الخليج الثقافي
إبداع ... نبض الجدار آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
قصة: ناصر جبران

ينهض الصباح متطاولا يطرق الشرفات بأصابع أنواره الباكرة الشفيفة موزعاً نسائمه العذبة الناعمة، وأنا أعبر الزقاق المؤدي إلى وجه المدينة البحري حيث الشاطئ المغتسل بمياه بحر مرمرة .


أقطع هذه المسافة كما هي عادتي في مثل هذه الساعات المستطابة من صباحات “يلوا”، هذه المدينة الساحرة القائمة بفتنتها على زرقة مائه العميق، وقد أغراها برقته لاستكمال زينتها على مرآة سطحه اللامع . . ما أبهاك يا عروسة الجبل والسفح والماء .


منذ سنوات وأنا المفتون العاشق أكرر لها الزيارة الصيفية كل عام، وفي السنوات الثلاث الأخيرة حدث أن أقمت علاقة صامتة عميقة بالمكان والإنسان والحيوان في ركن معين من أرضها الطيبة عند تلك الزاوية تحديداً التي أغذ الخطى إليها مع كل صيف عام جديد أعيش فصول أيامه . . هكذا صرت حريصاً على ممارسة المشي كل صباح أحسب لملاقاة صاحبي الشيخ العجوز وإدراكه قبل مغادرته للمكان، لأكثر من مرة كنت أسبقه وانتظر مجيئه، أمكث جالساً هناك عند أقرب كرسي دائري يحيط بجذع شجرة عملاقة متأملاً البحر حيناً وحيناً أواصل قراءة كتابي والتماس إطلالة القادم بعد حين، صار لازمتي لذاك المكان، ولا أبتعد عنه إلا مسافراً وحين أتوارى لسبب ما أو أتأخر قليلاً ويغيب عني الضيوف يتعرى الجدار وتستوحش تلك الزاوية ويكتظ الفراغ .


كنت أبصره راجلاً يمشي الهوينا يتوكأ على عكازته وقد دفعت به واحدة من تلك الإطلالات الجانبية المفضية لشارع الكورنيش يرافقه كلبه الأبيض السلوقي المرقط بالسواد، وقد حمل في اليد الأخرى كيس حقيبة كتانية مفتوحة لها مقبضان خشبيان وبداخلها أكياس، يمر بهدوء في الممر المكسر بالحجر تحت وارف ظل أشجار المتوسط العالية الواقفة في صفين ومرافقه يلهو ويتأخر عنه تارة وتارة يسبقه، وكثيراً ما توقف حيث أجلس فينهره صاحبه ويغادرني .


يتابع الشيخ طريقه، يتجاوزني دون أن يبتعد كثيراً إذ كنت أعرف تماماً أنه سيتوقف بعد قليل، هناك تتقاطر عليه أعداد قطط كثيرة تموء بانتظاره، وبعضها يتوافد جرياً لمجرد حضوره عند ذاك الجدار .


يبدأ الشيخ بفك أكياسه الصغيرة ويرمي بمحتوياتها من الأكل للقطط الصغيرة والكبيرة المتحلقة عند قدميه، فيما الكلب يتقافز بين القطط فرحاً لوجودها، والشيخ يثني جذعه وينهض مستمراً في رمي الأكل، يمسد ظهر قطة، يرفع أخرى يضمها إلى صدره، يلاطفها كما لو كانت أبناءه أو أحفاده حتى يفرغ من إطعامها، عندها يلم الأكياس ويسقطها في سلة المهملات، ويعود أدراجه ضاماً حقيبة الكتان الفارغة تحت إبطه والكلب يتبعه .


ثلاث سنوات وأنا أرصد هذا العمل الإنساني والتداخل الحميمي بينه وحيواناته التي ألفت حضوره، وما أن يغادرها ويرحل مع السلوقي حتى تختفي في إثره وكأنها ما حضرت إلا له وحده .


سنتان كان فيهما الشيخ يحضر راجلاً مستعيناً بعكازته، وقبل عام تحديداً شاهدته يؤوب على كرسي متحرك ويمارس الطقوس نفسها والمرقط بالسواد يتقافز هنا وهناك بين مواء جمع من الأفواه الجائعة، وما أن يترك المكان قافلاً من حيث أتى مخفوراً بكلبه الأمين حتى تتوارى القطط أيضاً فيما يبكيها الجدار وحيداً لائذاً منكمشاً بصمته لارتحالها جميعاً .


***


أحضر هذا الصيف وأنا أكثر ولعاً وبهجة للأمكنة وبي اشتياق خاص لتلك الزاوية وذاك الجدار وشيخي العجوز، ها هو الصباح يغريني بطراوته، أقطع الزقاق حاملاً حقيبتي تواكبني أصوات تغاريد الطيور المغادرة لأعشاشها، أتأمل غناء الحارات ونوافذ شرفات منازلها المفتوحة ونبض حراكها وانتعاشها البكر، النسمات الطائفة الهفوف مثل القبل تجلب ببرودتها الناعمة السرور والرقة وتلهم الجسد المتعب إغراءات المشي والتأمل وقطع مسافات أطول، غير أني في هذه الساعات من الصحو والارتشاف الرضب من ندى التذكر أفضل تلك “القرنة” من المكان وأود سبق شيخي العجوز وانتظاره .


اقترب من شارع الكورنيش، تحدق عيناي بارتحال لأفق السماء والضفة الأخرى المستلقية على الجانب البعيد من البحر، خطوات بسيطة قطعتها ثم استلمت قدماي بعدها الممشى الحجري، أمضي كالطائر بين صفين من جذوع الأشجار العملاقة المتينة، يلوح المشهد بكامله، ها هو البحر بسفنه وآفاقه المفتوحة وشاطئه وكواسر حجره، المقاهي والمطاعم المنتشرة تتوزع جانبي الممر، الظلال الداكنة للأغصان المتشابكة تزيد من برودة النسمات وتطلق أجراس حفيف الأوراق وهمساتها الساحرة، فتهفو روحي في هيام تأمل شفيف، أسرع الخطى، المكان على بعد نصف كيلو، تعب رئتي خدر العابرات من الهواء اللطيف فيطلق فيَّ جذور الحنين، أتذكر الجدار ورغم أن الوقت باكر نهاراً ولا تغمره الشمس بنورها إلا عصراً، ومع هذا شعرت بظلالها الراقصة تجتاح واجهة الجدار، ها هم الشيخ والكرسي والكلب والقطط الأليفة .


أقترب أكثر وقد اقتنعت بالانضمام إليها ومشاركتها هذه المرة طقوس الفعل والتداخل بين بني البشر والحيوان وتلك الزاوية الحضينة غير أني صدمت حين لم أعثر على حجر للجدار ولا حياة لشيخ مقعد يرمم سعادته ويعالج بقية عمره بإلفة قطط وكلب وفي ولم أر سواها نافرة بذاك الجانب من المكان وقد سطت على المشهد واحتلت مساحته بناية شاهقة سحقت الجدار وأطفأت البصيرة وأرعبت الدفء وفرقت جمع الضيوف الأحبة وأحالتني إلى مقعد مشلول لساعات على الكرسي المحيط بجذع تلك الشجرة الشاهدة .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008