الخليج الثقافي
ضوء
النقد السينمائي ومتعة المشاهدة آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
عدنان مدانات

واحد من أسوأ المقالات التي كتبتها خلال سنوات ممارستي الطويلة للنقد السينمائي كان عن فيلم أحببته كثيرا واستمتعت به أثناء مشاهدته وتأثرت به ومس كل حدث فيه شغاف قلبي وجعلني أتماهى مع شخصية بطله الرئيسي وأشعر بهمومه وكأنها همومي الخاصة، كان واجبا علي بعد مشاهدتي للفيلم الإسراع إلى مبنى الصحيفة التي كنت أعمل فيها كي أكتب مقالا عن الفيلم لعدد اليوم التالي، كتبت المقال وكأني أريد أن أتخلص من هم ثقيل وواجب بغيض، احتل مقالي موقعه في أعلى الصفحة من الجريدة في اليوم التالي، مع أنه بدا لي حسب انطباعي الشخصي عنه وكذلك انطباعات أصدقائي مقالا ضعيفا، مشوشا، وقد حصل ذلك لأن تأثري العاطفي الايجابي بالفيلم ناقض تحليلي اللاحق له الذي عثر فيه على العديد من نواحي الضعف .


حاولت الاستفادة من التجربة هذه في مقال لاحق لتلافي الوقوع في نفس الخطأ مرتين . كنت أشاهد احد الأفلام بمتعة شديدة في ما أقاوم الأفكار التي تتسلل إلى رأسي بالتوازي مع المشاهدة وتجهز لي أفكارا لمقالي المقبل عن الفيلم، ولأنني ما كنت أرغب في أن تفقدني شطحات أفكاري المرتبطة بالمقال المطلوب مني متعتي بأحداث الفيلم، فقد قمعت هذه الأفكار بحجة أنني سأشاهد الفيلم مرة ثانية في اليوم التالي وستكون المشاهدة الثانية مخصصة للتحضير للمقال . غير أنني لم أحب الفيلم في المشاهدة الثانية ولم أستمتع به، بل استغربت من نفسي كيف أحببته أثناء المشاهدة الأولى، أما المقال الذي كتبته فقد كان بدا لي جيدا من ناحية التحليل وباردا جافا من ناحية المشاعر .


كان هناك فيلم بدا لي منذ البداية مشوقا ولكنني أجلت عن سابق إصرار التمتع به تحت وقع الحاجة للكتابة عنه بسرعة للصحيفة التي كنت أعمل فيها، وحتى الآن ما زلت أتحسر على ضياع فرصة مشاهدته للمرة الثانية .


اضطررت ذات يوم افتتحت فيه صالات السينما برنامج عرض أفلامها الجديدة خلال الأسبوع لمشاهدة أربعة أفلام تباعا في أربعة صالات سينما مختلفة، كانت المشاهدة الأخيرة في حفلة منتصف الليل، وكنت حينها على درجة من الإرهاق منعتني من استيعاب أحداث الفيلم وفهم أفكاره، بل حتى تذكر أحداثه في اليوم التالي، فعوضت عن هذا القصور في اليوم الذي كان واجبا عليّ فيه تسليم مقالي عن الفيلم للجريدة بكتابة مقال فيه الكثير من التمتع بالبلاغة اللغوية الإنشائية التي كان مرادا منها أن تتستر على خواء المضمون وارتباك الفكر ومجانية الأحكام، ولم يكن هذا المقال أسوا ما كتبت في حياتي، بل كان أيضا أكثر مقال نشرته و نالني بسببه الكثير من التقريع من قراء أعرفهم .


نشرت في أحد الأيام مقالا عن فيلم تضمن الكثير من الهجوم اتهمت فيه الفيلم بأنه مخلخل من الناحية السردية وبخلوه من الفن وبضعفه التقني وبأنه ينتمي إلى نمط الأفلام التجارية التي تشوه الواقع وتزيف الأمور . لم يتضمن مقالي أية إشارة إلى أنني في واقع الأمر أحببت بعض المشاهد التي وردت في الفيلم وتركت أثرا طيبا في نفسي واستمتعت بها، فإما إنني خفت أن يتعارض اعترافي بالإعجاب ببعض مشاهد الفيلم مع النقد الصارم الذي وجهته له والمنطلق من موقف يوصف بالأيديولوجي، أو أنني خجلت من الاعتراف العلني أمام الملأ وعبر صفحة الجريدة بهذا الإعجاب بمقاطع من فيلم هاجمته بقسوة، فيلم ينتمي إلى نوع من السينما التي أرفضها .


خرجت يوما من صالة السينما بعدما شاهدت فيلما استحوذت مشكلة الشخصية الرئيسية فيه على كياني، كان الفيلم يتحدث عن رجل مرح مجال عمله الدعاية والإعلانات لكنه مع وصوله إلى خريف العمر يكتشف فجأة كم هي حياته وهو مزيف وكم فارغة من القيمة الإنسانية، وفي النهاية ينتحر . خرجت من الفيلم حزينا ومحبطا، في اليوم التالي جلست وراء الطاولة لكتابة المقال، وهو أمر لا مناص منه، فالكتابة كانت، وللأسف الشديد، وسيلتي الوحيدة المتاحة لكسب الرزق، وانساب قلمي بسهولة وتفتحت قريحتي عن بلاغة لغوية إنشائية من النوع الذي أحاول عادة أن أتفاداه، لكن المقال لم يكن عن الفيلم بل عبّر عن جملة مشاعر حزينة سيطرت عليّ، أعجب المقال بعض أصدقائي الذين نظروا إليه باعتباره نصا أدبيا ولكنهم لم يفهموا ما علاقته بالفيلم المعني .


قد يؤدي النقد الواقع تحت سيطرة متعة المشاهدة إلى نص انطباعي وذاتي يضلل القاريء، في حين أن تجاهل المتعة قد يتسبب في تشكيل نص جاف لا يتحسس المشاعر المبثوثة في الفيلم ولا يستوعب الجماليات ذات الدلالة .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008