بعد أن خاب سعي الرئيس محمود عباس في الحصول على “الضمانات” الأمريكية، راح يشكو من الضغوط الأمريكية والأوروبية، غير المسبوقة على حد تعبيره، للعودة إلى طاولة المفاوضات . وكأنه وفريقه انقطعا عن التواصل مع قادة الكيان وأجهزته الأمنية . كما تعددت زياراته وبعض أركان سلطته لعواصم دول “الاعتدال” العربية، طالباً دعم انخراطه فيما يسمى “المفاوضات المباشرة” . وهو دعم غير مقصود به الاستقواء في مواجهة “الضغوط” الأمريكية والأوروبية، وإنما مواجهة الرفض الفلسطيني المتنامي للانخراط في “مفاوضات”، معروف مسبقاً أنها لن تتمخض عن أي انجاز وطني، وإنما غايتها توفير الوقت اللازم لاستكمال تهويد القدس وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة . وحين يكون موضوع “المفاوضات المباشرة” المدعو للانخراط بها الرئيس عباس وفريقه البت في قضايا: القدس، واللاجئين، والحدود، والدولة ذات السيادة، فإن ذلك يستدعي التذكير بما يأتي:
1- منذ أن كان المشروع الصهيوني فكرة، في أربعينات القرن التاسع عشر، بدا جلياً أنه يقع في صلب الاستراتيجية الكونية للقوى المتحكمة في صناعة القرارات الأوروبية . ومنذ آلت مقاليد هذه القوى للإدارة الأمريكية مطلع أربعينات القرن العشرين، غدا المشروع الصهيوني موضوع رعايتها ودعمها، وقد حرصت منذ إعلان قيام “إسرائيل” سنة 1948 على تقديم الغطاء السياسي لممارساتها العنصرية، وتجاوزاتها الدائمة للقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان . ولم تلبث أن أعلنت تحالفها الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني . وعلى مدى الاثنتين والستين عاماً الماضية ليس من إدارة أمريكية اتخذت موقفاً واحداً متوازناً في الصراع العربي الصهيوني .
2- ما يواجهه شعب فلسطين وأمته العربية إنما هو استعمار استيطاني عنصري إجلائي، اقترف جريمتي التسفير القسري “الترانسفير” والتطهير العرقي في حرب 1948/،1949 ولما يزل لم يسقط طموحه بإفراغ فلسطين من شعبها العربي، ليجعل منها “دولة يهودية” نقية من “الغوييم” . ولم يعرف التاريخ حالة واحدة من حالات الاستعمار الاستيطاني العنصري جرت فيها تسوية الصراع بين الغزاة الطارئين وأصحاب الأرض الشرعيين بالتنازلات المتبادلة، وإنما كان الصراع على الدوام “معركة صفرية” . ما يعني أن مقولة “خذ وطالب” لا تصدق في الصراع العربي الصهيوني . وهذا ما يوضح علة انسداد آفاق “عملية السلام” التي أطلقها الرئيس الأمريكي بوش الأب في مؤتمر مدريد عام 1991 .
3- على مدى التاريخ الانساني واجهت شعوب كثيرة، ومن جملتها الشعب العربي، غزاة ومستعمرين متفوقين بالإمكانات المادية، والقدرات العلمية والتكنولوجية، وكفاءة إدارة الصراع . غير أن الشعوب في معظم تلك الحالات ابتدعت أساليب من الممانعة والمقاومة، أثبتت جدارتها في مواجهة تفوق العدو الذي كان مستحيلاً عليها تحقيق توازن استراتيجي معه على صعيد ما هو متفوق به .
4- في العام 1886 اصطدم فلاحو قريتي الخضيرة وملبس مع مستوطني مستعمرة “بتاح تكفاه”، على خلفية طرد المزارعين العرب من بعض أراضي القريتين التي باعها أحد كبار الملاك للصهاينة . وعلى مدى السنوات المئة والأربعة والعشرين التالية، شكّلت المقاومة ذروة الحراك الوطني الفلسطيني وأداته الوحيدة المنتجة، وموضوع تعاطف وتأييد الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم . بحيث يمكن القول إن المقاومة كانت، ولا تزال، الخيار الاستراتيجي العربي في مواجهة استراتيجية التحالف الامبريالي الصهيوني .
5- حين تعقد المقارنة بين ما كان غداة توقيع محمود عباس اتفاق أوسلو مع رابين، في حديقة البيت الأبيض برعاية الرئيس كلينتون، في 13/9/،1993 وما هي عليه اليوم حال الأطراف الثلاثة: الأمريكي و”الإسرائيلي” والعربي، يتضح أن الزمن لم يسر لصالح الطرفين الأولين . فالإدارة الأمريكية لم تعد القطب الدولي مطلق الارادة في الشؤون الدولية، بتأثير تداعيات الأزمة المالية، وما تواجهه في أفغانستان والعراق، وتحديات القوى الدولية الصاعدة وبالذات الصين . فيما التجمع الاستيطاني الصهيوني يعيش مأزقاً وجودياً بفعل تحولاته البنيوية المتمثلة بتراجع فعالية ما كان يعتبر يساراً أمام تعاظم دور اليمين الديني والعلماني، فضلاً عن افتقاده قوة ردعه وسقوط أساطير تفوقه في صيف 2006 في مواجهة حزب الله والعدوان على قطاع غزة أواخر العام 2008 ومطلع ،2009 وافتضاح طبيعته العنصرية، واهتزاز صورته عالمياً . وتعاظم القلق تجاه تنامي الحراك الوطني والمطلبي للمواطنين العرب في الأرض المحتلة سنة 1948 وتزايد تواصلهم وتفاعلهم مع عمقهم الوطني والقومي .
6- لم يحقق فريق أوسلو، سواء بقيادة الراحل ياسر عرفات، أو الرئيس محمود عباس، أي انجاز وطني . وإن قيل بأنهم بتوقيع الاتفاق العتيد تمكنوا من إعادة عشرات الأولوف الى الضفة والقطاع المحتلين، وأعادوا تصويب البوصلة بأن جعلوا من بعض الوطن الفلسطيني مسرح الصراع بعد أن كان يدور خارجه، فقول غير تاريخي . ذلك لأن تفجر انتفاضة أطفال الحجارة سنة 1987 هو ما أحدث تصويب المسار، في حين أن رابين ما كان ليقدم على مفاوضات أوسلو لو أن قواته المسلحة نجحت في قمع انتفاضة أطفال فلسطين . ما يعني في التحليل الأخير أن المقاومة هي من حققت الانجاز في الحالين وليس التنازلات الكارثية التي انطوى عليها الاتفاق سيئ السمعة .
وفي ضوء ما سبق يتضح أن المراهنة على دور أمريكي منصف وغير منحاز تماماً للصهاينة مراهنة عبثية . وأن كل طموح للوصول الى تسوية بالحد الأدنى من المطالب العربية المشروعة طموح غير واقعي . وعليه فإن الالتزام بالمقاومة كخيار استراتيجي، والعمل على تحقيق الجبهة الوطنية الملتزمة بالثوابت التي نص عليها “الميثاق القومي” الذي أصدره المجلس الوطني الفلسطيني الأول، سنة 1964 والتفاعل مع قوى الممانعة والمقاومة القومية والإسلامية، إنما هي الخطوات الأولى على الطريق الطويل والصعب للتحرير والعودة .