رأي ودراسات

البحـــث

    
وقفة مراجعة مع "شاهد على العصر" آخر تحديث:السبت ,13/02/2010

عوني فرسخ

قدم الإعلامي المعروف أحمد منصور في برنامج “شاهد على العصر” المقدم عبدالكريم النحلاوي قائد الانقلاب الانفصالي الذي أودى بدولة الوحدة . إلا أن مقدم البرنامج وشاهده تناولا وقائع أهم التجارب العربية في القرن العشرين على قاعدة “لا تقربوا الصلاة” والسكوت عن بقية الآية الكريمة . وأنه من حق الأمة المرتهن مستقبلها بالوحدة، وأجيالها التي لم تعش الأحداث التي يتناولها البرنامج، عرض حقائق ما كان بصدق وموضوعية وبمعزل عن محاولة تصفية حسابات قديمة، ما يستدعي وقفة مراجعة تأسيساً على الحقائق الموثقة التالية:


الأولى: واجهت سوريا خلال السنوات الثلاث السابقة للوحدة تحديات داخلية وخارجية هددت استقلالها وأمان مواطنيها، فيما كانت مصر بقيادة عبدالناصر تمارس دوراً “قومياً” متنامي الفاعلية . وفي إطار التصدي لحلف بغداد أجرى وفد مصري برئاسة صلاح سالم محادثات مكثفة في دمشق مع وزير الدفاع خالد العظم ورئيس الأركان شوكت شقير، انتهت في 26/2/1955 بتوقيع بيان مشترك برفض الأحلاف والدعوة لإقامة منظمة دفاع وتعاون اقتصادي عربي، وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة . وبعد أيام انضمت إليهما السعودية . وفي مطلع الشهر التالي طرح العظم مشروع تطوير الاتفاق الثلاثي ليشكل خطوة لإقامة اتحاد دستوري بين الأطراف الثلاثة . ولدى عرضه على عبدالناصر أكد ضرورة السير بخطوات متأنية بإقامة الوحدة العسكرية أولاً، وبعد نجاحها تبدأ خطوات في المجالات الاقتصادية والتشريعية والثقافية . كما أوضح أن أي مشروع للوحدة سوف يثير قوى عربية وخارجية، ولا يجوز بالتالي طرحه قبل توفر الاستعداد المناسب لمواجهة القوى المعادية للوحدة . وغادر العظم القاهرة في 3/4/1955 من دون إقناع عبدالناصر بمشروعه . ولدى طرحه بعد عودته على مجلس الوزراء السوري لم يؤيده سوى وزراء حزب البعث .


الثانية: لمناسبة عيد الجلاء عن سوريا في 17/4/1956 دعا حزب البعث لاتحاد سوريا ومصر، ولقيت الدعوة قبولاً شعبياً وعسكرياً واسعاً، بحيث تشكل رأي عام مؤيد للوحدة وضاغط لتحقيقها . وتحت ضغط الشارع المؤيد من “المجلس العسكري” المؤثر في صناعة القرار، اتخذت وزارة “التجمع الوطني” برئاسة صبري العسلي قراراً بالطلب لمجلس النواب تشكيل لجنة تبدأ المفاوضات مع مصر لإقامة اتحاد فيدرالي . وفي 6/7/1956 أقر المجلس بالإجماع تشكيل اللجنة . وبالتالي غدا مطلب الاتحاد مطلباً وطنياً مجمعاً عليه . وقد حمل العسلي القرار الى عبدالناصر عندما توجه على رأس وفد للتهنئة بتوليه رئاسة الجمهورية، بعد جلاء آخر جندي بريطاني عن منطقة قناة السويس في 13/6/1956 منهياً أربعاً وسبعين سنة من الاحتلال .


الثالثة: لأهمية “المجلس العسكري” السوري في صناعة القرار، ولأن الجيش هو المؤسسة الأكثر تجسيداً للتحولات الاجتماعية في الساحة السورية، أوفد عبدالناصر في النصف الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 1957 اللواء حافظ اسماعيل للاجتماع مع أعضاء المجلس ليعرض عليهم وجهة نظره حول الصعوبات والمشكلات التي تواجه الوحدة . خاصة تمايز وضع الجيشين السوري والمصري، وبأن الوحدة قد تؤدي الى فقد الضباط السوريين بعض امتيازاتهم، واحتمال نقل بعضهم لمناصب مدنية، وأنه لن يسمح للضباط الاشتغال بالسياسة . كما أوضح تمايز الوضع الاقتصادي والسياسي في القطرين، ووجهة نظر عبدالناصر بأهمية النظر في عدم التجانس القائم بجدية . وختم حديثه بأن الرئيس يريد أن تكون الأمور واضحة أمامهم قبل الإقدام على أي عمل يتعلق بالوحدة” . وبعد تداول الضباط في رسالة عبدالناصر اتخذوا قراراً إجماعياً بالسير في تنفيذ الوحدة في أقصر وقت ممكن .


الرابعة: تضمنت مذكرة “المجلس العسكري” التي حملها وفده الى القاهرة ليلة 11/1/1958 المطالبة بإقامة جمهورية برئيس واحد، وسلطة تشريعية واحدة، وسلطة تنفيذية واحدة، وعلم واحد، وعاصمة واحدة . ولدى مناقشة رئيس الجمهورية والوزارة مذكرة الضباط صباح اليوم التالي قرروا إيفاد صلاح البيطار وزير الخارجية الى القاهرة ليعطي تحرك الضباط طابعاً رسمياً . وكان يحمل مشروع اتحاد فيدرالي، أعده البعث وأقرته الحكومة السورية، إلا أنه لم يعرضه أثناء المباحثات التي شارك فيها ممثلاً للحكومة السورية، إذ تبين تجاوز المباحثات لموضوع الاتحاد الفيدرالي . والتي انتهت بالاتفاق على “إعلان مبادئ” ينص على إقامة جمهورية رئاسية، يتولى فيها الرئيس السلطة التنفيذية من خلال وزراء يعينهم، وذات نظام لا حزبي يتجاوز الليبرالية والاقتصاد الحر . وذلك ما أجمع على إقراره صناع القرار السوري السياسيون والعسكريون .


الخامسة: لا شك في أنه وقعت أخطاء وتجاوزات للحريات ونزاعات بين أطراف الحكم إلا أن عهد الوحدة حفل بإنجازات اقتصادية واجتماعية وثقافية لصالح الغالبية السورية المهمشة، فضلاً عن الإنجازات القومية . ولم تكن الأخطاء والتجاوزات هي الحافز على الانقلاب الانفصالي، وإنما هي المنجزات التي استفزت القوى الدولية والعربية والسورية المعادية للوحدة . وبرهان ما أدعيه أن الوحدة المصرية  السورية التي جاءت تتويجاً لتفاعلات السنوات الثلاث السابقة، واتخذت في إقرارها كل الإجراءات الدستورية ديمقراطياً، أجهضت بانقلاب عسكري دبرته مخابرات أجنبية وعربية، ومَوَّله نظام عربي . ولقد تميز موقف الجماهير السورية تجاه الانقلاب الانفصالي عن مواقفها تجاه كل الانقلابات السورية السابقة، إذ لم تخرج حاملة صورة قائد الانقلاب ومنددة بالنظام الذي أسقطه، وإنما تصدت في كل المدن السورية لقوات الانقلاب رافعة علم الوحدة وصورة عبدالناصر، وهاتفة بحياته، ومطالبة بالحفاظ على الوحدة، وواصلت التظاهر والاضرابات شهوراً، كما أنها فرضت الإبقاء على مكاسبها في عهد الوحدة بالإصلاح الزراعي والقوانين العمالية .


 

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

03/02/2012
فارس عربي ترجل

27/01/2012
التيار القومي العربي، الواقع والتحديات

21/01/2012
رؤية بريجنسكي للمستقبل العربي

13/01/2012
التحدي الأكبر للإسلاميين في الحكم

06/01/2012
عام الإنجازات التاريخية

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008