تمثل الطاقة النووية ضرورة ماسة في واقعنا المعاصر نظراً لأهميتها العديدة في الاكتشافات العلمية، والاحتياجات البشرية وكونها صديقة للبيئة . فهى تتسم بتنوع وتعدد الاستخدامات كتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر، وتسيير السفن، وتحضير النظائر المشعة ذات الاستخدامات المتنوعة في مجالات الأبحاث والطب والصناعة والزراعة، وأبحاث الفيزياء، ودراسة الظواهر الطبيعية ونحو ذلك .
وفي ظل التوجه العربي نحو استخدام الطاقة النووية فإن ثمة آراء بهذا الشأن، فيرى البعض أن الدول العربية اهتمت بهذا المجال بصورة غلب عليها التأخير خاصة وأن العالم يستخدم الطاقة النووية منذ عشرات السنين، كما يرى البعض الآخر أن الطاقة النووية المسموح بها للدول العربية هى للاستخدام السلمي، والعرب عندهم من مصادر الطاقة من نفط وغاز ما يكفيهم حالياً ومستقبلاً، ومن ثم فإن ما ينفق في المجال النووي هو تبديد للموارد خاصة وأن إنشاء المحطات النووية لإنتاج الطاقة عالي التكلفة مقارنة بالمحطات التقليدية التي تعمل بالغاز أو النفط، حيث إن كلفة بناء المحطات النووية أعلى ب3 إلى 4 مرات من تكلفة بناء المحطات التقليدية، وإن تكلفة بناء مفاعل نووي واحد تصل إلى 20 مليار دولار، وهناك تكلفة تشغيلية وصيانة باهظة تصل إلى 15 مليار دولار .
كما ينظر البعض إلى مخاطر الطاقة النووية ممثلاً في المخاوف العامة المتعلقة بالسلامة نتيجة الاستعمال السيئ للطاقة النووية وإمكانية أن تتحول إلى دمار في حالة عدم الالتزام بمعايير الأمان والسلامة أو تم استخدامها للأغراض العسكرية، فضلاً عن صعوبة التخلص الآمن من المخلفات أو النفايات النووية عالية الإشعاع، حيث تبقى مصدراً للاشعاع لملايين السنين . إضافة إلى عمليات التخزين ومشكلاتها وصعوباتها . فضلاً عن رغبة الولايات المتحدة في عمل إتجاه مواز للطاقة النووية الإيرانية وهو ماينذر بسباق نووي جديد في المنطقة يعطى الذرائع للولايات المتحدة لمزيد من التدخل في شؤون المنطقة والضغط عليها، فضلاً عما يترتب على ذلك من زيادة تكاليف صيانة مفاعلات الطاقة النووية . وفي الواقع فإنه رغم هذه الهواجس والمخاوف فإن هناك من المزايا ما يدفع الدول العربية نحو استخدام الطاقة النووية، فإذا كانت الدول العربية تأخرت في الدخول في هذا المجال فإن العودة إليه خير من الاكتفاء بالنظر إليه، فما لايدرك كله لايترك كله، كما أن الاستخدام السلمى للطاقة النووية هو مرحلية ننمى فيه خبراتنا وقدراتنا، وما بين الطاقة النووية السلمية والعسكرية شعرة وهو ما يوفر قوة الردع - ولو مستقبلاً - لدى الجانب العربي، هذا بالإضافة إلى التوقعات التي تشير إلى نضوب النفط خلال 80-100سنة المقبلة .
كما أن كمية الوقود المطلوبة لتوليد كمية كبيرة من الطاقة الكهربائية هي أقل بكثير من كمية الفحم أو النفط اللازمة لتوليد نفس الكمية، وتُنتج محطات الطاقة النووية الجيدة التشغيل أقل كمية من النفايات المعروفة بالنفايات المشعة التكنولوجيا النووية فلديها الاستعدادات لحل مسائل السلامة والتخلص السليم من النفايات المشعة، كما أنها لا تُطلق غازات ضارة في الهواء مثل ثاني أكسيد الكربون أو أكسيد النتروجين أو ثاني أكسيد الكبريت، التي تُسبب الاحتباس الحراري والمطر الحمضي والضباب الدخاني . وكذلك مصدر الوقود النووي (اليورانيوم) مُتوفر بكثرة وبكثافة عالية في المنطقة العربية وهو سهل الاستخراج والنقل .
وفي ظل هذه هذه المعطيات وما تظهره دراسات الجدوى الاقتصادية من جدوى استخدامات الطاقة النووية حالياً ومستقبلاً في الدول العربية حيث تعد محطات الطاقة النووية التي تدار بشكل جيد من أفضل مصادر إنتاج الكهرباء فعالية، فضلاً عن قدرتها على توليد طاقة نظيفة أقل ضرراً على البيئة ومن ثم مقاومة التغير المناخي، إضافة إلى التنوع الاستخدامي في المجالات المتعددة، وتوفير متطلبات أنشطة البحث العلمي في الجامعات، ومراكز البحث العلمي من أبحاث النظائر المشعة في المجالات الطبية، وأبحاث الفضاء، والأبحاث الجيولوجية، بالإضافة إلى استخدامها في مجالات الأمن الغذائي، وقدرتها على التطوير الصناعي وتزويد المصانع بالطاقة بأسعار اقتصادية مقبولة، وفتح آفاق جديدة للعمل، ومن ثم توفير فرص عمل ذات قيمة عالية، إلى جانب تعزيز نواحي التنمية المستدامة .
كل هذا يبرز أهمية الطاقة النووية للدول العربية خاصة في ظل الحاجة إليها في تحلية المياه وتوليد الكهرباء المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي العربي - في ظل التوقعات بأن الحروب القادمة هي حروب السيطرة على مصادر الطاقة والمياه -، فضلا عن تناقص الاحتياطيات المحدودة من النفط والغاز الطبيعي والفحم، وما يتطلبه ذلك من أهمية تنويع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد على الثروة النفطية والغاز الطبيعي فقط، وهو ما يسهم في حماية ثروة النفط والغاز الطبيعي وإطالة عمرها، وكل ذلك يُؤمن مصادر بديلة للطاقة للأجيال القادمة .
بل إن الأمن القومي العربي في أمس الحاجة إلى توفير قوة الردع خاصة في ظل تحذيرات وزير خارجية الكيان الصهيوني من خطورة سعى المملكة العربية السعودية ومصر إلى إقامة برامج نووية واعتباره إقامة هذه البرامج كارثة على “إسرائيل” يمكن أن تؤدى إلى ما أسماه ب”يوم القيامة” .
إن الواقع النووي العربي يكشف أن الدول العربية لاينقصها التمويل أو الكفاءات البشرية، ولكنها في حاجة إلى تخطيط استراتيجي نووي موحد ومتكامل لتكوين مظلة نووية عربية موحدة يقوم بنيانها على تشجيع التنسيق العلمي والفني والتكنولوجي بين الدول العربية، والاستفادة من التفاوض الجماعى مع غيرها وتوحيد التقنيات المستخدمة بحيث يسهل تنميتها وتبادلها بين الخبراء العرب . فحيازة العرب للطاقة النووية بات أمراً لا مفر منه من أجل مواجهة تحديات المستقبل والتصدي بعقلانية لمشاريع الهيمنة .
* أستاذ التمويل والاقتصاد المساعد بجامعة الشارقة وخبير الاقتصاد الإسلامي
adawaba@hotmail.com