قدم صقر غباش وزير العمل في اليوم الأخير لمؤتمر مخرجات التعليم وسوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ورقة عمل حول العلاقة بين نمط التنمية الاقتصادية وتحديات أسواق العمل في دول المجلس .
وتناولت الورقة تحديات رئيسية تواجهها أسواق العمل في دول التعاون، وفي مقدمتها التحدي المتمثل بتوفير فرص العمل في القطاع الخاص لمواطنيها، من خلال تسليط الضوء على جذور هذه التحديات الكامنة في خيارات التنمية الاقتصادية، وما تفرزه من فرص عمل محددة بتلك السمات الرئيسية لجانب الطلب في سوق العمل، مما يتيح استكمال معالجة لمخرجات التعليم كعنصر من العناصر المحددة لخصائص العرض، ورسم صورة متكاملة لمطلبات الاصلاح .
تنقسم الورقة إلى ثلاثة محاور: الأول عرض لخصائص النمو الاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي، وتطور أسواق العمل فيها، والمسببات الرئيسية التي تواجهه من تحديات مشتركة، والثاني: التحديات المزمنة التي واجهت وتواجه مواطني دول المجلس في الولوج إلى سوق العمل، وتقييم لمدى نجاح السياسات الحالية في معالجتها، والثالث: نظرة نحو المستقبل: أسس الانتقال إلى نمط جديد من التنمية الاقتصادية تبدل من خصائص أسواق العمل في جانبي العرض والطلب، وتفسح المجال لمشاركة أوسع من قبل مواطني دول المجلس .
يقول صقر غباش: يعد نمط التنمية المتبع هو المحور الأساسي لكل ما يحدث إيجاباً أو سلباً في سوق العمل، وما لم تتم معالجة الخلل في نمط التنمية المتبع حالياً في منطقة الخليج، فسيظل هناك دائماً تساؤل إزاء ما يتعلق بتحدي توطين العمالة .
ودول مجلس التعاون شهدت في السنوات الأخيرة، معدلات نمو مرتفعة، بلغت خلال الفترة 2000 ،2008 نحو 5،8% سنوياً، مقارنة إلى 2،3% في الدول المتقدمة، و4،3% على مستوى العالم . غير أن نمط النمو الذي ساد منطقة الخليج اعتمد على الاستثمار في قطاعات تتطلب عمالة كثيفة، وهذا أدى إلى تزايد معدلات استقدام العمالة الوافدة بوتيرة متسارعة في القطاع الخاص، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة في كل من الإمارات 31% والبحرين 17،8% عام 2008 . وأغلب هذه العمالة من الفئات ذات المهارات المتدنية . إن ما يلفت النظر إليه أن نسبة الزيادة في معدلات استقدام العمالة الوافدة فاقت بكثير نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي الفعلي، الأمر الذي كانت له تداعياته السلبية على استدامة عملية النمو، وعلى فرص تشغيل مواطني دول المجلس في القطاع الخاص .
وبرغم زيادة معدلات النمو بشكل عام، وزيادة فرص العمل المصاحبة لهذا النمو، فإن هذا الأمر لم ينعكس بشكل إيجابي على العمالة المواطنة التي لا تزال نسبتها في القطاع الخاص محدودة جداً، فأدى ذلك إلى بروز مشكلة آخذة في التفاقم، وهي مشكلة البطالة بين شرائح متعددة، أهمها شريحة جيل الشباب، ففي عام 2008 كانت نسبة مواطني دول المجلس في حجم العمالة بالقطاع الخاص تتراوح بين 20%، كما في البحرين، و0،4% فقط في الإمارات، والسبب في ذلك يرجع إلى أمور عدة، أهمها: أن أغلب فرص العمل التي أنتجها نمط التنمية القائم، لم تكن تصلح لمواطني دول المنطقة، لأن الطلب في القطاع الخاص، تم تركيزه على نوعية العمالة غير الماهرة وذات الأجور المنخفضة والتي لا تحفز من يرتبط بها .
وتقول ورقة العمل ان معدلات استقدام واستخدام العمالة الوافدة في القطاع الخاص سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في معظم دول المنطقة خلال السنوات 2000 ،2005 كما ازدادت تلك المعدلات بوتيرة متسارعة في السنوات التي تلت ذلك لتصل مستويات غير مسبوقة في كل من الإمارات 31%، ومملكة البحرين 17،8% في عام 2008 .
وتشكلت العمالة في معظمها من الفئات ذات المهارات المتدنية، فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة الجامعيين من العمالة الوافدة في القطاع الخاص في سنة 2008 ال10% في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة . وبالمقابل بلغت نسبة من هم دون المستوى الثانوي من العمال الوافدين 51% في الإمارات و86% في السعودية .
ووفق الاحصائيات الموثقة لدولة الإمارات على سبيل المثال، فإنه لم يصاحب الوتيرة المتزايدة في الاعتماد على العمالة الوافدة تسارعاً مماثلاً في نمو إجمالي الناتج المحلي الفعلي، مما يؤشر إلى تراجع الانتاجية . وقد ترتبت على اتساع الفجوة بين وتيرة تزايد العمالة الوافدة من ناحية، ووتيرة تنامي الانتاج من ناحية أخرى، تداعيات سلبية مرشحة لأن تؤثر سلباً في استدامة النمو الاقتصادي، كما على فرص تشغيل مواطني دول المجلس في القطاع الخاص .
وقال وزير العمل في خلاصة ورقته .
تتمثل أهم الدروس المستفادة من تطورات السنوات الماضية في أن سوق العمل يظل انعكاساً حقيقاً لنمط وسياسات التنمية الاقتصادية الشاملة، فهو يتأثر بها إلى حد كبير، كما تأكد أن سياسات وبرامج سوق العمل، مثل التدريب والتعيين ونظام الحصص، لن تكون ذات فائدة ونفع بمنأى عن منظومة متكاملة للتنمية الاقتصادية تأخذ في جوهرها ومظهرها طبيعة التركيبة السكانية لدول مجلس التعاون، وطبيعة التحديات التي أصبحنا نواجهها نتيجة للسياسات السابقة والحالية .
ومن جانب آخر، فإن تحسين مخرجات التعليم سيعزز بالتأكيد من تأهل المواطنين للالتحاق بسوق العمل، إلا أن الاستفادة القصوى من تأهيلهم تتطلب أن يفرز سوق العمل فرص عمل مؤاتية ومحفزة للمواطنين وتتجاوب مع تطلعاتهم وتقلل الفارق بين القطاع العام والخاص . أي أن تصاغ السياسات والأنظمة التي من شأنها تشجيع تطوير رأس المال البشري ليس فقط في المؤسسات التعليمية فحسب بل من خلال التدريب والتعليم المستمر وتطوير المهارات، من جهة، وتسهيل استيعاب سوق العمل للعمالة المواطنة المؤهلة وتوفير المردود المناسب للاستثمار في الموارد البشرية من جهة أخرى .
والمساهمة في تحسين بيئة الأعمال التنافسية، وجذب المهارات والمحافظة عليها، وتسهيل المرونة في سوق العمل الداخلي .
تحديات تواجه سوق العمل
خصصت الجلسة الرابعة برئاسة الدكتور عبدالرضا أسيري عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت، لبحث التحديات التي تواجه سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي .
وقدمت الدكتورة ندى سليمان المطوع من مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت، ورقة المؤشرات التنموية لدول مجلس التعاون: التعليم والتوطين .
تقول الباحثة إن المتغيرات الدولية المتتابعة فرضت واقعاً جديداً على دول مجلس التعاون التي يجمعها إلى جانب الموقع الجغرافي الواقع السياسي والاقتصادي، الرغبة المشتركة في تنظيم سياستها التنموية .
وطبقاً لتقارير اقتصادية عدة أبرزها تقرير التنمية البشرية الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 2009: تسبب عدة عوامل منها الاعتماد المتزايد على عائدات النفط، ظهور مؤشرات أسهمت في اضعاف هيكل الاقتصاد، وتركه عرضة لتقلبات الأسواق العالمية .
وبدأت مؤشرات اقتصادية في البروز نتيجة تذبذب النمو الاقتصادي الخليجي والانكماش الاقتصادي العالمي الراهن . وأبرز المؤشرات التي تقتضي الاهتمام تلك التي أثرت في الموارد البشرية، وتأثرت بها، وأبرزها التعليم وتناسقه وفرص العمل المتاحة .
وتهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على الابعاد التنموية في منطقة الخليج بشكل عام، والمؤشرات الخاصة بالعمالة والتوطين بشكل خاص، ومن ثم التوصل إلى الاستراتيجية المناسبة لتعزيز سياسات التنمية البشرية في منطقة الخليج، مع التركيز على تقرير الأمم المتحدة للتنمية الانسانية العربية للعام الماضي، بالإضافة إلى تجربة الكويت في التعامل ازاء المؤشرات التنموية ومن ثم التوصل عبر التخطيط الاستراتيجي إلى التوصيات الخاصة بسياسات التعليم وسوق العمل .
وقدم بول داير من كلية دبي للإدارة الحكومية ورقة تنامي فئة الشباب في منطقة الخليج: التحديات والفرص .
يرى الباحث أن تضخم أعداد فئة الشباب في العالم العربي يعد بتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، ولكن هذا الوعد يتطلب من أفراد الشباب العرب أن يضمنوا تعليماً جيداً، يزودهم بالمهارات، التي يحتاج إليها القطاع الخاص المتنامي .
توحيد معايير التعليم العالي
تناولت الجلسة الخامسة برئاسة الدكتور علي محمد فخرو وزير التربية والتعليم الاسبق في مملكة البحرين، العولمة والتعليم وسوق العمل وناقشت ورقتي عمل .
فقد قدم البروفيسور هيولودر من جامعة باث في المملكة المتحدة، ورقة توحيد معايير التعليم العالي وسوق العمل للخريجين .
وتبحث الورقة التوجهات نحو وضع معايير عالمية موحدة للتعليم العالي وعلاقتها بسوق العمل العالمية: فثمة من يقول انه، مع انشغال الكثير من الجامعات بقدر ما من توحيد هياكل الدرجات العلمية والنتائج بحكم التدفق الدولي للطلاب بين الجامعات، فإن جامعات النخبة ستتردد في الاشتراك في هذه الاجراءات، لأن سمعتها في سوق العمل العالمية ليست مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسائل التفوق الدراسي فحسب بل بنوع الشخصية المتوفرة لطلابها أيضاً، وتشير إلى أن المنظمات العالمية على وجه الخصوص تسعى إلى توظيف متعددي الثقافات واللغات في برامجها الخاصة بالموهوبين، وهذه التطورات تثير في المقابل تساؤلات حول المساواة .
وقدم البروفيسور فليب براون من جامعة كارديف في المملكة المتحدة، ورقة استراتيجيات الشركات ومستقبل سوق العمل .
ويقول الباحث: عززت الأزمة الاقتصادية العالمية وجهة النظر القائلة، بأن ازدهار المستقبل يعتمد على كسب ميزات تنافسية في اقتصاد المعرفة العالمي، وقد انعكس هذا الرأي على الدور المركزي للتعليم والمهارات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، وهي لا تعد سبيلاً إلى اقتصاد تنافسي فحسب بل إلى تأسيس عدالة وتماسك اجتماعيين أيضاً .
ويتناول هذا العرض فرضيات هذه السياسة اعتماداً على النتائج الأساسية لدراسة رئيسية حول استراتيجيات الشركات العالمية ومستقبل العمل، شملت شركات عبر وطنية رائدة، وصانعي قرار من سبع دول هي الصين وألمانيا والهند وكوريا وسنغافورة والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة .
وألقى الضوء على آخر التوجهات التي تصوغ المعروض العالمي من خريجي الجامعات، والطلب على العاملين في قطاع المعرفة، كما تناول بروز المزاد العالمي للأعمال التي تتطلب مهارات عالية، ودراسة مضامينه الخاصة بسياسة التعليم وسوق العمل في الدول المتطورة ودولة الإمارات العربية المتحدة .
المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل
عقدت الجلسة الختامية برئاسة الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تحت عنوان “المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل . . . ماذا نفعل؟”، واستعرضت ثلاث أوراق عمل .
فقد قدم الدكتور صالح عبدالله المانع من جامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية، ورقة استعرض فيها تجربة الجامعة منذ 2005 لتطوير التعليم الجامعي فيها وربط خريجيها بسوق العمل، موضحاً اعتمادها على عدة محاور أهمها: إعداد الطلاب وتنمية مهاراتهم العملية بشكل مبرمج وأسلوب متكامل وخاصة في السنة التحضيرية، تحفيز الأستاذة والمحاضرين سواء مادياً أو معنوياً أو عبر برامج تدريبية قصيرة لزيادة مهاراتهم التدريسية، وعبر الاحتكاك بالأساتذة الزائرين من الفائزين بجائزة نوبل، ومن يقدمون محاضرات دورية بالجامعة، زيادة الإنفاق على البحث العلمي بالجامعة عبر بناء مراكز للتميز في البحث العلمي، وإنشاء كراسي علمية بالتعاون مع القطاع الخاص، وإنشاء معامل مشتركة للباحثين السعوديين والأجانب بالتعاون وجامعات أجنبية داخل الجامعة نفسها أو في بعض الجامعات الأجنبية، وربط الجامعة برجال الأعمال بالمملكة عبر إنشاء أوقاف للجامعة، وزيادة فرص التدريب للطلاب، وجعل رجال الأعمال يشتركون في مجالس الكليات ومجلس الجامعة .
كما قدمت الدكتورة مريم سلطان لوتاه من جامعة الإمارات، ورقة تقول فيها: قد يبدو من أول وهلة أن ليس هناك من جديد يضاف حول هذا الموضوع، الذي كثر تناوله سواء على الصعد الأكاديمية أو الإعلامية أو الرسمية، وهو اعتقاد صحيح إذا تم تناول الموضوع ومعالجته بالطريقة المعتادة والمنطلقة من طرح التساؤل الآتي: إلى أي مدى يمكن أن نقول إن مخرجات التعليم في الإمارات تواكب متطلبات سوق العمل؟ ذلك التساؤل حكم الكثير من الجدل حول الموضوع ووجهه، وقاد إلى نتائج محددة تم في ضوئها مراجعة السياسات التعليمية، وإعادة هيكلة التخصصات .
غير أن هذه الدراسة تحاول تقديم معالجة مغايرة تنطلق من البحث في ما وراء ذلك الطرح أو بعبارة أكثر دقة البحث ما وراء مقولة التعليم وسوق العمل لمعرفة السياق الذي طرحت فيه، واستجلاء فلسفته ودلالاته .
وتطرح الورقة، أن أي إصلاح للأوضاع القائمة ينبغي له أن يشمل، بالإضافة إلى نظم التعليم، تغييرات هيكلية لسوق العمل ونظام الأجور بما فيها تلك السائدة في مؤسسات القطاع العام .