منطقتنا تظل على مر الحقب والمراحل تعج بمراكز الأحداث، وإذا كانت بلدان الطوق تمثل هذه المراكز في محور الصراع العربي “الإسرائيلي”، فإن لبنان ومنذ سبعينات القرن الفائت ظل مركزاً للحدث بشكل ديناميكي حتى يومنا هذا، حتى إن المرحلة الراهنة تشكل تصعيداً لهذا الحدث، وقد يتساءل البعض عن روافع وأعمدة هذا الحدث السائد على الصعيد الداخلي اللبناني، وما هي الأسباب والدوافع التي تجعله بهذه الاستمرارية متبوئاً لمثل مركز الحدث هذا .
لا شك أن هذا البلد الصغير جغرافياً، يشكل بموقعيه الجغرافي واللوجستي مركزاً استراتيجياً ومهماً على صعيد الصراع العربي “الإسرائيلي”، وهو الموقع العربي الوحيد الذي ظلت جبهته المحادة لفلسطين المحتلة، تقض مضجع الدولة الصهيونية في أعقاب حرب أكتوبر/ تشرين الأول بملابساتها المعروفة، من خلال المقاومة الفلسطينية التي كانت موجودة في جنوب لبنان، وبعد خروج هذه المقاومة من لبنان على إثر الاجتياح “الإسرائيلي” للبنان واحتلال بيروت في عام،1982 بيد أن مركز الحدث هذا لم ينطفئ، لا سيما ببروز مقاومة لبنانية نشيطة، راحت تكيل الضربات الموجعة للقوات “الإسرائيلية” ولعملائها من “جيش لبنان الجنوبي”، لا سيما أن هذه القوات كانت موجودة على شريط ضيق من الأرض في جنوب لبنان، ومع مرور الوقت تعاظمت عمليات هذه المقاومة، الأمر الذي أجبر الدولة الصهيونية على الانسحاب من جنوب لبنان هروباً في العام ،2000 بعدما تضاعفت خسائرها إلى حد لم تستطع تحمل تداعيات هذه الخسائر، حيث رفضت الانسحاب قبل ذلك، على الرغم من أن الأمم المتحدة قد طالبتها بالانسحاب من المنطقة المذكورة .
ومن هذا، نستطيع القول إن الجبهة اللبنانية المتمثلة في جنوب لبنان من جهة، والجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، هي الجبهة الوحيدة التي بقيت مشتعلة، سواء أكان ذلك حرباً قائمة أم وقفاً أو هدنة مضطربة لإطلاق النار، من على شاكلة الفترة التي أعقبت حرب تموز عام ،2006 وهي بهذه الحالة، تكون التحدي الأكبر للدولة الصهيونية التي قامت بالاعتداء على لبنان أكثر من مرة، لكن صمود المقاومة اللبنانية، أجهز على مخططاتها واستهدافاتها، فكانت حرب تموز فشلاً مدوياً لجيشها “الأسطورة”، وهي ما انفكت عن تهديداتها بعدوان جديد على لبنان، بيد أن المقاومة اللبنانية أوجدت أكثر من معادلة لتوازن القوى مع الدولة الصهيونية التي أخذت تفكر ألف مرة قبل شن أي عدوان جديد .
في هذا الوقت، تضطلع الدولة الصهيونية بدور خطر، يرمي إلى زرع فتنة داخلية في لبنان، عبر قيام مؤسستها العسكرية (قيادة الأركان)، وذلك بترويج تسريبات عن المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الشهيد رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، وهي نفس التسريبات التي ذكرتها مجلة “دير شبيغل” الألمانية في العام الماضي، وهذه التسريبات تتهم عناصر من “حزب الله” بعملية الاغتيال، والهدف من وراء ذلك لم يعد خافياً على الأوساط اللبنانية، حيث إن الحزب المذكور يضطلع بدور المقاومة اللبنانية، وبما أن “إسرائيل” فشلت في تحقيق أهدافها عن طريق الحرب والعدوان، لذلك نراها تضطلع بدور المروّج لهذه التسريبات، كي تجر المقاومة إلى منزلق خطر، يتمثل في انخراطها في حرب أهلية داخلية، لتكون بالتالي بعيدة عن مهمتها الأصلية هذا من جانب، والجانب الآخر وفي خضم مثل هذه الحرب يسهل على الدولة الصهيونية ضرب المقاومة التي ستكون في ذلك الوقت بين نارين: نار الحرب الأهلية ونار الدولة الصهيونية .
إذن، الدولة الصهيونية بعدما عجزت في أكثر من موقعة عدوانية عن إسكات الجبهة اللبنانية عبر العدوان من الخارج، نراها في هذا الوقت وبشكل سافر، تعمد إلى خلق فتنة داخلية، والقضاء على أقوى تحد مستمر، واجهها بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام ،1973 من واقع أن المقاومة اللبنانية باتت عصية عليها في أي مواجهة عسكرية، وهي تشكل رأس حربة لجبهة المقاومة والممانعة، وهو واقع لا يُشار له اعتباطاً، بقدر ما هو حقيقة ترسخت في سوح القتال والحرب على النحو الذي ذاقت مرارته الدولة الصهيونية في حرب تموز، وقبل ذلك في السنوات التي سبقت هروبها من الجنوب اللبناني .
وبما أن الهدف “الإسرائيلي” مكشوف إلى هذا الحد، فيبقى على الشعب اللبناني بكل أطيافه وفئاته، تحصين جبهته الداخلية، لتكون مصداً عالياً بوجه محاولات الدولة الصهيونية، الرامية إلى إحداث الفتنة بين فئات الشعب اللبناني في حال صدور “القرار الظني” للمحكمة الدولية على الشكل الذي قامت بترويجه “إسرائيل” والدوائر الغربية على مختلف مسمياتها ومواقعها .
مع كل ما تقدم، فإن السياسيين في لبنان تقع عليهم مسؤولية الحفاظ على وطنهم موحداً وحماية المقاومة، من خلال التصدي للأغراض “الإسرائيلية”، وأن يعوا جيداً أن البؤر التجسسية التي زرعتها الدولة الصهيونية، ولا سيما في قطاع الاتصالات، مؤشر جلي على أن مثل هذا الاستهداف لا يترك مجالاً للتشكيك والتهوين من المؤامرات التي تحاك ضد لبنان من “إسرائيل” وأمريكا وحلفائهما .
rekabi@scs-net.org