيدوكا نجحت من دون شك في زيادة انتاجها وتوسيع أسواقها الدولية . منذ سنة، كان لازدهار تويوتا تأثير كبير في سوق السيارات في العالم، اذ أصبحت الشركة الأكبر وتخطت جنرال موتورز GM في حجم انتاجها ومبيعاتها . لا أحد ينكر الدور الكبير الذي لعبه “ألفرد سلون” الذي ترأس GM لثلاثين سنة بدأ من سنة 1916 وجعلها شركة عملاقة وناجحة . في السوق الأمريكية الأكبر في العالم (246 مليون سيارة عاملة)، استطاعت تويوتا أن تحصل في سنة 2009 على 16،7% من السوق مباشرة وراء GM (19،6%) وأمام فورد (15،3%) وهوندا (10،9%) وكرايزلر (8،8%) .
اللافت للنظر هي سرعة التقدم من حصة 8% من السوق الأمريكية في سنة 1980 الى 10% في سنة 2000 والى ما هي عليه اليوم . فالتقدم الكبير حصل في العقد الأخير الذي يعتبر صناعيا واداريا عهد تويوتا . هذا نجاح مدهش لشركة يابانية خرقت الأسواق الأمريكية المهمة بعد جهود كبيرة ميزتها على منافسيها المحليين . في هذا الوقت كانت حصةGM تنحدر من 45% من السوق الأمريكية في سنة 1980 الى 30% في أواخر التسعينات فالى ما هي عليه اليوم . تعبر هذه الأرقام عن تغيرات هيكلية في أذواق المستهلكين وفي سوق السيارات الأمريكية ليس لصالح كل الماركات الأجنبية وانما خاصة لصالح تويوتا . هكذا نجحت تويوتا في انتاج سيارات تستهلك نسبيا القليل من المحروقات ومشهود لها بالأمانة والفعالية وبالحفاظ على قيمة سوقية محترمة عند البيع بعد الاستعمال .
يقول الاقتصادي “مايكل بورتر” إن الدول المنتصرة اقتصاديا هي التي تصنع ضمن الشروط التالية: أولا، تختار صناعة السلع التي تستعمل عوامل الانتاج الأكثر توافرا في الدولة منها اليد العاملة الجيدة ورؤوس الأموال والتكنولوجيا . ثانيا، توافر أسواق واسعة للسلعة بحيث لا تتكل كثيرا على التصدير بالرغم من أهميته، وهذا ما تميز به الاقتصاد الثاني في العالم لعقود ماضية (ناتجها حوالي 5 ألاف مليار دولار مقارنة ب 14،3 ألف للولايات المتحدة و3،5 ألف مليار دولار لألمانيا) علما أن الصين بدأت تنافسها على المركز (ناتج 4،3 ألف مليار دولار في سنة 2008) . ثالثا، تتفاعل الشركات المتنافسة ضمن القطاع لتمويل منافع مشتركة بما فيها الانفاق على البحث والتطوير وأحيانا التسويق . رابعا تنافسية الأسواق التي تفرض على ادارات الشركات تخفيض التكلفة للانتصار في السوق، وهذا هو حال كل الاقتصادات الأساسية بما فيها اليابان .
كانت اليابان عموما رائدة في التفوق الصناعي ليس فقط بسبب عوامل السوق والابداع والادارة الجيدة، وإنما أيضا بسبب دور الدولة الكبير في تشجيع الصناعات المميزة . فالانفاق الاستثماري للدولة كان بحدود 27،7% في سنة 1995 مقارنة ب 22،1% في ألمانيا و17،2% في الولايات المتحدة . بقيت الاستثمارات في هذا المستوى حتى سنة 2008 . كان لوزارة الصناعة والتجارة الخارجيةMITI دور أساسي في تمييز الصناعات اليابانية عن منافساتها في أسيا والعالم عبر التمويل والارشاد التقني والتسويق وأفضل العلاقات الخارجية مع الغرب وخصوصا الولايات المتحدة .
أما سبب نجاح تويوتا فهو انفاقها السخي على البحث والتطوير حيث احتلت المرتبة الأولى عالميا في سنة ،2008 فأنفقت حوالي 8 مليارات يورو تبعتها شركة مايكروسوفت (6،5 مليار يورو) وفولكسفاغن (6) وثم روش للأدوية وGM . يدل هذا الانفاق على وعي ادارة الشركة لأهمية البحث والتطوير لضمان مستقبل أفضل للشركة . يهدف هذا الانفاق الى تطوير السلع والخدمات بحيث ترفع مبيعاتها في السوق . لا شك في أن السياسات المالية التي طبقت في الدول الغربية السنة الماضية نتيجة الأزمة ساعدت شركات السيارات على زيادة مبيعاتها وتجنب الافلاس بعد انحدار الطلب . وضعت هذه الدول دعما لكل من يرغب في استبدال سيارته القديمة بواحدة جديدة ضمن شروط معينة . بلغ مثلا معدل الدعم 4000 دولار لكل سيارة مستبدلة في أمريكا و3000 دولار في ألمانيا و1500 دولار في اليابان وأقل بقليل في فرنسا وبريطانيا وغيرها .
كيف تحول النموذج الأفضل دوليا الى مشروع مقلق بسبب انتاج سلع غير جيدة على عكس العادة، مما استدعى استعادة عدد كبير من السيارات الى الشركة لإصلاح الأعطال . من المتوقع أن تصل تكلفة الاستعادة من ناحيتي انخفاض الانتاج والمبيعات الى حوالي ملياري دولار أمريكي . استعادت تويوتا 5،3 مليون سيارة مما سبب ضعفا في ثقة المستهلك الأمريكي بها، وبالتالي تدنت المبيعات 16% في الشهر الأول من هذه السنة وخسرت القيمة السوقية لمجموع الأسهم حوالي 21 مليار دولار في أسبوع واحد . هذه الاستعادة ليست الأولى، كما انها ليست الأكبر اذ سبقتها فورد في سنتي 1996 و2009 وGM في سنتي 1971 و1981 وغيرها . لا بد وأن نذكر ما حققه المحامي الأمريكي رالف نادر في هذا الايطار، اذ كان أول من طالب شركات السيارات في الستينات باحترام المستهلكين وانتاج سلع آمينة وفاعلة كما فرض عليها بعض الاستعادات المناسبة . ما الذي حصل في تويوتا وبالتالي ما الدروس؟
أولا: في الأسباب الداخلية للشركة حيث ارتفع انتاجها بسرعة وفي وقت قصير، وهذا ما اعترف به رئيسها عندما واجه الكونغرس الأمريكي . هذا يحصل في الشركات التي تكبر بهذا النمط حيث يحدث بعض الاهمال، الا أن هذا لم يكن متوقعا لتويوتا النموذجية لكنه حصل .
ثانيا: كان للأزمة المالية العالمية دور في تسريع المشكلة بسبب انخفاض الطلب على كل شيء بما فيه السيارات . انخفاض الطلب ربما دفع تويوتا وغيرها الى محاولة تخفيض التكلفة للمواجهة مما سبب بعض التسرع والاهمال .
ثالثا: في الأوضاع اليابانية العامة والسياسات المتبعة حيث رفض المصرف المركزي لفترة طويلة السماح للين بالارتفاع في السوق لحماية الصادرات . عندما عدل سياسته، ارتفع الين كثيرا وبسرعة . عندما ارتفع الين، سمح المصرف المركزي للكتلة النقدية بالارتفاع مما سبب الفقاعات التي عصفت مؤخرا بالقطاع المالي الياباني . تستعمل السياسة النقدية في ظروف الأزمات بسبب سهولة اتخاذ القرار على عكس السياسة المالية التي تحتاج الى موافقة الحكومة وربما المجلس النيابي . هذا ما حصل أيضا في الولايات المتحدة حيث بدأ من منتصف ،2007 خفض المصرف المركزي الفوائد من حوالي 5،25% الى حوالي الصفر علما انه رفعها مؤخرا ربع نقطة . يصف الاقتصادي “بول كروغمان” الوضع بالخطير، إذ بالرغم من التسهيلات النقدية الكبيرة تبقى القروض نسبيا قليلة وأسعارها مرتفعة .
رابعا: لم تنجح اليابان كما كان محبذا في فتح حدودها التجارية أمام تدفق السلع والخدمات . فمجموع التجارة الخارجية نسبة للناتج لم يتعد 36،2% في سنة 2008 مقارنة ب 86،7% لألمانيا و30،5% للولايات المتحدة . أما في الصادرات والتي تميزها دوليا، وصلت نسبتها من الناتج الى 18،3% في سنة 2008 مقارنة ب 12،8% للولايات المتحدة و46،7% لألمانيا . وصل الفائض التجاري في السنة نفسها ونسبة للناتج الى حدود 4،9% مقارنة ب 6،8% لألمانيا وعجز قدره 3،3% للولايات المتحدة . فالمزيد من الانفتاح ربما كان مفيدا .
كاتب لبناني