الدين للحياة
من كنوز البلاغة القرآنية
الكتاب المبين في البيان القرآني آخر تحديث:الجمعة ,12/03/2010
د . عادل أحمد الرويني

1/1


قال تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) (يس: ،69 - 70) .


هاتان آيتان كريمتان تدفعان عن الرسول صلى الله عليه وسلم - الشاعرية وتنفيان الشعر عن القرآن الكريم . والجملة هنا مستأنفة ابتدائياً لتتوفر على الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن القرآن الكريم . ومن الملاحظ أن الرد القرآني في الآية الكريمة جاء مستقلاً عما قبله بمعنى أنه لم يتقدمه سرد لافتراء مشركي مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ولا عن القرآن بأنه شعر وعلى هذا فالدفاع القرآني هنا جاء رداً على افتراءات لهؤلاء في سور أخرى . وهذه الآية وما بعدها ناظرة إلى قوله تعالى في مطلع السورة: (يس، والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين، على صراط مستقيم، تنزيل العزيز الرحيم، لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون) (يس: 1- 6) .


تثبيت الرسول


ترى في آيات المطلع تثبيتاً للرسول صلى الله عليه وسلم - وتأنيساً له في مواجهته لحملات المشككين في رسالته وفي ما جاء به وفي المطلع أضيف التنزيل أي القرآن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى العزيز الرحيم وما دام هو كذلك فإنه ليس شعراً بل ذكر وقرآن مبين لأنه (تنزيل من رب العالمين) (الواقعة: 80) وإذا انتفى الشعر عن القرآن الكريم فإن مبلغه صلى الله عليه وسلم - ليس شاعراً لأن ربه الذي جعله على الصراط المستقيم بعد أن اختاره لرسالته لم يعلمه الشعر، ثم تجد تواصلاً أيضاً بين قوله تعالى: (لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) (يس: 70) .


كما جاء في قراءة نافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بين قوله سبحانه: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون) (يس: 6) فبيان وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم - هو خيط التواصل بين الآيتين وهذا ما يسمى برد العجز على الصدر .


والآن نقف أمام تركيب الآية لنرى كيفية بناء الرد القرآني على كفار مكة في (يس) فالضمير في قوله: “علمناه” عائد إلى معلوم يقتضيه المقام، وليس عائداً إلى مذكور وقد أجاز النحاة هذا إن كان الضمير يعود إلى من له شهرة ومكانة ومنزلة في الكلام بحيث لا يلتبس على المخاطب تعيين المراد من الضمير وعلى هذا فالمقصود هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .


تأمل بناء الفعل للمعلوم وإضافة تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم - إلى نون العظمة حيث لم يقل مثلاً: وما علم الشعر أو: ما علمته الشعر، وما يوحي به هذا من تعهد الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم - وتعليمه وتأديبه وما دام سبحانه هو المباشر لتعليم رسوله صلى الله عليه وسلم - فما بال قومه يرمونه بما لا يليق من صفات، ويتهمونه بما تنشق له الأرض من تهم؟


أليس من الأولى أن يسلم لرجل هذه منزلته عند ربه بالإذعان والإقرار بالإيمان؟ هنا نفي من الله تعالى بأنه - سبحانه - علم رسوله الشعر . . وما دام هذا كذلك فمحمد صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر ولن يكون شاعراً لأن ربه لم يعلمه الشعر وما دام رب محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه المتعهد بتعليمه وتربيته لم يعلمه الشعر فمن ذا الذي يعلمه ذلك؟


أيضاً فإن ما جاء به ليس شعراً لأنه لم يعلمه . ولعلك لا تخطئ القول بناء على ما سبق إن قلت: إن الرد القرآني هنا بني على طريقة الكناية وفي هذا الرد إدماج بنفي صفة الشعر عن القرآن الكريم وبنفي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم - شاعراً .


منهجان مختلفان


وجاء قوله - سبحانه (وما ينبغي له) (يس: 69) اعتراضاً لنفي لياقة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون شاعراً (فالشعر منهج غير منهج النبوة . . الشعر انفعال . . وتعبير عن هذا الانفعال، والانفعال يتقلب من حال إلى حال . .والنبوة وحي على منهج ثابت على صراط مستقيم يتبع ناموس الله الثابت الذي يحكم الوجود كله فطبيعة النبوة وطبيعة الشعر مختلفتان من الأساس هذه في أعلى صورها أشواق تصعد من الأرض وتلك في صميمها هداية تتنزل من السماء) .


ولعل القصد من عدم تعليم النبي صلى الله عليه وسلم - الشعر هو استئصال أي شبهة ظن أو ريبة تتعلق بنفوس سامعيه ليتضح بهتان وزور كل مفتر عند هؤلاء الذين ملكوا زمام الفصاحة والبيان والشعر بضروبه وطرقه فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم -عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة كما قال شيوخنا .


وجاء قوله سبحانه: (إن هو إلا ذكر وقرآن) (يس 69) . مفصولاً عما قبله لشبه كمال الاتصال (لأن نفي الشعر عن محمد صلى الله عليه وسلم - وعما جاء به يثير سؤال سائل يقول: فما هو الذي أوحي به إلى محمد عليه الصلاة والسلام؟ فكان قوله: (إن هو إلا ذكر) (يس: 69) جواباً لطلبه) .


تأكيد المعنى


والضمير “هو” عائد على القرآن المستنبط من قوله: “علمناه” وفي قوله: (إن هو إلا ذكر) يس: 69 قصر موصوف على صفة، حيث قصر وصف ما تعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم - على كون الشيء المتعلم ذكراً وقرآناً وليس شعراً كما زعم كفار مكة وعلى هذا فالقصر قصر قلب .


وفي هذا القصر تأكيد للمعنى الكنائي في قوله: (وما علمناه الشعر) يس: 69 أي تأكيد للرد القرآني بدفع الشعر عن القرآن وعن مبلغه صلى الله عليه وسلم - وقد وصف الكلام المنزل على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم - والمعلم إياه بأنه ذكر هكذا بصيغة المصدر للمبالغة في كونه مذكراً للجاهلين والغافلين، وفي قصر القرآن على الذكر من دون أي وصف آخر من أوصافه للمبالغة في وصف آياته بالتذكير حتى لكأن هذه السور والآيات الذكر نفسه وكأن الذكر قد تجسد منه القرآن للدلالة على شدة تمكنه فيه، وكما وصف بأنه قرآن مبين أي بأنه كلام مقروء أبان عن أغراضه بفصاحة وبلاغة .


وفي قوله تعالى: (لينذر من كان حياً) (يس: 70) بيان لوظيفة القرآن وقرئ (لتنذر) وفي هذا التفات من الغائب إلى المخاطب أي لينذر محمد صلى الله عليه وسلم - الذي علمناه من كان حياً . . وتلمح في هذا الالتفات الانتصار لمحمد صلى الله عليه وسلم - حيث توارى في الخطاب في أول الآية ليتوافر الكلام على الرد عليهم، وحرصاً على قرع مسامع الكفار بهذه الحجة على لسان الحق تعالى وكأن القرآن يقول له: نحن نكفيك الإجابة كما ورد صراحة في قوله سبحانه لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: (إنا كفيناك المستهزئين) (الحجر: 95) .


وفي عود الالتفات إليه صلى الله عليه وسلم - إشعار بإعلان الظفر له ببيان وظيفته صلى الله عليه وسلم - بعد إلجام خصومه والله أعلم وتخصيص الإنذار بالعاقل الذي يدرك ما ينصح به ويستجيب له لأنه المنتفع به إذا ذكر بخلاف الغافل الذي لا ينتفع بموعظة ولا ذكرى .


وقوله: (ويحق القول على الكافرين) (يس: 70) أي ويحق العذاب على الكافرين الجاحدين بنبوتك وبما جئت به . . والتعبير عن الكافرين باسم الفاعل دلالة على رسوخهم في الكفر وثباتهم واستمرارهم عليه فهم غارقون في الكفر ولذا لا مناص لهم من العذاب، وتجد في هذا الوصف إشارة إلى علة استحقاقهم لعذاب الله تعالى وغضبه عليهم لإصرارهم على الكفر . والله أعلم بمراده و صلى الله على سيدنا محمد وسلم .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008